هل أتاكم حديث «البلوكتشين» ؟

لشدّة الحيرة من اتساع الفجوة الرقمية التي تفصلنا عن عالم اليوم الذي ينطق بالبرمجيات والألياف البصرية والذكاء

الاصطناعي بات من المستعجل مٌقارعة النفس باستخدام هذه العنونة المستفزة لأننا بالفعل حيال يوم «حشر دنيوي» مرتقب لن يٌعتق فيه إلاّ من عرف كيف يغتسل من نهر «وادي السليكون» المتحرّك...
بعد التداول بالتقديم والتدقيق لأبرز العملات الافتراضية إثارة للجدل «البيتكون» و«ليبرا»، نتوقف في هذه الورقة البحثية عند تخوم ثورة صامتة في عالم تكنولوجيات الاتصال والتواصل، نجمها الخفي تقنية البلوكتشين Blockchain الرّائدة التي نٌقدّر إنها ستُشكل في المدى القريب مرحلة ما بعد الانترنت l’ère post internet الى جانب الذكاء الاصطناعي.

أ - تقنية البلوكتشين ؟
البلوكتشين لفظ مركّب من كلمتين هما بلوك و شين، أي سلسلة كتل.. تعود نشأتها إلى بداية تسعينات القرن الماضي على يد الباحثين في المعلوماتية Stuart Habert / W.Scout Stornetta .. تشتغل التقنية «على هيئة نظام سجل الكتروني لمعالجة الصفقات وتدوينها بما يتيح لكل الأطراف تتبع المعلومات عبر شبكة آمنة لا تستدعي التحقق من طرف ثالث وسيط... وهي بمثابة أسلوب جديد لتنظيم البيانات يهدف الى تخزين التعاملات الرقمية والتحقق من صحتها وترخيصها وتأمينها بأعلى درجات الأمان والتشفير، لذلك فإنها تعتبر من التقنيات المستحيل التغلب عليها أو كسرها، ولابد من الإشارة الى أنه ستكون لهذه التقنية مكانة مرموقة في عالم التكنولوجيا، اذ ستكون بمثابة نافذة العالم للابتكارات والاختراعات في عالم الانترنت، كما أن نجمها سيسطع في سماء قطاعات الأعمال بما ستحدثه من تغييرات باختفاء الكثير من الشركات المنتشرة حول العالم بما فيها شركات تحويل الأموال في حال عدم مواكبتها لأحدث التطورات والتأقلم مع أعمال هذه التقنية وكل ما سيحدث من تقنيات...» .
تعتبر خصائص اللامركزية واستحالة التزوير من أهم المزايا التفاضلية لتقنية البلوكتشين. بالفعل تٌعدّ اللامركزية من أبرز ركائز تقنية البلوكتشين على الإطلاق بما يعنيه ذلك من الاستغناء الكلي عن أي طرف ثالث أو سلطة مركزية (بنوك او غيرها) للقيام بشتى المعاملات داخل الشبكة، وبالنتيجة لم يعد من الضروري لمستخدم البلوكتشين المرور بجهة ما مالية أو غيرها للقيام بأي خدمة كما يجري به العمل اليوم.

ووفق عدد من الدراسات الأكاديمية تستمد تقنية البلوكتشين مقومات نجاحها من «قدرتها على ضمان عدم التزوير أو التلاعب بالمعلومات أو المعاملات المسجلة، وهي أول تقنية تم اختراعها والتي توفر هذه الإمكانية مع وسيلة دائمة لإثبات عدم حدوث التزوير، حيث لا يمكن مسح او تغيير أي شيء تم تسجيله على البلوكتشين لا الآن ولا مستقبلا وتبقى المعلومات مسجلة الى الأبد...». ولتحقيق ذلك تعتمد البلوكتشين على تقنيات التشفير المتقدمة ونظريات تغيير السلوك الرياضي وآليات اتخاذ القرار وهي عبارة عن مجموعة خوارزميات رياضية معقدة ومضبوطة لا يمكن التلاعب فيها أو اختراقها.
في مستوى الاستخدامات الممكنة للبلوكتشين فهي لا تقتصر على المعاملات المالية التقليدية أو الافتراضية تحديدا البيتكون بل تتعداها الى مجالات أرحب منها التجارة الخارجية وصياغة العقود الذكية واستخراج رخص السّياقة والقيام بالمسح العقاري وغيرها من الأنشطة المجتمعية.
ولتفادي الخلط الشائع بين عملة البيتكون وتقنية البلوكتشين بسبب ارتباطهما الوظيفي الشديد، ينبغي التنبيه بأن «البيتكون» عملة مالية افتراضية لا غير في حين أن «البلوكتشين» تقنية مستقلة متعددة الاستخدامات من دونها لا يمكن تأمين تداول العملات المشفرة بأنواعها.

ب - نحن وتكنولوجيا البلوكتشين...
من المبالغة والإجحاف القول بان ثورة البلوكتشين غائبة تماما عن أذهان صانعي السياسات النقدية في بلادنا لكن من الشجاعة والمسؤولية أيضا الاعتراف بأننا لازلنا في منطقة رمادية مشوّشة تغيب عنها الإحداثيات والتوجهات الواضحة.
فالمتابع الجيّد لكواليس تطوّر النّقديات الافتراضية في بلادنا تستوقفه مفارقة تونسية محيّرة ومستديمة - في بلد ألف مفارقة ومفارقة - فمن جهة تٌعدّ بلادنا الأولى عربيا في اعتماد تقنية البلوكتشين ومن المستكشفين الأوائل للعملات الافتراضية فى العالم (فالدينار الالكتروني e-dinar يعود تاريخه إلى سنة 2000 أي قبل ظهور البيتكون بقرابة تسع سنوات كاملة) ومن جهة أخرى نسجل حجم معاملات مالية افتراضية جد متدينة مقارنة بعدد من دول الجوار والإقليم...

فجميع المحاولات لتطوير المنظومة المالية سواء تلك المتأتية من مؤسسة «البريد التونسى» أو «البنك المركزي» عبر البحث عن آليات نقدية افتراضية بديلة عن ثقافة «الكاش» المسيطرة على السوق تصطدم كل مرة بمشهد سياسي غارق في الرداءة والسريالية ومراكز قوي نافذة ومؤثرة تنتعش من وجود اقتصاد مواز قوي بلغ مستويات قياسية مخيفة مقارنة بالناتج المحلي الخام وهو اليوم في حالة تداخل نفعي خطير مع نسيج الاقتصاد المنظم الآخذ في التفكّك والتهجين.

وعندما يبادر «البريد التونسي» بالشراكة مع مؤسسات ناشئة تونسية startups متألقة في تطوير وتنويع العملات الافتراضية بتقنية البلوكتشين آخرها إنشاء محفظة افتراضية تسمى DigiCash فانه يمكنك من إرسال وتلقي الأموال، وعندما ينظم البنك المركزي التونسي أول قمة إفريقية مخصصة للعملات الافتراضية المشفرة في شهر ماي الماضي Africa Blockchain Summut ، ويعلن المحافظ المركزي في اجتماعه الدوري الأخير مع «البنك الدولي» و«صندوق النقد الدولي» بواشنطن اعتزام تونس إصدار سندات سيادية من «البيتكون» فإن معالم مستقبل البلوكتشين في بلادنا تبدو لأول وهلة واعدة إلاّ أنها في الحقيقة تظل رهينة صراع إرادتين، إرادة في التغيير من خلال مواكبة محلية مبدعة لآخر المستجدات التقنية المالية الدولية تقابلها إرادة تدفع الى الخلف وتعمل قصارى جهدها على إبقاء الحال على ما هو عليه بوضع سلسلة لا تنتهي من المكبلات البيروقراطية الرافضة لثقافة المساءلة والشفافية...

في النهاية، من المؤسف حقا الاصداع بحقيقة مؤلمة بأن «ثورة البلوكتشين» التي انطلقت في بلادنا منذ مطلع الألفية الجديدة لن تكتب لها مقومات الديمومة والنجاح في بلد غارق في فوضى مؤسساتية عارمة يتمرّد فيه العازف المبتدئ على المايسترو المخضرم بعنوان الشعب يريد!

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا