حديث الفرد: متى ننتهي من الغلق؟ متى ندخل العولمة؟

لا فرق عندي بين التونسيّ وغيره من الناس الآخرين. لا فرق عندي بين أهل الشمال وأهل الجنوب، بين الأبيض والأسود،

بين المسلم واليهودي، بين الأنثى والذكر. كلّهم بشر ولهم جميعا الحقّ في العيش، في الأمن، في الرفاه، في الكرامة. أنا إنسان وكلّ إنسان هو أخي في الإنسانية. أنا إنسان وكلّ إنسان يولد هو ثراء لجميع البشر...

تونس بلد متخلّف لأنّها بلد منغلق. لا يحبّ التونسيون الآخر المختلف. يعتقد التونسيّون أنّهم خير أمّة أخرجت للناس وأنّهم، في الدنيا، هم الأسمى وهم الأفضل. شعبنا نرجسيّ، متخلّف. له ذات منتفخة. لا يرى غير سرّته... الكثير من الناس يعتقد أن تونس ملك للتونسيين وحدهم. هي أرضهم وأرض أجدادهم ولهم وحدهم الحقّ في حرثها والعيش فيها. ألم يرفع الزين بن عليّ مقولته التعيسة: «تونس للتونسيين»؟ كذلك، غلّقنا الأبواب واعتقدنا أنّنا وحدنا أصحاب الأرض ولا أحد غيرنا له الحق في الحياة في أرضنا «الطاهرة».

على عكس هؤلاء، أنا أومن وأقول إنّ تونس هي لكل النّاس أجمعين مهما كانت دياناتهم وأجناسهم، مهما كانت ألوانهم وأصولهم. لا فرق عندي بين التونسيّ وغير التونسيّ. كلّهم بشر، إخوتي. يجب على التونسيّ أن يتغيّر، أن ينفتح على الآخر، أن يدخل العالم. انتهى زمن القبيلة والعرش والحدود. انتهى زمن الوطن. التصقت الأوطان بعضها ببعض واتصلت الأرض بالأرض وهذا البشر كلّه بشر، له نفس الأصول، له نفس الأمل والوجود. كلّ وطن مدعوّ إلى فتح أبوابه، إلى فتح ذراعيه لكلّ من أراد العيش فيه. تونس ليست للتونسيين وحدهم ولسوف تسمو وتزدهر إن هي تفتّحت على الآخر المختلف. إن هي احتضنت كلّ الناس، من كلّ الأرهاط، من كلّ الملل...
° ° °
كانت تونس أفضل لمّا كان فيها اليهود والإيطاليون والفرنسيون. كانت تونس باقة ورد وبفضل هذا التنوّع، ارتقت البلاد وتطوّرت. لكنّها أقفرت، يوم استقلّت، وتراجعت لمّا غادرها الغربيون واليهود. ها نحن لوحدنا نتخبّط في التخلّف، في السوء... كانت الجامعة التونسيّة أفضل لمّا كان فيها مدرّسون من الغرب وقد حملوا معهم معارف مختلفة ومناهج مميّزة. تصحّرت الجامعة وتخلّفت لمّا عرّبت وتقوقعت. كانت الفلاحة التونسيّة مزدهرة لمّا كان الفلاحون خليطا من تونسيين وإيطاليين وفرنسيين. كانت السوق أكثر حركيّة لمّا كان فيها متدخّلون مختلفون. كذلك الشأن في الشوارع، في السكك الحديديّة، في فسفاط قفصة، في الدواوين، في الشرطة...

لا يغترنّ القارئ ولا يفهمنّ ممّا قلت أن الاستعمار وما لفّه كان سببا في ما عرفنا يومها من تطلّع، من تميّز. لا، ما أنا أقصد هذا التوجه وفي الاستعمار بغضاء وتسلّط. أنا أقول إن في التنوّع البشريّ، في الاختلاط تكون المنافسة ويكون التحفّز. بالعيش مع الآخر المختلف، تحصل المقارنات ويكون التلاقح ويظهر للناس الأجدى والأفضل. مع الآخر المختلف، تتطوّر المعارف وتتبلور النجاعة ويتحقّق المنشود...

ليت تونس تفتح أبوابها شاسعا لكلّ الناسّ مهما اختلفوا. ليت تونس تتفتّح على الآخر حتّى يأتي الآخر إلينا ويتقاسم معنا الماء والملح والشغل والخبز اليوميّ. يجب أن نقبل بالآخر المختلف، أن نفتح له بيوتنا وعقولنا ونيسّر عيشه ونضمن له الشغل والعدالة والحقوق. مع الآخر المختلف، كلّ تراه يسعى، يجتهد لكسب السبق، للدفع بما ملك من حذق، من خبرة. بدون الآخر، لن تستقيم المقاربات ولن يكون في البلاد تطلّع وتطوّر ولن نقدر على مسايرة الدنيا ولا الدخول في السوق. تونس أيّام الاستعمار الفرنسيّ كانت تغلي، كانت أفضل. يومها، كان هناك تنوّع في البشر وثراء في الفنون وتعدّد في النظر وهذا خير من هذا «التوحّد» الذي نحيا، من هذا التصحّر الضارب...
° ° °
بعض الأصوات، هذه الأيّام، ومنهم مثقّفون، يندّدون بالتونسيين الحاملين لجنسيّات أخرى. بعضهم يشكّك في وطنيتهم بل يرون فيهم «منبتّين»، «مندسّين». بعضهم يدّعي أنّ هؤلاء هم السبب في ما نعرف من فقر ومن تخلّف. هؤلاء هم عملاء الغرب، هم الوجه المقنّع للاستعمار الخبيث. بعض المتشدّدين ذهب إلى أكثر من ذلك. يقول هؤلاء إن أهل الغرب جميعا وبخاصّة الفرنسيين هم أعداء شياطين. هم أصل البلاء والظلمات والحروب. في الحملة الرئاسيّة الأخيرة (2019)، أكّد بعض المترشّحين أن فرنسا انتهكت سيادتنا وافتكّت ثرواتنا وهي العدوّ اللدود. ومن غريب المفارقات أنّ نجح هؤلاء وفازوا، باطلا، بالصندوق...

كلّ هذا كلام لغط، خور. لم يدرك هؤلاء المتشدّدون أنّ العولمة اليوم هي حقيقة، قائمة، لا مفرّ منها وأنّ العالم غدا قرية متراصّة الأطراف، لا فرق بين أجزائه. انتهى زمن الأوطان والقوميّة والعروبة والدين. انتهت الحدود. تونس في العالم والعالم في تونس. يعيش التونسيّون اليوم في كلّ أرض وكلّ البشر لهم حقّ العيش في «وطني». تونس ليست وطني. بل هي وطن الناس أجمعين. لا فرق عندي بين أبناء وطني وأبناء اليهود وأبناء الأرجنتين... كلّنا عباد الله. كلّنا عيال الله. كلّنا بشر...
° ° °
أكّد جاك أتّلي المفكّر الفرنسي في تصريح أتاه مؤخّرا أن أولى الحرّيات بل أهمّها جميعا هي حرّيّة التنقّل. ثم يضيف، ما يفعله الغرب اليوم من تضييق على دخول المهاجرين إلى المنطقة الأوروبيّة هو معاد للحرّية وفيه قصر نظر بل وتعسّف. ثم يقول إنّ قدوم الملايين من المهاجرين من سوريا والعراق وغيرهما من الأمم، هي فرصة خارقة سوف تجعل من أوروبا أول قوّة اقتصاديّة في العالم. ثمّ يضيف أنّ في فرنسا اليوم أكثر من خمسة ملايين مسلم وأنّ أكثر من 98 بالمائة من هؤلاء قد اندمجوا في البلاد وهم اليوم أطبّاء ومهندسون وعمّال وأساتذة. جميعهم ينتج، يخدم الاقتصاد الفرنسي ولهم فضل كبير على البلاد وأثر مهمّ، يذكر فيشكر...
° ° °
أمّا في تونس وهذه جهويّة مريضة تتفشّى وهذا جهل مقيت يفتك، ما يزال أهلنا في الجنوب يحسدون أهل الساحل عمّا هم فيه من «نعيم». يطالبون بالتشغيل في مناطقهم مثلما هو الحال في الساحل وكأنّ الساحل في القطب الشمالي وهذه حدود تفصل الجهات عن بعضها البعض. تونس، شمالا وشرقا وغربا، هي لكلّ التونسيين وحيث وجد النعيم فهو ملك للناس أجمعين فعلى الناس السعي حيث توفّر النعيم. فليذهب أهل الشمال وأهل الساحل وأهل الجنوب إلى الشغل حيث كان فلا حواجز بين الجهات تفصل ولا حدود تمنع. ما كان الساحل للسواحليّة وحدهم. ما كانت باجة لأهل باجة... كلّ الأرض هي ملك مشاع لكلّ التونسيين، بل هي ملك مشاع لكلّ البشريّة. أمّا أن نظلّ نبكي على الجهات المهمّشة وأحيانا ننفث سمّ التفرقة فهذا عبث وفيه مناورات سياسويّة فاسدة، لا تسمن.

تونس لكلّ التونسيين شمالا وجنوبا ووسطا. فمن شاء العيش في الساحل فليذهب ومن شاء البقاء في أرضه، له ما يريد. تونس ليست للتونسيين. فمن أراد من اليهود ومن النصارى ومن البوذيين ومن الكافرين العيش معنا فأهلا وسهلا به وعليه نفس الواجبات وله نفس الحقوق. أمّا من أراد مغادرة البلاد للحياة في القطب الجنوبيّ أو في غابة الأمازون فهو حرّ في ما أراد وأتمنّى له التوفيق...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا