قهوة الأحد: ورغم ذلك فهي تدور « Et, pourtant elle tourne» في رؤية المنظومة الكونية ونهاية العالـم

تعتبر رؤية العالم من أهم الركائز والأسس التي ترتكز عليها الحضارات الإنسانية .فرؤية العالم تختزل تصور العلماء والمفكرين للوجود ولحركة الأرض والكواكب.

كما أن هذه النظرة كذلك هي في نهاية الأمر نتيجة طبيعية لتطور العلوم والبحوث والدراسات .وهذه النظرة كذلك تشمل المؤسسات السياسية والاجتماعية التي ستدافع عنها وتجعل منها الإطار والمنظومة الفكرية السائدة في المجتمعات .وتنتقل هذه الرؤية والتصور العام للمنظومة الكونية الى الشعوب لتشكيل المخيال الجمعي المهيمن والذي يحدد المسموح به في الفكر وفي الممارسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية .

إلا أن هذه الأنساق الفكرية والتصور العام للمنظومة الكونية ليست بمسائل ثابتة وراسخة على مر الزمن .بل تشهد تطورات وتحولات كبرى تساهم بصفة أساسية في حركة ونسق التاريخ.فالتحولات الاقتصادية والفكرية والسياسية التي تعرفها المجتمعات الكبرى تصاحبها تحولات جذرية في تصورات المنظومة الكونية ورؤية العالم والوجود.وفي بعض الأحيان فإن تحول وتطور هذه الرؤية تكون نقطة الانطلاق لثورات سياسية واقتصادية كبرى لتفتح الباب لحضارات إنسانية جديدة.

ولنا في التاريخ عديد الأمثلة حول قدرة التصورات وتطور الرؤية للمنظومة والأنساق الكونية على فتح انعطافات كبرى في التاريخ الإنساني والحضارة الإنسانية.ولعل من أهم التجارب التاريخية المعروفة في علاقة تطور رؤية المنظومة الكونية بالتحولات الحضارية هي محنة العالم الايطالي غاليليو غاليلي (Galilée) مع الكنيسة والرؤية الدينية السائدة آنذاك للأرض ولحركة الكواكب.فقد دافعت السلطات الكاثوليكية بشدة في القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر عن الآراء الفيزيائية الموروثة عن أرسطو والتي تقول بمركزية الأرض وبثباتها وعدم حركتها أو دورانها.وقد ارتبطت هذه الرؤية والمنظومة الفكرية بالكنيسة الكاثوليكية والفكر الديني السائد في تلك الفترة والذي منع منعا باتا كل خروج عن هذه المنظومة الفكرية .

وقد وصلت حدة الكنيسة في الدفاع عن هذه المبادئ إلى درجة حرق عالم الفيزياء الايطالي جيوردانو برينو Giordano Bruno بسبب دفاعه عن فكرة دوران الأرض .وسيأتي الفيزيائي قاليلي ليدافع عن نفس الأفكار بعض سنوات فقط بعد حرق جيوردانو برينو.وقد اصدر غاليلي كتابا بسط فيه أفكاره وملاحظاته الفيزيائية .وقد أكد في هذا الكتاب أن الأرض كوكب صغير يدور حول الشمس مع عديد الكواكب الأخرى .

وقد اشتكاه كثيرون إلى الكنيسة بسبب هذه الأفكار التي تتعارض مع المنظومة الفكرية السائدة في ذلك الوقت.واعتبروا أفكاره نوعا من الهرطقة التي تسيء للكنيسة وللفكر الديني والكتاب المقدس.

واضطر قاليلو للذهاب إلى روما لحضور محاكمة علنية من قبل رجال الدين لأفكاره وآرائه.وقد تمكن في هذه المحاكمة من الدفاع عن آرائه وأفكاره ببراعة كبيرة مما مكنه من الإفلات من العقاب.لكن بالمقابل التزم بعدم كتابة هذه الأفكار من جديد وأرغمته على الإعلان على العموم أن الأرض ثابتة ولا تتحرك .

اضطر قاليلو للقيام بهذا التصريح لتفادي ما آل إليه جيورادنو برينو من قبله .

إلا انه لم يتمالك عن التصريح حسب ما تشير اليه المروية إلى القول «بالرغم من كل هذا فإنها تدور» «Et ,pourtant elle tourne».

لقد كان هذا الصراع عن رؤية العالم والمنظومة الكونية نقطة انطلاق لثورة فكرية في أوروبا والتي ستفتح عهد النهضة وفلسفة الأنوار والتي ستكون وراء الثورات الاقتصادية والصناعية وظهور الرأسمالية وانتصارها في أوروبا .

أشرنا إلى هذه الملاحظات التاريخية للتأكيد على العلاقة العضوية بين التصور العام للمنظومة الكونية وتطور العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية .ونعود اليوم لهذه الإشكالية وهذه العلاقة المتينة بعد النقد الذي تعرضت له إحدى أهم النظريات الذي ظهرت في بداية القرن والتي قدمها الكاتب الأمريكي الكبير طوماس فريدمان Thomas Friedman في كتاب سماه «The world is flat» «العالم منبسط» والذي صدر سنة 2005 في الولايات المتحدة الأمريكية .

أكد طوماس فريدمان في هذا الكتاب أن العالم الموروث من الحرب العالمية الثانية والذي يتميز «بالهرمية» (la hiérarchie) وعلاقة الهيمنة والسيطرة والتبعية التي تفرضها الدول المتقدمة والشركات العالمية والاحتكارات الكبرى على البلدان المتخلفة وعلى أطراف العالم .أعلن طوماس فريدمان نهاية عالم الأمس ودخولنا في عالم جديد سماه «the worldIS flat» أي «العالم المنبسط» الذي تنتفي فيه الحدود والمسافات والجغرافيا .وميزة هذا العالم الجديد حسب فريدمان هي نهاية العلاقات الهرمية وهيمنة المركز على الأطراف وظهور مراكز وقوى جديدة ومن ضمنها البلدان الصاعدة كالصين والهند والبرازيل .

ويفسر طوماس فريدمان ظهور هذا العالم الجديد أو العالم المنبسط بثلاث أسباب أساسية :
المسألة الأولى هي العولمة الاقتصادية والتي ساهمت من خلال تطور التجارة العالمية وحركة رؤوس الأموال في الخروج من عالم الدولة الوطنية والدخول في عالم جديد تتقلص فيه الحدود ويفتح مجالا واسعا لحركة المبادلات والأموال .

العامل الثاني الذي ساهم في ظهور العالم الجديد هذه الثورة التكنولوجية التي عرفها العالم منذ سنوات مع ظهور الانترنت والشبكات الاجتماعية والتي ساهمت في تجاوز الحدود وتقليص المسافات وظهور مجتمع عالمي جديد.

أما العامل الثالث والذي لعب دورا مهما وأساسيا في الخروج من عالم الأمس ودخول «العالم المنبسط» فهو انتصار المشروع الليبرالي على المستوى السياسي مع سقوط جدار برلين ونهاية المعسكر الاشتراكي .

وقد كان لهذا الانتصار دور كبير في بناء منظومة سياسية كونية مشتركة تعتمد على الديمقراطية والتعددية السياسية والاجتماعية واحترام حقوق الإنسان .

ساهمت هذه التحولات الكبرى في ظهور عالم جديد وتصور جديد للمنظومة الكونية أطلق عليه تسمية « العالم المنبسط» والذي تنتفي فيه العلاقات العمودية وعلاقات الهيمنة الموروثة من عالم الحداثة .

وفتحت هذه التطورات المجال لعالم ما بعد الحداثة وسنوات العولمة

السعيدة .وصاحبت هذه الرؤية وهذا التصور خلال قرابة الثلاثة عقود ومنذ بداية التسعينات التطور والتحولات الكبرى التي عرفها العالم لتشكل المنظومة الفكرية والإطار الإيديولوجي السائد .

إلا أن هذه النظرة بدأت تشهد الكثير من النقد في السنوات الأخيرة وظهرت عديد الدراسات التي بينت أن العلاقات العمودية لم تنتف وبقيت قائمة وتتحكم في مصير العالم .وقد أشارت هذه الدراسات في ميدان الثورة التكنولوجية الى هيمنة الشركات الكبرى والمتحكمة في الانتاجات الجديدة في السوق العالمية .كما نجد نفس هذه الدراسات في المجال المالي والاقتصادي حيث تهيمن الأسواق المالية الكبرى مثل وول ستريت على حركة رؤوس الأموال على المستوى العالمي .

إن القراءات النقدية لفكرة «العالم المنبسط» تطرح مسائل جوهرية وتتطلب إعادة بناء العالم على أسس ديمقراطية تحد من الهيمنة والجانب العمودي للعلاقات القائمة اليوم .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا