منبــر: 2019 سنة انتفاضات الانتقال الديمقراطي والتغيير الجذري

بقلم: عبد الصمد بن شريف
صحافي وكاتب مغربي
تميزت سنة 2019 عربيا كونها سنة الانتفاضات الشعبية التي اندلعت في عدد من الدول من أجل

تحقيق تحول ديمقراطي عميق، وتغيير جذري للأنظمة السياسية ،والمنظومات التي كانت تستند إليها، لإحكام سيطرتها وهيمنتها على مختلف المؤسسات والقطاعات.

في استحضار شريط الأحداث والوقوف عند تعاقبها وتفاعلاتها ،سنتوقف عند الحراكات الشعبية في كل من السودان والجزائر ولبنان على وجه الخصوص .ففي السودان لم يكن الرئيس المخلوع عمر البشير يتوقع أنه سيطاح به ذات يوم ،وأنه سيصبح خارج أسوار القصر الرئاسي، وبعيدا عن حلاوة ومتعة السلطة .كان يبدو مزهوا بفائض الثقة في النفس ،وكانت مجمل خطبه وكلماته تنم عن استخفاف بقوة وشراسة الشارع وقدرته على زحزحة البنيات السياسية والمؤسساتية القائمة ،وإحداث تغييرات ملموسة على الأرض .

ومن كان يشاهد البشير وهو يداعب عصاه غير السحرية ، كان يظن أن الرجل باق في مكانه ،وأنه محصن ضد رياح أي تغيير محتمل .وكان يعتقد أن ما كان يجري في الواقع هو نوبة غضب عابرة سرعان ما ستتلاشى وسيهدأ الشارع بعد اتخاذ حزمة من الإجراءات في شكل مهدئات .غير أن إصرار تحالف الحرية والتغيير وتجمع المهنيين على إنجاز مهام التغيير الجذري وانهاء ثلاثين سنة من الحكم المطلق والسلطوية الجارفة توج يوم 11 أبريل 2019 بإنهاء حكم عمر البشير ،وتعطيل العمل بالدستور وتشكيل مجلس عسكري لإدارة شؤون البلاد لفترة انتقالية .

ورغم عدم ثقة قوى الثورة في المؤسسة العسكرية التي أصبحت هي الحاكم الفعلي ،خشية القيام بثورة مضادة ،من خلال السطو على إنجازات الحراك ومصادرة الإرادة الشعبية، تم الاتفاق على تشكيل الحكومة برئاسة عبد الله حمدوك قصد التصدي لعدد من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية ووضع البلاد على سكة التحول الديمقراطي وتأمين شروط بناء الثقة بين مختلف مكونات الشعب السوداني ،لطي صفحة الصراعات والحروب الأهلية ومختلف الأزمات التي ساهمت في تفقير السودان وإضعافه، وتحويله إلى دولة هشة ذات حضور باهت إقليميا وعربيا ودوليا .

و في رصد التحولات التي اخترقت البلدان الثلاثة سالفة الذكر، وفي متابعة للموجات المتتالية من الاحتجاجات، والتي بدأ معظمها قطاعيا، في تعبير عن عدم الرضا على الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، يمكن القول بأن سنة 2019 أفرزت موجة جديدة من الثورات ، بشعاراتٍ يتعلق معظمها بالتغيير الجذري للأنظمة السياسية، وإزاحة رموزها وأذرعها التي شكلت عنوانا بارزا للفساد والنهب والاستبداد، والتي أجهضت أي إمكانية لتحقيق انتقال ديمقراطي كفيل بتعزيز دولة المؤسسات والعدالة الاجتماعية والكرامة والحرية.

وإذا كانت ثورات الربيع العربي سنة 2011، والتي تحول بعضها إلى مآسٍ، ومصدر دمار شامل للاجتماع والعمران، قد تمت مصادرتها، وأجهز على تضحيات من فجّروها، فإن الحراكات الشعبية في الجزائر والسودان تحديدا عمدت، منذ البداية، إلى الاستفادة من الأخطاء القاتلة التي انتهى إليها خصوصا الحراك الشعبي في مصر عام 2011، فاتسمت المسيرات الجزائرية بطابع السلمية أولا، ثم بعدم تقديم أي تنازل بخصوص القطع مع رجالات الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة ومحيطه، والتمسك بإحداث قطيعة جذرية، مدخلا أساسيا لتحقيق تحول ديمقراطي فعلي. وهذا ما جعل نشطاء الحراك وقادته يرفعون سقف المطالب، ويُرغمون المؤسسة العسكرية على التفاعل التدريجي مع تطلعاتهم، لتثبت قوة الشارع أنها أكثر فعالية وقدرة على التأثير.

ولم تنجح النماذج الفاشلة في اليمن وسورية وليبيا ، في إقناع الجزائريين ومن قبلهم السودانيين بعدم النزول إلى الشارع، تفاديا للسيناريو الأسوأ والكارثي، فالمواطنون الذين ضاقوا ذرعا بالتحكّم والسلطوية والنهب، كسروا جدار الخوف، وقرّروا أخذ زمام الأمور بأنفسهم، ليرسموا مصائرهم بأيديهم.

وبحكم ان الحراك الجزائري لم يبلور خارطة طريق و مشروعا جماعيا متفقا عليه، ومتوافق بشأنه وقابل للتطبيق ، فقد ظلت الدولة المستندة إلى منطق المقاربة والقوة الأمنية والعسكرية قائمة وفاعلة علما أنه في الجزائر ظل النظام السياسي عسكريا بامتياز وإن كانت تجسّده شخصيةٌ مدنية. فالجيش يستمد شرعيته وسيادته من رصيد ثورة التحرير. وتأسيسا على ذلك، يعتبر الجيش نفسه حامي الدولة والمؤسسات والثوابت وقيم الثورة، وهذا ما أثبته بقوة خلال العشرية السوداء، عندما سوّق لخطاب استئصال الخطر الإسلامي.

على امتداد شهور من الحراك الشعبي الذي مازال متواصلا حتى الآن ،حافظت المؤسسة العسكرية على رباطة جأشها ،وأكدت أنها وحدها القادرة على حماية البلاد ،وصد المؤامرات ،وتوفير شروط الاستقرار ،ومعاقبة ومحاكمة ماعرف بالعصابة والزج برموزها في السجن ،وتأمين أجواء ملائمة لتنظيم انتخابات رئاسية نزيهة وشفافة وفق ما سوقته من شعارات ، رغم رفض الحراك الشعبي لهذه الانتخابات وطعنه مسبقا في نتائجها .

وبالفعل نجح الفريق قايد صالح نائب وزير الدفاع ورئيس أركان الجيش قبل رحيله في تنفيذ أجندة المؤسسة العسكرية ،فتم انتخاب عبد المجيد تبون رئيسا للجمهورية ،فيما واصل الحراك مسيراته ،في انتظار الموقف النهائي من سياسة اليد الممدودة التي أفصح عنها الرئيس الجديد يوم فوزه.

وبصرف النظر عن المنحى الذي أخذه الحراك الشعبي في الجزائر .فإن ما يحدث الآن في البلاد منذ حوالي سنة عملية دفن للماضي الذي شرعن الاستبداد وقانون القوة . فمع احتلال المواطنين للشارع والفضاءات العمومية ، أصبح هؤلاء يشعرون بأنهم استعادوا ذواتهم وأجسادهم، وبات في مقدورهم إحداث خلل في ميزان القوى الذي ظل عقودا في صالح منظومة السلطة.

في قراءة الحراك الجزائري عبر يومياته ومحطاته وانزياحاته، تستوقفنا مسألةٌ ذات أبعاد ودلالات نفسيةٌ ترتبط بالكبرياء المتجذّرة في شخصية المواطن الجزائري. ويعد هذا العنصر جوهرياً في ثبات نشطاء الحراك، وصمودهم في وجه عروض النظام وإغراءاته، وذهابهم إلى الحد الأقصى في مطالبهم، وخصوصاً أن الحراك الشعبي الجزائري ،يعتبر أن رموز النظام اغتصبت السلطة، وانتهكت الحقوق السياسية. ولا يمكن منح الشرعية لهذه المجزرة المرتكبة ضد الديمقراطية، وحتى إن عمد النظام وأركانه والأحزاب التي كانت تشكل شرعيته إلى استثمار هذا العرس الديمقراطي لصالحه والذي أبهر العالم، علما أنه هو صناعةٌ شعبيةٌ خالصة، هندسها الشباب. ومن خلال هذا الحراك، المتنوع والمتعدّد، يبدو جلياً أن الشباب الجزائري يدافع عن مشروعٍ سياسي واجتماعي واقتصادي جديد، بعد أن عانى طويلاً من التهميش.

وفي لبنان انطلق الحراك الشعبي قويا وجامحا . خاصة عندما اقتنع الشعب بكل أطيافه وحساسياته ومرجعياته ومكوناته، بضرورة الانصهار في بوتقة القواسم المشتركة، وتوحيد المطالب والشعارات في المدن والقرى والجبال والسهول وفي المهجر ، لتصير وطنية بامتياز، لا تشوبها الطائفية والمذهبية والقبلية. وكان في وسع لبنان أن يتحول إلى نموذج ديمقراطي مبكر في المنطقة العربية، وقوة سياسية ذات مصداقية لو اقتنع فيه رموز المذاهب وزعماء الطوائف الدينية والسياسية باقتراح خطة لعلاج أوجاع الوطن واختلالاته من خلال لملمة كل المكونات الطائفية والسياسية والمدنية، وتجميعها حول أهداف واحدة ورهانات مشتركة. وهذه المقاربة كفيلة بتوفير شروط بزوغ فجر نظام ديمقراطي، خارج حسابات المحاصصة والريع والامتيازات التي ألفتها الطبقة السياسية المشار إليها بالفساد وعدم الكفاءة والنهب والرشوة والزبونية. وبمقدور هذه المقاربة أن تلغي خطاب التهديد والقوة والعنف والانتقام وتنقضه، وتقبر إلى الأبد الهجومات الليلية والصباحية والمسائية التي تحرص على اختراق أدمغةٍ لمجرّد اختلافها مع مواقف وتصورات معينة.

بعد شهور من الاحتجاج والتظاهر الذي لم يخل من عنف وفلتان أمني يبدو الانتقال السياسي والتحول الديمقراطي في لبنان تمريناً صعباً ومعقداً، وقد يستغرق وقتاً طويلاً. وقد يفرز تداعيات على عدة أصعدة ، وآثاراً جانبية قد تكون مصحوبةً ببعض الآلام. إلا أن الالتفاف حول مشروع الوطن الديمقراطي، تحت لواء العلم الوطني رمز الوحدة والتماسك، وتوحيد اللغات والخطابات، ونبذ كل أشكال التعصب الطائفي والمذهبي، قد يصنع من الحراك الشعبي اللبناني فرصة تاريخية لن تعوض من شأنها ان توجد شروطا ملائمة لترسيخ وتعزيز الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

ورغم ان الحراك اللبناني يعيش الآن حالة من الترقب والانتظار نتيجة عوامل متداخلة .فإن خيار المصالحات الحقيقية والتعايش الفعلي، بين مختلف مكونات المجموعة الوطنية يبقى هو الخيار الأفضل والناجع. فالشعب اللبناني يعي جيدا أن الحروب والمؤامرات نسفت وقوضت فرصا ثمينة لبناء نموذج ديمقراطي وتنموي متقدم في المنطقة . ويكفي اللبنانيين أن يستخلصوا العبر من الماضي البعيد والقريب، ليحولوه إلى طاقة لانطلاقةٍ جديدة، بنفَس ديمقراطي قوي، قادر على قلب كل المعادلات، لمصلحة وطن آمن ومستقرّ وعادل، يتسع للجميع ويؤمن بالعيش المشترك.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا