على هامش خطاب الرئيس قيس سعيد: مفاجآت سارة لمعارضيه، وأخــرى سيّئة لمناصريه

لم يحد الرئيس الجديد قيس سعيّد عمّا عوّدنا به من فصاحة اللسان والحماس في الدفاع عن بعض المبادئ،

وجاء خطابه عند أدائه اليمين الدستورية دون مفاجأة من حيث الشكل.

أما المضمون فكان الجميع ينتظره، بسبب ما شاب حملته الانتخابية من غموض وقلّة دقّة، مما فتح أبواب التأويلات على مصراعيه، منها المساندة له، ومنها المعارضة.

ولئن اتُّهِم من عارضوا ترشيح قيس سعيّد -افتراءً-، بانتصارهم للفساد، فإن تخوفاتهم كانت مُبرّرة إلى حد كبير، وذلك لسبين اثنين على الأقل. السبب الأول هو أن السيد سعيّد ليس له ماض سياسي يُمكّن من الحكم له أو عليه، ولم يُدل بتصريحات جديدة تتضمّن مشروعا سياسيّا واضحا، والسبب الثاني يتمثّل في تلك المساندة القويّة من قبل جهات راديكالية، أو جهات مشبوهة تُثير تخوفات مشروعة.

ولم يتضمّن خطابه برنامجا سياسيّا بأتمّ معنى الكلمة، وإنما ركّزه على وضع النقاط على الأحرف بخصوص عدد من القضايا التي كانت - طيلة الفترة الأخيرة - محل نقاشات وآراء متناقضة حول موقفه منها.

فمساندة حركة النهضة للرئيس كانت تُضمر التعويل عليه لمواصلة منهجها الذي دأبت عليه، مثل الاستمرار في وضع يدها على مؤسسات الدولة بالاعتماد على مبدأي «المحاصصة الحزبية» و«التوافق»، أو مواصلة السكوت عن ملفات الإرهاب والجهاز السري، وغيرها. كما كانت بعض التنظيمات الأخرى، وخاصّة منها ائتلاف الكرامة ورابطات «حماية الثورة»، تعتبر أن الرئيس سعيّد - بسبب ما عُرف عنه بأنه مُحافظ - وقعت مساندته أملا في أن يتصدّى لمحاولات تدعيم حقوق المرأة وأن يتصدّى للعمل النقابي وغير ذلك ممّا يُفيد خدمة المجتمع.

جواب الرئيس سعيّد جاء ليُطمئن، إلى حدّ ما، أولئك الذين كانوا مُتخوّفين من انهيار الدولة والمجتمع، وكان في ذات الحين، مُخيّبا لآمال الطامعين في أن يجعلوا منه «طرطورا» جديدا.

فلقد أكّد الرئيس سعيّد على العمل على حياد مؤسسات الدولة، أي أن نهج «التوافق» و»المحاصصة الحزبية» لن يكونا القاعدة كما كان الشأن لكافة مؤسسات الدولة منذ سنوات، ممّا أدخل على عملها الاستغلال الحزبي، وبالتالي الشلل. كما صرّح بأنه عازم على مواجهة الإرهاب والقضاء على أسبابه. ومعلوم أن أسباب الإرهاب تُوجد في ملفات على مكاتب رجالات العدالة. وما تأكيده على أنه «لا مجال لأي عمل خارج إطار القانون» إلا دليل على عزمه على وضح حدّ للدولة الموازية، سياسيّا (الجهاز السري) واقتصاديّا (التهريب).

أما بخصوص المرأة، فيقول الرئيس سعيّد بأنه لا مجال للمساس بحقوقها، بل هو سيعمل على مزيد دعمها. كما يُؤكّد قناعته بـ«وطنيّة» قيادات المنظمات الوطنية. وهما موقفان يُعبّران عن نوايا مُطمْئنة للتقدميّين الذين أبدوا تخوّفا صريحا منه، وهي نوايا مُزعجة للرجعيين الذين ساندوه طمعا في مواقف معاكسة لها.

بقي الجانب الاقتصادي الذي بدا ضحلا وغير منطقي، عندما اقترح اقتطاع يوم عمل للموظفين طيلة خمس سنوات لسداد الديون. لا فقط لأن الشأن الاقتصادي ليس من مشمولات رئيس الجمهورية، ولكن بالخصوص لأن هذا المقترح يتنافى مع مبدإ دافع عنه في بداية نفس الخطاب، حيث قال «لا تسامح في أي مليم من أموال الشعب». فهل يدعو الشعب لسداد الأموال التي اقترضتها الحكومات السابقة وأهدرتها في ما لا يعلمه ؟

نأمل أن تلقى هذه الوعود طريقها إلى التطبيق وألّا يكون مآلها مآل بيان 7 نوفمبر.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا