برج بابل: غير قابل للاحتمال: طيف حكومة الشاي

لم يكن الشاي موضوع تندّر كما هو الحال في الشهر الأخير. ولم يكن موضوع تشكيل الحكومة هو الآخر موضوع مزحة التونسيين

كما هو الحال الآن. لقد كان الشاي دوما متعة الميسورين من الناس دون غيرهم ولم يكن متاحا للعوام إلا في العقود الأخيرة. كان الميسورون يتدافعون في جلساتهم إلى شرب الشاي وكان سبيلهم لتمضية الوقت وترتيب الأمور بين العصر والمغرب وكانوا يخبئوونه في دكاكينهم وفي مجالسهم ويتولى الخدم تحضيره والعناية به وكان ممنوعا على النساء أيضا.

أصبح الشاي الآن متاحا للجميع، وهو من أرخص السوائل التي يتناولها الناس في مجالسهم في الأرياف ويتناوله سكان المدن في المقاهي بعد تناول الغداء في فترة ما بين الحصتين في العمل. كدنا ننسى الشاي أمام ظهور مشروبات أخرى تتشكل حولها العلاقات بين الأفراد لولا عودته القوية مع ترتيبات تشكيل الحكومة. واكتشف التونسيون -وهم يتابعون أهم حدث سياسي- أن الرئيس المكلف بصُنع الحدث يُناول جُلاّسه ما لذّ من الشاي. ولكن الشاي ولسوء حظه إلى الآن لم يدفع الأمور إلى الخلاص الذي ينتظره التونسيون كي تكون لهم حكومة بعد انتخابات تشريعية.

ولكن ما يحتاجه التونسيون غير ممكن في المدى المنظور، أسلوب في تناول المسألة الحكومية يشي بأن الأمور ستكون عصيّة حتى ولو تشكلت هذه الحكومة. ويقف المتابعون للشأن العام عند قناعة أن شغف السياسيين المعنيين بتشكيل هذه الحكومة بالحصول على الغنيمة أهم من شغفهم بخدمة الدولة وخدمة مواطنيها.
إنّ ما هو غير القابل للاحتمال هو هذا اللعب السياسي المفضوح من أجل كسب النقاط على حساب وضع لم يعد يُحتمل. الكلمة المفتاح في مسارات تشكيل حكومة الشاي هو كيف أورّط الغريم السياسي وكيف أحشره في الزاوية وكيف أعلن أمام الرأي العام أنه عاجز أو مخاتل أو الإثنين معا. إذ لا يمكن لشركاء في الحكم أن يكونوا بهذا السلوك السياسي في سياق صعب وفي ظل حكومة تصريف أعمال لا أعمال لها تقريبا.

لكل شريك سياسي مفترض في الحكم مبرراته لعدم المشاركة، هناك من يتعلل بغياب البرنامج السياسي الواضح وهناك من يخاف من المشاركة أصلا لأنه لا يريد أن يتحمل مسؤولية إخفاق الحكومة أمام صعوبات كبيرة وهناك من يترقب في مفترق الطرق ليفرض أولوياته وهناك من يعترضه فيتو خارجي ولا يصدح بالحقيقة، وهناك أيضا من يعدل مواقفه بعد قراءته بما حصل إقليميا في الأيام الأخيرة. ولا أحد له الشجاعة الكافية ليضع الوطن قبل الحزب ويدخل تجربة الحكم دون الإيغال في الحسابات السياسوية المقيتة والضيقة.

نعلم جيدا أن تشكيل الحكومات في ظل نظام سياسي ونظام انتخابي كالذي نملكه مسألة غاية في الصعوبة والتعقيد علاوة على أن نتائج الانتخابات التشريعية لم تفرز رابحا كبيرا. ولكن أمام هذه الصعوبة يأتي الإبداع السياسي لينقذ الموقف وتأتي الأخلاق السياسية لتضع الجميع أمام مسؤولياتهم مفعمين برصيد ضروري من الثقة المتبادلة للمشاركة في الحكم. ولكن كليهما مفقود.

ستتشكل الحكومة في كل الأحوال ولكن بأي ثقافة سياسية ستتشكل؟ الكلّ فقد الثقة في الكلّ والمواطنون ينتظرون الولادة القيصرية وفي أذهانهم طبقة سياسية لا تتعظ من الماضي ولا تريد أن تستدرك أمرها أمام ديموقراطية تمثيلية تثبت في كل مرة أنها لم تعد الديموقراطية الكفيلة بتحقيق الرخاء العام. سيجد الناس أنفسهم أمام خيارات أخرى خارج الدولة وخارج مؤسساتها التعديلية. وسيكون الفعل السياسي في أدنى درجات القبول والرضا. وستتراجع الأحزاب السياسية أكثر مما هي متراجعة الآن، وسيفقد التونسيون ثقتهم في البرلمان مثلما لم يفقدوها من قبل.

ذهنية تشكيل الحكومة ذهنية قائمة على المناورة فيها من الغموض ومن اللاّمتوقع الشيء الكثير. وهي ذهنية سلطانية تُحيلنا على الأنظمة الاستبدادية التي يتشكل فيها السياسي خارج وضوح القواعد وخارج رصيد مقبول من الأخلاق السياسية وما هو تحت الطاولة أعقد بكثير مما هو فوقها.

كثيرون حول السلطة، قليلون حول الوطن، هذا ما قاله غاندي وهو وصف لحالتنا السياسية في اللحظة الراهنة. كيف نكون كثيرين حول الوطن، هذا ليس شعارا سياسيا بل هو ثقافة سياسية نبني بها مستقبل البلد.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا