منبــر: اجتماع الشورى والجملي: حلقة أخرى في مسلسل الصراع على الخلافة؟

بقلم: طارق الكحلاوي

ينعقد في آخر هذا الاسبوع اجتماع مجلس الشورى في علاقة بتشكيل الحكومة وسيتم فيه التداول في قضايا عاجلة

على رأسها من سيقوم بتسيير الحزب على ضوء انشغال رئيسه برئاسة البرلمان، وافق تشكيل الحبيب الجملي للحكومة، وأيضا رئاسة كتلة الحزب في البرلمان. الخيط الناظم في الحقيقة لهذه المسائل العاجلة هي مسالة خلافة رئيس الحركة والى أي مدى سيؤثر الانشغال في تسيير الدولة حكومة وبرلمانا سيؤثر على هذا المسار خاصة ان سنة 2020 هي (نظريا على الاقل) سنة مؤتمر الحركة.

• «لجنة تسييرية» لترتيب خلافة رئيس الحركة؟
كانت خيارات رئيس حركة النهضة صعبة قبل اسابيع قليلة. بعد تفضيله في السنوات الاولى للثورة التركيز على العمل الحزبي ثم انتقلت تدريجيا الى رغبة جدية نحو الدولة. بعد تواري حلم قرطاج بقي التردد بين القصبة وباردو. نتائج التشريعية منحته فسحة جدية نحو التفكير في رئاسة الحكومة لكن توارت الفكرة بسرعة لاعتبارات داخلية (رفض اغلبية برلمانية لترؤس الحكومة من النهضة) ولكن حتى بعض «النصائح» من اصدقاء النهضة والشيخ من الخارج. أبقت فقط باردو في المتناول وكان ثمنها باهضا اذ تكلفت على الحركة اصوات «قلب تونس» التي يتم النظر اليها من قبل العديدين وخاصة من قواعد الحركة كاصوات «ملوثة».
وانطلق راشد الغنوشي بقوة في مسار ترؤسه للبرلمان. وبعد جلسات اولية تدريبية على ترويض برلمان لن يكون سهلا، انتقل الى مكتبه واستقبال الضيوف. ومن بينهم النواب ووفود المواطنين القادمين من الجهات، ولكن ايضا السفراء، بدا الشيخ منافسا جديا لقيس سعيد. في كل الحالات لا ينوي الغنوشي تحويل عهدته في باردو الى عهدة باردة وخاملة. سيلعب دورا يتجاوز بوضوح الصفة النظرية الى دور واقعي يقرب الى ترؤس رمزي للدولة، وهذا لا يعكس فقط رغبته بل ايضا موازين قوى واقعية تتمثل فعليا في كونه «الرجل القوي». في كل الحالات وسيكون التنافس الرمزي بين سعيد والغنوشي أحد سمات السنوات القادمة.
لكن هذا الانشغال سيعني عمليا فراغا في مونبليزير. ليس لان الشيخ يريد ذلك إذ هو بلا شك يريد الجمع بينهما، اذ ان المؤشرات على رغبته في مغادرة رئاسة الحركة ضعيفة جدا. الجميع يعلم ان لا احد، بما في ذلك الشيخ نفسه، اكبر من «الحركة». بمعنى اخرى «الجماعة» فقط مفتاح البقاء السياسي، لهذا تقلد الامر فيها شرط تقلد امر الدولة. وتصريحات اقرب المقربين منه واخرها تصريحات رفيق عبد السلام لاذاعة ديوان اف ام (27 نوفمبر) أشار فيها الى «امكانية تاجيل مؤتمر الحركة» و»تغيير النظام الداخلي» ليبقى رئيسها، وهو ما اثار ردود فعل مكتومة وبعضها الآخر لم يستطع الالتزام بالكتمان (عضو الشورى حمدي الزواري مثلا).
في المقابل سيفرض الواقع نفسه. في الايام الفارطة إذ بقي مونبليزير فارغا باستثناء اللقاء بوفد الاخوان في الجزائر بقيادة مقري. وعليه تم في اوساط قيادات الحركة طرح موضوع «سد الشغور» الفعلي عبر «لجنة تسييرية». وهذا طبعا مجال لتنافس قوي بين عدد من القيادات من اهمها علي العريض ونور الدين البحيري. والاخير مستعد على الارجح للتخلي عن رئاسة الكتلة، مثلا لزياد العذاري، اذا كان ثمنها ترؤس اللجنة التسييرية للحركة. في كل الحالات الاصطفافات والتنافس بدأ يخرج عما كان سائدا منذ اشهر بين «خط الشيخ» و«التيار الاصلاحي». نحن ازاء وضع متغير تنقسم فيها المجموعات حسب المعنيين بموضوع الخلافة. وحتى موضوع الحكومة ورئيسها كان في هذا الاطار.

• الحكومة كأحد مكونات الصراع
على الخلافة؟
لازالت تفاصيل كثيرة تستوجب الوضوح في علاقة بالاختيار «المفاجئ» للحبيب الجملي. في كل الحالات لم يكن الرجل على «القائمة» في معظم الوقت الذي سبق اختياره، وتم -تقريبا- سحب اسمه من الدرج في الساعات الاخيرة. هنا لا يمكن التقليل من الاحترام للرجل، لكن من الصعب القول ان نية اختياره كانت في سياق تركيز «رجل قوي» في القصبة أحد شروط معايير الاختيار والحسم كانت ان يكون شخصيا يمكن ان يبقى ظلا لشيخ الحركة والبرلمان.
الشرط الاخر للاختيار هو حتما «عدم الانقلاب على الحركة»، وهو اهم الاسباب التي حسمت مثلا الاختيار بين الحبيب الجملي والمنجي مرزوق (الذي وصل البعض لوصفه بـ«رجل التيار» لابعاده من القصبة رغم انه كان متقدما لدى «شعب النهضة» وايضا في شوراها الى حد الإجماع الحاسم).
يبقى السؤال الاهم الآن، هل تم اخراج اسم الجملي في اخر اللحظات من «فريق الشيخ» ام أن الشيخ نفسه لم يكن ممسكا تماما هذه المرة بزمام المبادرة؟ من الواضح انه بدا مرشحا مناسبا لرئيس الحركة بما يجعله يحكم القصبة من باردو، لكن ذلك لا يعني انه امر مضمون. تصريحات الجملي تتحدى، ظاهريا على الاقل، مواقف رئيس الحركة (خاصة من تشريك «قلب تونس») وأقرب المقربين من الشيخ ليسوا ضرورة من كانوا وراء اخراجه من الدرج. المؤشرات تشير الى أن الاختيار كان بمبادرة من خارج «عائلة الشيخ». وان المعنيين الاوائل بخلافة رئيس الحركة لعبوا دورا رئيسيا في اقتراحه.
في كل الحالات المرشحون الحاليون لشغل مواقع في القصبة (خاصة رضا السعيدي) وفي الوزارات (سيدة الونيسي، الحبيب الدبابي، احمد قعلول، خليل العميري، نوفل الجمالي، بسمة الجبالي.. الخ) ليسوا من الصف الاول لكنهم مرتبطون بشكل او باخر ليس برئيس الحركة فقط بل ايضا بالمعنيين الاول بالخلافة. ويعكس توافقا عاما على اولوية بقاء «الوزن الثقيل» في البرلمان او الحركة. لكن كل هذا يعكس اولوية حسابات الحركة الداخلية على امكانات النجاح سواء في تشكيل الحكومة او في ادائها اللاحق. الى حد ترك الانطباع انها «حكومة jettable» حتى المرور بعقبة «العام الصعب» اي السنة المالية 2020.
يبقى ان خيار الحبيب الجملي لا يبدو قادرا حتى الان على تحقيق اختراق كبير سواء في الاحزمة المختلفة: الحزام السياسي يبدو اشكاليا فخيار حكومة بحزام وزراء من النهضة-التيار-الشعب-تحيا واصوات الكرامة اضحى مستحيلا تقريبا (خاصة اان النهضة لم تقدم عرضا جديا حتى الان لا للتيار ولا حتى لاقرب حلفائها اي الكرامة)، وخيار حكومة لوزاراء نهضة وتحيا تونس وربما «كتلة الناصفي» (ان استطاع جر كتلته) ومستقلين محسوبين على قلب تونس مع اصوات من الكرامة ايضا صعبة التمرير ولو اكثر امكانية. ايضا حزام المنظمات الوطنية لا يبدو متحمسا للرجل.
البعض نادم على خيار الجملي. ولربما يفكر البعض في ايجاد صيغة او فتوى دستورية لتغييره قبل انقضاء مهلة الشهرين.
في كل الحالات، خيارات النهضة، او مجموعات النفوذ فيها، تبدو منشغلة اكثر بموازين الداخل اكثر من الصورة العامة. وهذا الخطأ يترك أثرا طويل الامد يصل الى خطيئة استراتيجية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا