حديث الفرد: ما الفســاد؟ هـل بالإمكـان قطع دابــــره؟

في الخطاب الدائر اليوم، أصبح الفساد موضوعا محورا. الكلّ يقول إنّ المفسدين هم من أفشلوا الثورة، هم من خرّبوا البلاد وعرقلوا.

لدى أهل الحكم والمعارضة والمنظّمات الأخرى، الكلّ يدعو الى مقاومة الفساد، الى قطع أيدي المفسدين. منذ الثورة وقبلها، تونس جميعا تطالب بالقضاء على الفساد وقد استفحل وعمّ. لكن، دون جدوى وهذا الفساد دوما ضارب... ما هو الفساد ومن هم هؤلاء المفسدين الذين عنهم نتحدّث؟

الفساد هو كلّ فعل يأتيه فرد له وظيف غايته منه تحقيق نفع خصوصيّ. كلّ عبد له سلطة مادّيّة أو معنويّة يعتمدها ماكرا لتحقيق غايات شخصيّة هو فاسد. كلّ فرد في وظيف، في شغل، له مسؤوليّة، له نفوذ، يعتمده لانجاز غاية أو نفع له أو لذويه هو فاسد. يعتمد الفسّاد طرقا غير قانونيّة، مخالفة للتراتيب لتحقيق مآرب شخصيّة. يمكن أن يكون الفاسد من القطاع العام أو الخاصّ. يمكن أن يكون فردا واحدا أو أكثر.

فعليّا، يتجسّم الفساد في ما كان من رشوة، من محسوبيّة، من غشّ، من ابتزاز، من اختلاس، من كسب غير شرعيّ، من غسل للأموال، من كلّ فعل فيه اضمار لنيل حاجة غير قانونيّة، فيه غشّ أو مخادعة أو سوء نيّة لتحقيق مقصد شخصيّ...

هذا التعريف الواسع للفساد هو اليوم المعتمد في عديد الهيئات والبلدان. كما نرى، يمسّ الفساد الحياة في أشكالها المختلفة وتلقاه في جميع الفضاءات الخاصّة والعامّة، لدى كبار مسؤوليّ الدولة وأيضا لدى صغار الموظّفين وعامّة العملة والناس. طبعا، هناك اختلاف في درجات الفساد. هناك الفساد الكبير والفساد الصغير وحسب القدرات والموضع في هرم السلطة، تختلف درجات الفساد ويأتي الفاسدون أنواعا...
° ° °
في ما أرى وأسمع، انتشر الفساد في تونس وعمّ. هو اليوم ضارب في كلّ أرض. يأتيه الناس جلّهم. يمسّ الحياة، أشكالها جميعا. في كلّ القطاعات هناك فساد. في كلّ المجالات، ترى الفاسدين وقد اندسّوا وتمكّنوا. اليوم، يتحدّث الناس عن الفساد في القضاء، في الإعلام، في الأمن، في البنوك، في الديوانة، في التعليم، في الصحّة، في التجارة، في الصناعة، في تونس الجوّيّة، في فسفاط قفصة، في شركة اللحوم وفي عديد المواطن الأخرى. لا يخلو فضاء واحد من الفساد. كلّ الأرض التونسيّة، شرقا وغربا، يسكنها الفساد. حيث تولّي وجهك تلقى في تونس فسادا صغيرا منتشرا وفسادا كبيرا مستفحلا...

أمّا الرشوة، وهي إحدى علامات الفساد الأكثر تجذّرا، فقد أصبحت ركنا من أركان المعاملات بين الناس. لدى التونسيين، لقضاء حاجة، أحيانا كثيرة، يجب أن تكون على علاقة أو أن تعطيّ رشوة. قال صاحبي: «منذ الثورة وقبل الثورة، غدا الغشّ سلوكا عامّا، مشتركا. الكلّ يرشي ويرتشي. الكلّ يغشّ الكلّ». حسب صاحبي، «أصبحت الرشوة مكوّنا ثقافيّا». أكثر من ذلك، أصبح الكسب الفاسد أمرا مشروعا. بل ترى الفسّاد بما كسبوا يتفاخرون ويتباهون وترى الناس غيرهم في حسد، يغبطون ما كسب الفاسدون من كسب...

لست مبالغا إن قلت إنّ الفساد الصغير كالغشّ في الأسواق أو الرشوة أو المحسوبيّة، هي اليوم فساد عامّ، تلقاه مستفحلا لدى الموظّفين والعاملين وعامّة الناس أيضا. مثل هذا الفساد الصغير دخل في جميع المعاملات، بل أصبح، أو يكاد، ركنا من أركان الشخصيّة التونسيّة. أمّا المحسوبيّة، وفي تونس هناك فقر وجهويّة، فهذه ظاهرة قديمة، قائمة كقيام الزمن. تلقاها جليّة في أعلى الهرم وتراها بيّنة في أسفل السلّم. في مجتمع قبليّ، علاقات الدم هي الأقوى وهي المحدّدة... تغلغل هذا الفساد الصغير بمختلف أشكاله في قلوب الناس. كلّ الشعب التونسيّ تقريبا يأتيه اليوم. بصفة شبه طبيعيّة. هذا النمط من الفساد وقد تفشّى واستفحل، من العسير تبيّنه ومن الأعسر مواجهته والقضاء عليه.

أمّا الفساد الكبير ونعني به ذاك الذي له علاقة بالصفقات العموميّة وباختلاس المال العامّ وبتبييض الأموال وبالغشّ في المشاريع الكبرى وبالابتزاز بواسطة التحيّل أو الاجرام الى غير ذلك من الخروقات، فلهذا النمط من الفساد أثر بليغ على البلاد وعلى الموازين وأيضا لما قد ينجرّ عنه من انخرام مجتمعيّ وبغضاء طبقيّة. يأتي هذا الفساد الخطير عادة كبار المسؤولين في الدولة وكبار رجال الأعمال ورؤساء الأحزاب والمنظّمات...

هذا الفساد الكبير هو فساد متمكّن، عميق. له قدرات ماليّة خارقة وله قوّة وجأش. بما كان لهم من باع وذراع، يتمكّن هؤلاء الفسّاد من شراء الذمم. يكسبون شعبيّة ويصبح لهم أنصار وأتباع. بفضل ما كدّسوا من ثراء، يتمكّنوا من ربط صلات نفعيّة وأحيانا عائليّة، مثل المصاهرة، مع الأطراف الفاعلة في المحيط، من سياسيين وقضاة وإعلام وبوليس. يحرص هؤلاء على كسب ثقة الناس وعلى اكتساب هالة من التقدير والتبجيل. تراهم يصلّون في الصفّ الأوّل وفي المناسبات لهم كرم وحضور.

بما كان لهم من صلات مع أهل الحلّ والعقد، يتمكّن هؤلاء من الانفلات من المحاسبة وتلقاهم دوما محصّنين. في ضمان، في منأى من كلّ تتبّع. من يسهر على القانون وعلى تطبيقه هم غالبا شركاء مع الفاسدين في الفساد. بين هؤلاء وأهل القرار مصالح مشتركة. يأكلان من نفس القصعة. ينعم القضاة وأهل الاعلام والحكم والأحزاب، جلّهم، بكرم هؤلاء، بل أحيانا الفاسدون هم من منحهم الوظيف والترقيّة. يأكلون من أيديهم ولا يعض أيدي المكرمين إلا جحود، لئيم.

(يتبع)

الفساد مكوّن من مكوّنات الشخصيّة التونسيّة.
نحن نحسد، نغبط الفاسدين على ما كسبوا

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا