منبــر: الانتقال الديمقراطي و «الثورة المحافظة» الداهمة

بقلم: محمد الشريف فرجاني
تشهد تونس، منذ الحملة الانتخابية، وخاصّة منذ نتائج الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية والانتخابات البرلمانية في أكتوبر 2019،

منعرجا في مسار الانتقال الديمقراطي يتسم بهيمنة ّمناخ «ثورجي» تمتزج فيه رمزيات «ثورة محافظة» حقيقيّة يمتد طيفها من المدافعين عن السلفيّين الأكثر تطرفا المنتمين إلى ائتلاف سيف الدين مخلوف وحزب التحرير الإسلامي، وما بقي من عصابات «روابط حماية الثورة «، إلى الإسلاميين المنتظمين في حركة النهضة التي كانت من أهم القوى المتآمرة على الثورة منذ عام 2011، وأصبح اليوم قادتها يقدمون أنفسهم على أنهم الأولى بقيادة «حكومة الثورة»، إضافة إلى مختلف مؤيدي الرئيس الجديد، قيس سعيّد. وقد برهن هذا الأخير في خطبه وفي ما أتاه من مواقف ذات رمزية واضحة على الانخراط في نمط من الثورة المحافظة الأكثر رجعيّة. وهو ما تدلّ عليه مواقفه من قضايا أساسية مثل رفضه للمساواة بين الرجل والمرأة ، بتعلّة أنّ ذلك «حسم فيه القرآن» وأنه ليس مما «يريده الشعب» («الشعب يريد ...»)، بل إنّه مفروض من الخارج وخاصّة من أوروبا، وكذلك موقفه المناوئ للمثليين قال عنهم إنهم مموّلون من الغرب لإفساد «الأمّة»، ورفضه إدانة الجهاديين باعتبارهم مجرد ضحايا للنظام الدولي والوطني. ومما يؤكد هذا التوجه المحافظ مشاهد الاستقبال الرئاسي لفتيات محجّبات في سن الطفولة، قبل إقدام شيخة مدينة تونس على عرض أطفال يرتدون ملابس تشبه ما يفرضه الطالبان، في شارع بورقيبة، في قلب العاصمة، محاطين بسياج حديدي وكأنهم في قفص، جالسين حول مجسّم للكعبة. كما أنّ خطابه الأخلاقوي يذكر بما يردده دعاة «النظام الأخلاقي» للرجعيين من كل الأديان والثقافات، حنينا إلى عصر ذهبي حيث كان كل إنسان وكل شيء «في مكانه الطبيعي في النظام الطبيعي للأشياء» ، إلخ.

وتماما، كما كان الأمر في زمن التجليات الأولى للثورة المحافظة في ألمانيا بين الحربين الأولى والثانية للقرن العشرين، انضم مثقفون وناشطون يساريون إلى هذا التحالف على أساس ما يركزون عليه من وعود بالعودة إلى مطالب الثورة وضرورة اعتبار تجند الشباب وراء قيس سعيد، والحرص على التواصل مع هذا الجمهور ولو كان ثمن ذلك غض النظر عن ما يناهض التوجهات الأساسية لليسار والمدافعين عن التقدم والديمقراطية، مسايرة الظرف وفي انتظار أيام مواتية.

وكما كانت للثورة المحافظة في ألمانيا في عشرينيات القرن الماضي روافد يساريّة، مثل أتباع إرنست نيكيش(Ernst Niekisch )، مؤسس الحركة القوميّة-البلشفية، وقد كان معجبا بروسيا الستالينية وقدرتها على تحقيق «التعبئة الكاملة»، فإن الثورة المحافظة التونسية لها يساريوها من أمثال رضا لينين وغيره ممّن يحنّون إلى الحلم السوفياتي الكبير. وينبغي التأكيد هنا على أن هذا الإرتداد يتغذى من نتائج الحكومات المتعاقبة منذ 2010، ومن تفاقم الفساد، وعودة رموز دكتاتورية بن عليّ بمباركة النهضة وحلفائها، و بتبعات الصراعات الحزبيّة على حساب مطالب الثورة والقوى التي قامت بها، وفي مقدمتها الشباب والجهات المحرومة والفئات الاجتماعيّة المهمّشة نتيجة سياسات الليبرالية الجديدة التي يمليها صندوق النقد الدولي والبنك العالمي والمؤسسات المالية المانحة للقروض، إضافة إلى عدم تبلور بديل ديمقراطي اجتماعي وإلى كارثية المشهد السياسي المتفكك. فكلّ هذه العوامل تضافرت لتؤدّي إلى اليأس والإحباط وفسحت المجال لبائعي الأوهام الهوويّة والسرديّات المؤامراتية.

في هذا المناخ «الثورجي»، أصبح الكثير ممن كانوا لا يتوانون عن النهوض للتصدّي لأدنى تهديد للحريّات ولحقوق الإنسان وللمكتسبات الحداثية، في حالة من الذهول، ولم يبق للأصوات الناشزة ما كان يشد إليها الأسماع لما بات يشوبها من خفوت واحتشام. فكما لو أننا أصبحنا نخاف التكفير الثورجي، ونخشى أن نتهم بالإنبتات وبالانفضال عن جمهور « الشعب يريد ...»، أو بأننا من «الفئة الخائفة على مصالحها والتي لم تفهم أنّ البلد قد تغيّر» (كما جاء في مقال لسامية الزواري نشرته Kapiltalis بتاريخ 9 نوفمبر 2019 ، في سياق مقالات أخرى تدافع عن قيس سعيد). وكأننا نشعر بنوع من الذنب لأننا لسنا في صف ألمنتصرين الذين يقدمون أنفسهم على أنهم دحروا الثورة المضادة وانتصروا على الفساد، كما لو كنّا مسؤولين عن سياسات بن عليّ، والترويكا، وحكومة مهدي جمعة، وعن التحالف بين الغنوشي والباجي قائد السبسي، الذي كان من بين عرّابيه نبيل القروي، الحليف الجديد للنهضة، وكما لو كنّا مساندين لحكومات التوافق بين النهضة، التي صارت اليوم ترتدي زي الثورة، بعد أن كانت من الركائز القارة في كل الحكومات منذ أكتوبر 2011. وكما لو أن تشتّت الديمقراطيين واليسار من مسؤلية من لم يتوقّفوا يوما عن الدفاع عن الحرية والمساواة وحقوق الإنسان من خلال الدعوة إلى وحدة الأحزاب التي تعلن تبنّيها لهذه القيم.

إن طريق بناء الديمقراطية لم يكن قط سهلاً. وهو طريق طويل ومليء بالعقبات والمزالق، ولم يكن أبدا «نهرا طويلا هادئا «. ولا توجد تجربة ديمقراطية دون أخطاء، وبدون انتكاسات وارتدادت، قبل أن تستأنف السير نحو الحريّة والمساواة. ونحن مازلنا في بداية المسيرة. وليس هناك سوى المقاومة والصمود في وجه قوى الارتداد لضمان الانتصار. فيجب أن نتدارك أنفسنا ونعود للمقاومة كما فعلنا ضدّ نظام بورقيبة وبن علي، وضدّ الترويكا ومختلف التحالفات الحكومية بين النهضة وأولئك الذين لم يفهموا أن التحالف مع الإسلام السياسي لا يؤدي إلا إلى حتفهم. ويمكن أن نخطئ في تقديراتنا؛ وبالتأكيد سنخطئ كما فعلنا في الماضي. لكن الخوف من الخطإ لا يمكن أن يكون ذريعة للسير في طريق أشنع الخطايا : التنكّر لقناعاتنا والكفّ عن النضال من أجل عالم أكثر حرية وأكثر عدلاً وأكثر تضامنا. والطريق إلى هذا الهدف يبدأ بمقاومة «الثورة المحافظة التي (أصبحت) تزحف بوجه مكشوف» كما قال صديقنا دانييل ليندنبرغ (Daniel Lindenberg). ولنكن على يقين بأن الكلمة الأخيرة لن تكون لقيس سعيد ولحلفائه في الائتلافات القادمة تحت قيادة النهضة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا