منبــر: ظاهرة التناسل الحزبي في المنطقة المغاربية

بقلم: عبد الصمد بن شريف – صحافي وكاتب مغربي
السياسة العملية تبدأ بالإشارات الصغيرة والرمزية، لكنها تكون مقدمة لعمل كبير على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والحقوقي،

خاصة في هذه الظرفية التي يعرف فيها المغرب ودول مغاربية أزمات ومشاكل عويصة في القطاعات الاجتماعية الاستراتيجية. وهو ما يحتم على مجمل المكونات السياسية ليبرالية وإسلامية و يسارية ،أن تقوي صفوفها، وتوسع قواعدها ،وتصلب تماسكها وتتخلى عن جملة من المواقف الجاهزة والدوغمائية.

وتتواصل بطرق وأشكال جديدة، مع عموم المواطنات والمواطنين. خاصة وأن السياق الموضوعي ،يفرض على الأحزاب والقوى المدافعة عن دولة المؤسسات واحترام الحريات وحقوق الانسان التحلي بالمرونة الفكرية والتنظيمية، وبالحوار المنتج، وبالتفكير الاستراتيجي والاستباقي حول القضايا الحيوية، والانشغالات الأساسية، التي تهم الوطن والشعب،لتفادي العزلة السياسية والنفور والعزوف الانتخابي، الذي أصبح ردا صريحا ،من طرف فئات واسعة من الشباب المتذمر من فحوى السياسات العمومية ،المتبعة في مجال التشغيل والصحة والتعليم في دولنا . وهو ما يفرض وجوبا على مكونات الحقل الحزبي، أن تغير أيضا سلوكها ومنهجية عملها، وآليات الاستقطاب.

بدون مبالغة أو تهويل، هناك هشاشة وضعف وتفكك وتشتت في الرؤى والبرامج وطرق العمل بالنسبة لمعظم الأحزاب المغاربية . وأعتقد أن المرحلة الراهنة وطنيا ومغاربيا وعربيا ودوليا هي في صالح كل القوى الديمقراطية الحقيقية التي من شأنها ان تحدث صدمات ايجابية في المجال السياسي وقطعا جذريا مع ممارسات «تقليدا نية» متجاوزة .لكن لابد من تعامل ذكي وبراغماتي، ولا يجب أن يشكل تبني هذه المقاربة التنظيمية والتواصلية الجديدة، عقدة لدى البعض، بدليل التخلي عن الثوابت والمبادئ والمرجعيات المؤسسة لهوية مكون حزبي معين، يجد صعوبة كبيرة في التأقلم مع التحولات والمتغيرات التي تهم الوطن والشعب ،وهذا التفاعل هو الذي يصنع المصداقية والفعالية والجاذبية ..

هناك مفارقة لا تخلو من إثارة ،ففي المغرب يشعر المرء أحيانا بنوع من الغبطة والارتياح لا حدود لهما ، عندما يقرأ في عدد من المنابر الأجنبية ، بأن المغرب بلد مستقر ومتفتح ومجدد، يعيش على إيقاع تغييرات مهمة. ومهما كانت هذه التغييرات بطيئة وغير كافية، فإنها على الأقل تشجع على التفاؤل والتمسك بأهداب الأمل، فالسلطة باتت تفصل على مقاس جديد، ساعية بذلك إلى نحت مفهوم يجمع في بوتقة واحدة بين الاقتصادي والاجتماعي، تجاوبا مع أولويات المرحلة. واستيعابا لانتظارات الشارع، كما أن أدوات تنفيذ وتجسيد هذا المفهوم، لم تعد تقليدية قائمة على علاقات فوقية، بل أصبحت منخرطة في المشاكل اليومية للمواطنين ولها من الصلاحيات والإمكانيات ما يضمن لها استقلالا محليا في اتخاذ القرارات وتحديد الأهداف.

غير أن الشعور بالغبطة والارتياح سرعان ما يتبدد، عندما تنتصب أمامنا تشكيلة من الأحزاب السياسية تعد بالعشرات وهي تؤثث مشهدا يتضمن كل العناصر الدالة على العبث واللامعقول السياسي ، خاصة في ما يتعلق بأسباب نشوئها وظهورها، والسياق الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الذي احتكمت إليه وتحكم فيها، والمبررات الموضوعية الداعية إلى تفريخ مزيد من الأحزاب. وهذه الظاهرة مغاربية بامتياز، سواء في المغرب أو في تونس أو في الجزائر أو في موريتانيا أو في ليبيا التي تعيش حالة من التشظي والتفكك غير المسبوقين في تاريخها السياسي والمؤسساتي.

أكيد أن من مختلف الدساتير المعمول بها في الدول المغاربية ،تشدد على أن الأحزاب السياسية تضطلع بدور مهم وأساسي في تأطير وتنظيم المواطنين سياسيا، أي أن وجود الأحزاب يشكل ضرورة حيوية لا مناص منها ،لنهوض نظام ديمقراطي منبثق من انتخابات نزيهة وشفافة ولتحقيق مجتمع مستقر ومتوازن، ومنتج على مستوى القيم الرمزية وفي مقدمتها الديمقراطية التمثيلية . لكن الآلية الدستورية ،لا تكفي وحدها لصناعة احزاب قوية وذات مصداقية ونجاعة اجتماعية وسياسية ،فالمظلة الدستورية قد تكون في أحيان كثيرة مصدرا لوقوع الممارسة السياسية في العراء، وتعريضها لشتى أنواع التسيب والميوعة، سيما وأن المعطيات الاجتماعية والسياسية والتربوية لا تدعو بالضرورة إلى كل هذه السيولة الحزبية التي تدفقت بصورة غير مسبوقة في بلدان مازالت تتلمس الطريق لإحداث طفرة ديمقراطية في الممارسة السياسية، وتحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية. وكأن الواقفين وراء ظاهرة تناسل هذه الأحزاب يستعجلون الوصول إلى نقطة معينة في ماراطون السلطة، أو الظفر بمقعد برلماني حتى ولوكان يتيما .والذي قد يكون من نصيب زعيم الحزب مكافأة لما أسداه من خدمات، ولما كرسه من وقت لترويج وتسويق إيديولوجية الحزب ووعوده الغفيرة .

أتحتاج المجتمعات المغاربية إلى كل هذا الكرنفال الحزبي المدجج بخطابات ولغات ،يبدو بعضها أحيانا مدثرا بلبوس عبثي يحيل على كل المفارقات؟ أي قوة سياسية تريدها هذه المجتمعات لتتولى تدبير شؤونهم؟ لا أعتقد أن مشهدا مبعثرا ومبلقنا تقطنه كائنات سياسية لا هوية فكرية ولا شرعية تاريخية أو جماهيرية لمعظمها، بمقدوره أن يفرز أقطابا حزبية قوية تعكس تمثيلية سياسية معقولة، من شأنها أن تتحمل المسؤولية بكامل الثقة والاطمئنان.

وعندما نتحدث عن الشرعية التاريخية والجماهيرية لا نقصد بالضرورة خوض المعارك النضالية المريرة، ودخول السجون والتشبع بمبادئ الاشتراكية ومقارعة الامبريالية والتصدي للرجعية ، قصدنا هنا، هو أن يكون لهذه الأحزاب قسط من التمثيلية الاجتماعية والانتشار الجغرافي، وفلسفة واضحة، تهتدي بها في اجتياز المسالك الوعرة والمفازات الصلبة وبرامج متماسكة ومقنعة وواقعية والحال أن من يتأمل تصريحات وأقوال بعض زعماء أحزاب القرن الواحد والعشرين في بلداننا يمكن أن يشد على بطنه بقوة ،خشية أن تنفجر من نوبة ضحك . هناك أحزاب تعتبر نفسها بديلا تنظيميا وتاريخيا ظهر إلى الوجود بقوة حاجة المجتمع إلى خدماتها، لأنه سيسد الفراغ السياسي المهول الذي يسم الساحة، وسيقول الحقيقة دون أن يداخله خوف أو وجل. ومعه سيتنفس الفقراء والمحتاجون الصعداء. فها هو مهدي الأحزاب المنتظر بعث بعثا، لينقذ الشعوب من الانزلاق والارتماء إلى التهلكة. لكنه ليس البعث بل العبث. فأن يتوهم حزب صاغته سخرية الأقدار ،وقذفت به إلى الوجود في زمن لم تعد فيه السيادة المطلقة للغة الهراوة وظلمات السجون، هو كذبة كبيرة، خاصة إذا توهم ،بأنه سيشكل عصب الحياة السياسية من العدم، وأنه سيميط اللثام عن الحقيقة، ليعرف الشعب أين يجب أن يضع قدمه ،حتى لا يسقط في الفخ.

اللافت للنظر في هذه الصورة الحبلى بالسخرية، هو القفز بكيفية مأساوية وموجعة في الآن ذاته فوق حقائق التاريخ ،ومستلزمات العمل السياسي وأخلاقياته، والميل إلى بتر هذا التاريخ وتشويه هذا العمل السياسي، وكأن بلداننا ظلت أرضا عقيمة طوال هذه العقود لم تلد أحزابا ونقابات وجمعيات، مهما اختلفنا معها وانتقدنا سلوكها وأداءها، فإنها في المحصلة النهائية لعبت دورا كبيرا في تنشيط الحقل السياسي، وتخصيبه بأفكار وقيم وطروحات ساهمت في بلورة وعي تسلحت به أجيال لا يمكن أن نتنكر لها أو ندعي أننا وصلنا إلى صياغة البديل الذي يلغي دورها نهائيا.

ومن سمات أحزاب القرن الحادي والعشرين في المنطقة هو السباحة العمياء في بحر السياسة الهائج، أي عدم التوفر على الأدوات والشروط اللازمة لتشكيل حزب وفق المعايير المتعارف عليها في جميع أنحاء العالم، وكل ما يوجد في متناولها من عتاد وذخيرة ،لا يعدو أن يكون كمية هجينة من مصطلحات ومفردات حين تركب في جمل، تدرك بسهولة هول الفراغ الفكري، وانعدام الخيال السياسي ،لدى من يفترض فيهم بأنهم قادة ، وتبعا لذلك تتعرض مصطلحات الديمقراطية، والتنمية، والمبادرة، والليبرالية، والتجديد والحداثة والمساواة والعدالة الاجتماعية والمجالية والحرية، والنضال ، والمصداقية والثقة والبيئة، والإصلاحات والمصالحات ، إلى حفلة تعذيب وجلد، ينبغي على إثرها أن تنقل هذه المفاهيم على وجه السرعة ،إلى قسم المستعجلات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. ويحدث هذا دون أدنى اعتبار لمجتمعات – رغم أخطبوط البطالة والاحباط وخيبات الامل الذي يطوقه – فإنه ينطوي على نخب متعلمة تميز بين الصالح والطالح، ومواطنات ومواطنين يدركون أن الانتهازية الانتخابوية لن تنطلي عليهم، ولن تغرر بهم .

ايمكن للانتخابات أن تعجل بولادة كل هذه الأحزاب؟ إذا كان الأمر كذلك، فعلى مواطني المنطقة – وإن كان هذا الشيء مستبعد - أن يرجموا هذه الأحزاب بالطماطم والبطاطس ليؤكدوا أنهم ليس أكياس بطاطس لا وعي لهم ولا وجهة نظر تحدد سلوكهم الانتخابي.

إن السياسة مجال للعمل والتجارب والتأويل.. فضاء ممتد يصعب تحديد هويته، وينبغي أن نتصور السياسة بكثير من العمق، أما ابتذال السياسة والاستهتار بها فلا يمكن أن يؤدي إلا إلى السطحية والشعبوية والبلطجة الخارجة عن كل الأعراف والقواعد.

لقد امتلأ بطن بلداننا بالأحزاب، وعلينا أن نقتدي بالتجارب الديمقراطية العريقة لنصون دولة الحق والقانون ولنرسخ قيم العمل الوطني المستند إلى المصلحة العامة، بعيدا عن طموحات أشخاص يفرضون ويسقطون بمظلات مجهولة، لخلخلة وتلطيخ صورة إيجابية، نريدها أن تختزل طموحنا الديمقراطي و عمقنا

الحضاري، وتاريخنا الغني، وجغرافيتنا النوعية وتنوعنا الثقافي واللغوي وجنوحنا الحماسي إلى العقلانية والتسامح والإيمان بالاختلاف.

من الطبيعي أن نشعر بالمرارة والسخافة عندما نصيخ السمع إلى تصريحات لا عمق لها، يطلقها قادة جدد يحملون مشعل التغيير في يدهم اليمنى، ووعودا هلامية في يدهم اليسرى التي تتبرأ من الأيديولوجيا. لأن هذه الأخيرة زائلــة و مزاجية. أمــا « قادتنا الأفذاذ» فهم ثابتون ومثبتون، وما يهمهم هو الانخراط في هموم الشعب والتضحية من أجله. ولو احتاج الأمر إلى أداء القسم لتأكيد هذه القناعة. فلا مانع في ذلك ما دامت العقول والقلوب مفعمة بعقيدة سياسية مفادها أن الوقت قد حان لتجويل ا البلد او ذاك إلى ورشة للعمل الدؤوب ولتأهيله وتمكينه من مقومات التنمية الحقيقة والتحول الديمقراطي الفعلي.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا