حديث الفرد: «الشعب يريد».. ماذا يريد الشعب؟ الشعب أفشل الثورة (1)

حصلت في تونس ثورة. اندلعت في الشارع، على حين غفلة، فأتت على سلطان ظالم، متكبّر... فرحت بالثورة وكان لي أمل وتطلّع.

قلت وقال الناس من حولي: «انتصرنا وغدت تونس حرّة وغدا سيكون عيشنا أرقى وأفضل». كان هذا منذ نحو عشر سنين. منذ عشر سنين وأنا كلّي أمل، كلّي تطلّع. ها أنا أنظر في الأفق. أنتظر شروق الأمل. أقول لنفسي وللناس من حولي: «بعض من الصبر وسيأتي الفرج. بعض من التريّث وغدا، سوف تشرق الشمس وسوف تكون تونس أحلى وأجمل». مرّ الزمن. لم يأت الأمل. مرّت السنين ولم أر الشمس ولا القمر. تونس أراها تتقهقر. تونس كلّ يوم تغرق. تبخّر لديّ الحلم. انكسر في قلبيّ الأمل...

منذ الثورة، تعيش تونس فوضى وفيها انفلات وتفكّك. ضعفت الدولة. لا أحد في البلاد يأمر. لا أحد اليوم يحكم. كثر الصخب. عمّ التهافت. الكلّ ينتفض، يحتجّ، يطالب. الكلّ باسم الشعب يتكلّم. هي الفوضى العارمة. هي البلاد تتمزّق. ساء الحال. تفكّك الأمن. عمّ الفساد والتهريب والتهرّب. تراجع الانتاج. هوى التعليم. أصاب الصحّة سقط. غلا العيش. ضاقت الميزانيّة. في تونس، إفلاس يهدّد...

لماذا فشلت الثورة؟ لماذا ساء الحال وغدا العيش في تونس أسوأ؟ لا أرى سببا بيّنا وكنّا أتينا، في ما أعتقد، كلّ صغيرة وكبيرة... أجرينا انتخابات نظيفة. كتبنا دستورا طويلا، جميلا. دفعنا بالمال للشهداء، للجرحى، لمن كان مناضلا. انتدبنا عشرات الآلاف ممّن هم في عوز. حصلت زيادات في الأجور وفي المنح. بعثنا بهيئات دستوريّة متعدّدة. بنينا الجوامع وحرّرنا اللسان والإمام والصحف. فعلنا كلّ شيء وأكثر...

قلت اليوم انتهينا. انتهينا من الأحقاد والضغائن. انتهينا من الفوضى العارمة. لنا دستور وقانون وهيئات تسهر. أصبحنا في مأمن من كلّ حكم ظالم، متجبّر. بنينا أركان الدولة. اليوم، انتهينا وحانت ساعة العمل. حان الزمن للتأسيس لعيش أرقى وأفضل. هذا ما ظننت وفرحت بما ظننت. خاب ظنّي. شدّني ألم...

ذهب الجهد الوطنيّ هباء في قضايا لا تسمن. ضاع المال العام في ما أنفق من تعويض، في مكافحة الفساد، في الحقيقة والكرامة، في الزيادات المتتاليّة، في العديد من الشؤون التي لا نفع فيها ولا فائدة. رغم ما بذل من جهد وما حصل من إنفاق، ازدادت المطلبيّة وتعاظم التهافت وتفاقمت البطالة. تراجع الانتاج.

انتهى الفسفاط. أغلقت المعامل. كسد السوق. أكل البلاد إهمال وتسيّب. ضاعت تونس. سكنني إحباط ويأس.

بعد الثورة، أصبح العيش في تونس عصيبا، عصيّا. أصاب النفوس غيض وقلق. هرب البلاد الشباب وهجرها من الناس من له قدرات وكفاءة. رأيت الناس من حولي، كلّ يتدبّر. يسعى لإنقاذ نفسه. كثرت المناورات. اشتدّ الزور والكذب. تعاظم في البلاد الفساد وتراكمت المزابل والأتربة. استباح الناس الأرض والبحر. كلّ يستأثر، يلهف، يغنم. بعد الثورة، اختفى ظلّ الحاكم، فأكل الناس بعضهم بعضا وأصبح البقاء للمعوجّ، للمنحرف، لمن له عضلات وعنجهيّة. تبخّر حلمي وهذه تونس، أمامي، تتقهقر.

قمنا بثورة وفرحت بما قمنا به من ثورة. كنت أعتقد أن تونس ستكون أحلى وأن حياتي سترتقي وأن ابنيّ سوف يلقيان، هنا في وطني، شغلا وعيشا أفضل. لماذا فشلت الثورة ولم يتحقّق الأمل؟ لماذا لم يرتق العيش ولم تصبح تونس أفضل؟ من أفسد الثورة؟ من أفسد العيش المشترك؟

أمّا الحاكم فهو اليوم ضعيف، مكسور الجناح. «يمشي الحاكم على ركبتيه»، كتب أحدهم على الحائط الأبيض بالدهن الأسود. الحاكم اليوم يستعطف. يتذرّع. رغم فوزه بالصندوق، ظلّ مفكّك الأوصال، مرتعش. هو في عجز أزرق. من أفسد إذا الحياة وعطّل السير وجعلنا في الدرك الأسفل؟ من أفشل الثورة؟ أفشل الثورة الناس كلّهم والسلط. أنا وأنت والآخر هم السبب. كلّ ساهم في ضرب الثورة. شارك، بيده، بصمته، في إفساد العيش المشترك. ما نرى في البلاد من بغضاء، من تهافت، من اضرابات، من اعتصامات، من تقاعس... أضرّ بالبلاد وجعل الحياة أضنى وأعسر. ما أتته الأحزاب والمنظّمات من مكر وخبث وأنانيّة، ما ظهر في السلط من عجز وفساد ومناورة وما فعلته الشغّيلة من كسل، من تقاعس وما بان في الشعب من جهالة، من ظلمة... كلّها جميعا ساهمت في إجهاض الثورة، في إفساد العيش. الشعب بأفراده، بفئاته، بطبقاته هو المسؤول عمّا حصل من تقهقر. السلط والدهماء والنخب معنيّة بما يجري اليوم في تونس من غباء ومن عبث...

(يتبع)

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا