حديث الفرد: التاجر ولصوص الضيعة

كان في بعض يسر. كانت له تجارة مربحة. بعد سنوات من الشغل، قال: «لماذا لا أكون فلاحا كأبي رحمه الله وأرزقه الجنّة.

أمشي مثله الى الحقول. أزرع زيتونا ورمّانا وخضرا مختلفة. في الأرض، تطمئنّ نفسي وفي الأرض أتفسّح طليقا وأنعم بالسكينة وألتقي بنفسي. في الأرض، راحة للبال وإعادة للقوى. كذلك عاش أبي رحمه الله وكذلك عشت خلفه لمّا كنت صبيّا». سأل الناس من حوله إن كانت هناك أرض للبيع. زار ضيعات عدّة. على بعد كيلومترات من مقرّ سكناه وجد ضالّته. اشترى أرضا أعجبته. هي أرض منبسطة فيها بئر عميقة ماؤها غير زلال لكنّه يروي. بعض الزياتين الشامخة تزيّن الأرض. كان يعشق شجر الزيتون وخاصّة منها تلك المسنّة، تلك التي زرعها أجدادنا الروم والبربر. المكان خال. لا جوامع من حوله تعكّر الصفو ولا جيران همّهم الرقابة والثرثرة. في الأرض سكون وشذى وهذه السماء صافيّة والعصافير في الأفق ترفرف...

اشترى الأرض فرحا متفائلا وتوكّل على الربّ يعمل. بعد أسبوع أو أسبوعين، ها هو يحرث الأرض، يرفع السدود، يزرع أشجارا مختلفة. هذه أشجار زيتون مباركة وهذا رمّان قد جاء ذكره في القرآن وهذه شجرة توت أحمر وهذا شجر تين وسرو تحيط بالأرض، من أطرافها الأربعة. أحبّ الرجل الأرض وأنفق فيها مالا كثيرا. اشترى محرّكا للبئر وقنوات مدّها في كلّ مكان وركن. كان التاجر مجتهدا، محبّا للشغل. لا يعرف كللا. يمشي كلّ يوم إلى حقله. يقلّبه. يرعاه. ينزع عنه كلّ حشيشة مغتصبة. يغرس ما أمكن من غرس. كان عاشقا للضيعة وفي سبيل إنماء الضيعة كان ينفق بلا حساب ويكدح كدحا. كان يقول لصحبه، مقتنعا: «إن أعطيت للأرض لسوف تعطيك الأرض أكثر». كان فرحا، سعيدا بما اشترى وبما هو يأتي من زرع، من متابعة، من حرث. كان يحكي للناس جميعا ما هو يلقى في نصف هكتار من انشراح ومتعة. كلّ عشيّة وفي الصباح أحيانا وأيّام الأحد، كان يذهب باكرا الى حقله، يتفقّده. ينظر في أشجار الزيتون غصنا غصنا، ورقة ورقة وكذلك يفعل مع أشجار الرمّان وشجرة التوت الكبيرة وما زرع من خضروات مختلفة...

في يوم من أيّام الربيع البهيّة، قال وهو يرى الدنيا من حوله تخضرّ، وهذا ماء من البئر يتدفّق باردا، رقراقا، يروي الشجر فترتفع أوراق الشجر الى السماء شاكرة، قال: «لماذا لا أعيش هنا؟ لماذا لا أبيت في الأرض، إن شئت ولمّا يشدّني تعب؟» في بضعة أشهر، بنى التاجر بيتا صغيرا يلجأ إليه كلّما نزل الغيث شتاءا وإن اشتدّ الحرّ صيفا. أثّث البيت بما استطاع من متاع، بعضه جديد وبعضه سقط. أدخل الماء والكهرباء حتّى لا ينقص البيت شيء. إنّه حقله العزيز. إنّها جنّته في الدنيا...

كان للرجل، في أيّامه، عيشان مختلفان. في النهار، يتعاطى تجارة تدرّ عليه ربحا وفي العشيّة، يأتي فلاحة ينفق فيها بعض ما كسب من ربح. هو رجل هنيء. هو تاجر ذكيّ. على خلاف القوم من حوله، هو عرف كيف ينظم حياته وكيف يجمع بين المال الحلال والعيش الرغيد. كذلك كان يقول لذويه ولأصحابه. كذلك، كان يؤكّد لكلّ من اعترض سبيله، يوما. منذ اشترى الأرض، تغيّرت حياة التاجر. انتهى من المقهى. لا وقت له يقضيه في المقهى. هو دوما في سعي. في الصباح، في حانوته يبيع. في العشيّة، في حقله يتابع، يرعى. أصبح في وجه الرجل حمرة وفي خطواته توقّد وفي كلامه حماسة وتطلّع. استعاد التاجر قوّته. في أرضه، هواء نقيّ وشغل وحركة. هو اليوم، في سعادة وغبطة. هو اليوم، يحمد الله كثيرا على ما أعطاه من أرض وصحّة. كذلك عاش الرجل أربع أو خمس سنوات ممتعة...

كبر الشجر. أثمر الزيتون حبّات قليلة. هذا رمّان أحمر يتدلّى. في أشجار التين أغصان متفرّعة. له بعض السواقي من الفلفل والطماطم. هناك، قرب شجرة التوت حيث يجلس للراحة إن شدّه تعب، زرع خطّا من الجزر. كلّ شيء، في أرضه، يافع، أخضر. كلّ شيء بدأ يثمر، يعطي أكلا... قال الرجل لأمّه ولإخوته، يوما: «في آخر الصيف هذا، سوف نأكل رمّانا غرسته بنفسي. في رمّاني حمرة بهيّة. رمّاني ليس كمثله رمّان. سوف ترون. هو ثمار من الجنّة. أمّا في الشتاء وسوف نجمع من زياتيني زيتا وفيرا، زيتا كالورد». ثم يضيف: «ألم أقل لكم، حين تعطي الأرض ما يلزمها من عناية وشغل سوف تعطيك الأرض أكثر»... فرحت أمّه وأفراد عائلته بما في الحقل من فاكهة وثمرة. الكلّ يشكر فعله وما أتاه من عناية وحرص. كلّ العائلة تنتظر رمّانه وزيته...

في يوم من أيّام شهر أكتوبر، أخذ قراره. قال في نفسه «حان الجمع. غدا الأحد سأجمع ما طاب من الرمّان الأحمر. أصبح الرمّان طازجا، بهيّا». ركب سيّارته ومعه قفافه. أخذ مذياعه وماء وقهوة وتوكّل على نفسه قاصدا حقله... فتح باب الضيعة. مشى خطوات. نظر أمامه. اصفرّ وجهه الأحمر. أصابته بهتة. نظر مجدّدا في حقله البهي وفي أشجار الرمّان والزيتون. يا للمصيبة. كلّ الرمّان تمّ قطفه. كلّ شجيرات الرمّان بلا ثمر. مشى في تعثّر، ينظر من قرب. لا رمّان في الشجر. البارحة، كان الرمّان في أشجاره يتدلّى. هل مرّ اللصوص من هنا ليلا وسرقوا الرمّان كلّه؟ هل انتهى أمر الرمّان الأحمر؟ لم تبق في الحقل وإن رمّانة واحدة. أخذ اللصوص كلّ الرمّان. لم تبق واحدة معلّقة. لم يذق طعم رمّانه الأحمر. ها هو يدور في الحقل كمعتوه شدّه غمّ. ها هو ينظر في أشجار الرمّان غصنا، غصنا. لماذا سرقوا كلّ الثمار؟ كيف هم يسرقون كلّ ما أنتج؟ شدّه إحباط. أقعده أرضا...

شدّت قلب الرجل لوعة. تألّم لما لحق رمّانه من سرقة. أصابه همّ وغمّ. بكى حظّه المنكود واشتكى للناس أيّاما عدّة. قال لأمّه ولإخوته ما حصل في الضيعة. أصاب العائلة كلّها خزن وكدر. هي أسابيع تمرّ ويعود للرجل عزمه. ها هو يعود إلى ضيعته لتدارك الوضع، لحماية أرضه. قال: «أنا أحبّ هذه الأرض ولسوف أنفق ما يلزم وأحمي الغرس من اللصوص ومن الفسّاد المكرة. سوف أسيّجها طولا وعرضا بسياج من حديد. بسياج مرتفع، عليّ»... اشترى الرجل مئات الأمتار من الأسلاك الشائكة والسياجات العاليّة. ثبّتها في الأرض وشدّها بأسمنت مقوّى. بهذا السياج العاليّ، لن يقدر الفاسدون على التسلل. لن يمسّوا مستقبلا أرضه. بهذا السياج الموثوق أرضا، غدت الضيعة في ضمان، في مأمن. هي اليوم حصن منيع. لا يدخلها إنس ولا جنّ...

أخطأ الرجل المجتهد. بعد أسابيع قليلة، عاد اللصوص إليه وسرقوا السياج والأعمدة وأقفال الأبواب وكلّ شيء وجدوا في الضيعة. سرقوا أنابيب الماء ومحرّك البئر وخيوط الكهرباء وما كان في الدار من متاع جديد ومن متاع سقط. لم يتركوا شيئا. سرقوا كلّ شيء. أفسدوا، خرّبوا كلّ شيء...

في الغد، رأى التاجر المجتهد ما حصل لبيته، للضيعة. عاين ما كان من خراب وسرقة. جلس تحت التوتة ينظر. ينظر في نفسه وكيف ذهب ماله وجهده ريحا. كلّ شيء أفسد. أتلف ما كان بنى وما كان جهّز وما كان أعدّ وما كان اشترى من شجر ومن معدّات مختلفة. ها هو يفكّر. ها هو لوحده يتألّم. أصاب الرجل همّ وكدر. حار في أمره. شدّه مرض. انسدّت في وجهه السبل وقد ضاع منه رمّانه ومتاعه وجهده. سكنت قلبه لوعة وهؤلاء المفسدون يعبثون كما شاؤوا بأرضه، ببيته. كيف له أن يوقف هؤلاء المفسدين في الأرض؟ كيف له أن يأخذ حقّه؟ لا حلّ يرى. أصاب الرجل يأس. نهب حقله العزيز ولهف ما كان فيه من متاع وأجهزة. خرّب بيته. شدّ التاجر إحباط. انتهى عنده الأمل. امتلأ قلبه ظلمة. أصبحت الضيعة خرابا مقضيّا. حتّى الأبواب والنوافذ سرقت... بعد تفكير مطوّل وأخذ وردّ، قرّر الرجل أن ينتهي من الحقل، أن يبيع الأرض وما فيها من بناء وشجر وبئر...

حسب علمي، منذ أكثر من ثلاث سنوات، كان الرجل يسعى لبيع أرضه. بثمن اقتنائها. بنصف ثمنها. لا أحد يريد شراء أرضه. لا أحد يريد أن يقامر، أن يشتري حقلا التقت حوله اللصوص والمكرة وفيه سرقات متكرّرة... علمت أخيرا أنّ التاجر باع أرضه، بأبخس ثمن. هو فوّت في الضيعة رغم حبّه للضيعة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا