منبر: في واجب انقاذ المعهد العالي للعلوم الانسانية (ابن شرف)

بقلم محمد صالح عمري
أستاذ الأدب العربي والمقارن بجامعة أكسفرد وباحث متعاون مع المعهد

تعود علاقتي بالمعهد إلى سنة 2012. حينها كانت تقودني رؤية ترتكز على عنصرين، أولهما أن الثورة التونسية فتحت الباب أمام حركيّة جديدة للمعرفة على المستويين المحلي والعالمي وثانيهما ضرورة بناء شراكات عالمية شاملة مع الفاعلين التونسيين ترقى إلى مستوى هذا التحدي.

كان هذا التصور بدوره نتيجةعمل مشترك مع أستاذ النظرية النقدية بجامعة بيتسبرغ الأمريكية رونالد جودي تمثّل في نشر تمثّلات التونسيين لثورتهم مترجمة إلى الإنجليزية سنة 2012. ومن هؤلاء الأساتذة مولدي القسومي وعبد الجليل التميمي والمرحوم أحمد جدي ومنير السعيداني إلى جانب نخبة من شباب الثورة. قادتنا في ذلك فكرة أساسية مفادها أنّ لا أحد يمثّل التونسيين (والشعوب الجنوبية عموما) غير تلك الشعوب ذاتها وبلغاتها، وما على الباحث الملتزم بهذه الفكرة إلاّ السعي إلى الإستماع الجيّد وتقديم المناصرة الضرورية بما في ذلك النقد البنّاء.

حملت هذه الرؤية إلى المعهد كمشروع شراكة ماتزال متواصلة إلى اليوم. تمثّلت مبادرة الشراكةفي جمع اختصاصات مختلفة وباحثين من مختلف أطراف العالم للتفكير في التحدّيات المعرفية والمنهجية التي طرحتها الثورات العربية على العلوم الانسانية وعلى موازين القوى المعرفية العالمية، والتفكير في مسائل مثل الفعل في التاريخ ونقد المركزية الأوروبية وصناعة المعرفة وضرورة إعادة النظر في المقولات الاستشراقية والاستعمارية المسلّمة من قبيل العجز الديمقراطي لدى العرب والاستبداد الشرقي والمركزيةالغربيةللحداثة وغيرها.

وكان أن وسمنا المشروع بالثورات العربية والإنسية الجديدة .وتمّ هذا العمل في إطار مخبر بحث «بحوث في التنوير والحداثة والتنوع الثقافي» الذي يرأسه محسن الخوني . ويعني ذلك أنّ المفهوم والمشروع ولدا بالمعهد العالي للعلوم الإنسانية بتونس وترعرعا فيه في ظروف لم تكن سهلة بالمرّة نظرًا لصعوبات إدارية ومالية جمّة ولكن بصبر كبير وعزيمة لا تلين. وانظمّ إلينا المولدي قسومي أستاذ علم الاجتماع بجامعة تونس وعقدنا شراكة مع مؤسسة روزا لسمبورغ نتج عنها عدةًأيام دراسية ومؤتمرات فارقة في توجهها ومنهجيتها. ونشرنا بحوثا متعدّدة اللغات والاختصاصات ونال الموضوع اهتماما إعلاميا وأكاديميا ملحوظا.

وفي تزامن مع البحث وتبادل الآراء انطلقنا في تنزيل هذه الرؤى العامة في البرامج التعليمية والبحوث التي يقوم بها الطلبة والباحثون الشبان. وقد تبادلنا الخبرات واتبعنا طرقا جديدة في التعلم والتعليم. وعلى سبيل الذكر قمنابتشريك الطلبة في تقييم بحوثهم وبحوث غيرهم، وتمّ نقل الدرس الجامعي خارج جدران الجامعة (يوم دراسي بقرطاج ويوم دراسي بالقيروان .. )، واجتهدنا في نشر التفكير النقدي وطرق جديدة لتشريك جميع الأطراف الجامعية في حلّ النزاعات والحوكمةوايلاء أهمية خاصة للتقييم والقيم الجامعية. وساندتنا في ذلك أطراف عديدة منها مؤسسة روزا لكسمبورغ وجامعة تونس المنار وادار الكتب الوطنية والعديد من الباحثين والجمعيات المدنية الجهوية والوطنية.

على خلفية هذا الطموح وإيمانا به وإنقاذًا للمعهد من وضع سيّء جدا على مستوى التسيير قبِل الدكتور محسن الخوني مدير المخبر إدارة المعهد متسلّحا بهذه الرغبة في الإصلاح ومعتمدا على رصيد لا غبار عليه من النزاهة والرصانة والإيمان بالمشترك، إلى جانب الرصيد العلمي والخبرة في التدريس والتأطير والإدارة. ولكن جامعة تونس المنار المصنّفة الأولى في تونس من حيث الترتيب العالمي للجامعات والتي يغلب عليها الاختصاص العلمي من طب وهندسة وفيزياء ورياضيات وبيولوجيا واقتصاد وقانون.. يعتبر المعهد جوهرتها في ميادين ضرورية من أجل أنسنة العلوم ومقاومة الفكر الواحد، مثل الفلسفة والآداب واللغات والتاريخ وعلم النفس وعلم الاجتماع وغيرها. كل هذا يستوجب قيادة ذات رؤية وأفق من شأنهما تحويل المعهد إلى نموذج في الميدان وقاعدة لإصلاح بنّاء.

ولكن الرياح لم تكن دائما مواتية. فقد واكبت طيلة السنة الماضية بالخصوص صراعا مريرا بين هذا الطموح وقوى الإحباط، بين البناء والعدمية، بين جديد يصارع للخروج إلى النور وقديم يرفض الموت. وبدأهذا الصراع يتحوّل إلى عنف معلن وهدّام. وهو برأيي عنف يستهدف ما يمثّله الدكتور الخوني من قيم منها القطع مع التسيّب والمحسوبية والعشوائية، ومنها أيضا القطع مع المسلّمات المعرفية والولاءات السياسية والأيديولوجية .

لهذا وجب النظر إلى وضعية المعهد باعتبارها عيّنة من حالة عامة للتعليم العالي في تونس وللاستغلال الفاحش لمفاهيم الحرية وضعف وتخلخل المؤسسة الجامعية ككل وتردّدها في الإصلاح العميق. وهو أيضا جزء من حالةًعامة تتجلى فيتفشّي الخطاب الشعبوي وعودة الروابط الفئوية التي يحكمها منطق ,,أنصر أخاك ظالما أو مظلوما ,, بدل منطق المساواة أمام القانون واحترام القيم المشتركة. والغريب أن تصبح مِؤسسة التربية على الخطاب العقلي والمسؤول مؤسّسة التحريض وتفريخ الإشاعة والضغط.

ولعل أحد أسباب كلّ ذلك يكمن في عقلية «ترك الجمل بما حمل» والهروب من المسؤولية التي تنخر المؤسسة الجامعية التونسيةًعموما. في هذا السياق وعكس هذا التيّار يرفض المدير وزملاؤه التخلّي عن مسؤوولياتهم تحت الضغوط والتهديدات والاعتداءات وهذا مؤشر أمل يجعلني متشبثا بهذه الشراكة وهؤلاء الشركاء وبهؤلاء الطلبة والجامعة التونسية عمومًا وهي تواصل مسيرتها الشاقة نحو المواطنةالكاملةوتطويرالبحث والمناهج والمشاركة الفاعلة في صراع العلوم الإنسانية عموما من أجل أنسنة الإنسان.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا