متى نتحرّر من عقدة «البيتكون» ؟

بقلم: محجوب لطفي بلهادي
باحث مختص في التفكير الاستراتيجي
بالرغم من الضجّة التي تٌثيرها عملة «البيتكون» الافتراضية في العديد من الأسواق المالية وداخل أروقة البنوك المركزية

دون استثناء تظلّ من المواضيع التي قلّ وندر أن تمّ التداول في شأنها بين نخبنا وكأنّنا حيال عفريت سليمان الذي لا يجوز بأي حال من الأحوال تحريره من قمقمه...
في نطاق إطلاق العفريت الافتراضي المسكوت عنه يتعهّد المقال بسدّ الفجوة لدى لكل من يتطّلع لفهم أساسيات «البيتكون». في البداية تقديم تعريف شامل لعملة «البيتكون»، كيفية اشتغالها، طرق تعدينها أو إنتاجها ومستقبلها في عالم المال والأعمال.

أ- عملة «البيتكون» الافتراضية ؟
إلى حدود صبيحة 3 جانفي من سنة 2009 جميع التدفقات المالية النظامية تمرّ وجوبا عبر المصارف والبنوك المركزية لكن بدأ منذ ذلك التاريخ اكتشف العالم لعملة «البيتكون» الافتراضية لتنطلق معها مرحلة مالية / نقدية جديدة في قطيعة تامة مع البراديغم المصرفي المألوف المؤسّس على مجموعة من القواعد المٌقنّنة والعلاقات المهيكلة بين الحريف والمؤسسات المالية بجميع أصنافها...

في محاولة تبسيط للمفاهيم حول موضوع شديد التعقيد تقني بامتياز فانه يمكن القول بأن «البيتكون» هي بداية اختصارا لكلمتين، الأولى لفظ Bit (وحدة قياس المعلومة في علوم الحاسوب يٌعبّر عنها بـ0 و 1 ) والثانية coin (القطعة النقدية).. تٌصنّف كعملة افتراضية لا وجود مادي لها يتم تداولها عبر شبكة الانترنت بطريقة الندّ - للندّ Peer to Peer دون المرور أو الخضوع لأي سلطة نقدية مركزية خلافا للعملات الورقية والنقدية الأخرى Monnaie fiduciaire مثل الدولار واليورو.. تّمكنّك في حدود ما تسمح به التشريعات للقيام بجميع العمليات المصرفية من فتح حساب وإيداع وسحب وتحويل للأموال الخ .. مٌشفّرة Crypto monnaie بحيث يصعب الكشف عن هوية المرسل والمتلقي، فمن الصعوبة بمكان تتبع من يرسل تلك الأموال وإلى من تٌوجّه.. يعود تصميمها إلى شخصية مجهولة حاملة لاسم مستعار «ساتوشي ناكاموتو» يلفّها الكثير من الغموض، فهل هي لشخص حقيقي موجود فعلا أم أنها مجرد واجهة وهمية لمنظمة خفية ؟.. تشتغل عبر منصات رقمية متخصصة في تداول العملات الافتراضية بجميع أنواعها التي يفوق عددها 1500 عملة الكترونية أبرزها على الإطلاق عملة «البيتكون» التي تٌعد أوّل عملة رقمية من نوعها في تاريخ العملات الافتراضية وتستأثر لوحدها إلى حدود بداية هذه السنة نسبة 83 ٪ من مجموع العملات المٌشفّرة المتداولة على شبكة الانترنت...

مقارنة ببقية دول العالم تٌعدٌ سويسرا الدولة الراعية للعملات الرقمية في العالم والبيئة التشريعية المثالية للشركات الناشئة الابتكارية Les startups خاصة تلك المتخصصة في تكنولوجيا سلسلة الكتل Technologie de blockchain مما دفع بالعملاق الرقمي «فايسبوك» إلى اعتزام اطلاق عملة افتراضية libra من سويسرا بالذات في أفق السنة القادمة التي من المتوقع أن تكون مستقبلا المنافس الجدي لعملة البيتكون - بالمناسبة ستكون موضوع مقال مقبل -
يمكن تقسيم خارطة التفاعل الدولي ازاء عملة «البيتكون» الى ثلاثة مناطق:
- بيئة صديقة «للبيتكون» على غرار استراليا وبريطانيا واليابان وكندا ومالطا وسنغافورة الخ..
- بيئة معادية «للبيتكون» تتألف من السعودية، المغرب، الجزائر الخ...
- وبيئة ثالثة تمارس فيها طقوس النعامة في مواجهة هذه الظاهرة منها تونس والأردن وكينيا ونيجيريا الخ.. التى اختارت التحصّن فى المنطقة الرّمادية الى حين إشعار آخر...
على غرار باقي العملات «للبيتكون» مزايا ومخاطر، فمن ايجابياتها أنها توفر:
1 - السّرعة برسوم منخفضة: فبدلا الحاجة الى وسيط (عادة مؤسسة بنكية) بينك وبين التاجر لنقل المال وما يترتب عن ذلك من ضرورة خصم نسب مٌشطّة بعنوان الوساطة فإن تداول «البيتكون» تتم بشكل مباشر دون وسيط بمقاربة P2P أو الند للند.
2 - عدم قابليتها للتضخم: على عكس العملات الأخرى التي تقع تحت سيطرة البنوك المركزية وآلية طباعة الأوراق المالية planche à billets فإن عملة «البيتكون» محمية نظريا من التضخم بالنظر لعددها المحدود الذي لا يتجاوز إنتاج 21 مليون بيتكون بحلول سنة 2140 وفق خطة «ساتوشي ناكاموتو».
3 - عابرة للحدود: بمعنى أنها محرّرة تماما من اكراهات الجغرافيا، فيمكنك التعاطي مع عملة «البيتكون» بشكل انسيابي وكأنها عملتك المحلية.
أما في خانة المخاطر، يجمع الخبراء بأن نقاط الضعف الرئيسية لعملة البيتكون تتمثل من جهة في اضطراب قيمتها السوقية الشديد volatilité التي تتأرجح بين الصعود الصاروخي والهبوط الحاد من يوم الى آخر بفوارق قد تتخطى عتبة 2000 دولار لوحدة البيتكون الواحدة (للإشارة فان البيتكون الواحد يساوى بالدينار التونسى الى حدود كتابة هذا المقال قرابة 30 ألف دينار)، ومن جهة ثانية سرية العملة وما تثيره من مخاوف عدة، فحتى التحسينات التي أٌدخلت مؤخرا على تقنيات تشفير «البيتكون» فإنها كانت في اتجاه مزيد إخفاء هويّة المٌرسل والمتلقّي ممّا حفّز المجاميع الإرهابية وتلك المرتبطة بالجريمة المنظمة الى اعتماد منظومة «البيتكون» كرافعة حقيقية لتبيض الأموال وتمويل الأنشطة الإجرامية والإرهابية داخل الفضاء الافتراضي بقيمة تقدّر بمليارات الدولارات سنويا.
من بين المنصات الرقمية الذائعة الصيت التي تقبل الدفع بالبيتكون نجد Microsoft, Paypal, Newegg, Overstock كما أن هناك عددا كبيرا من الفضاءات الكبرى والمتاجر والمطاعم المنتشرة خاصة فى استراليا واليابان تعتمد عملة البيتكون كوسيلة دفع على غرار باقي العملات الأخرى...

ب - كيف تشتغل عملة «البيتكون» ؟
دون الحاجة للخوض في التفاصيل التقنية المعقدة لمنظومة «البيتكون»، فإنها في العموم تعمل وفق ثنائية التعدين / التداول.. فعملية التعدين أو إنتــاج «البيتكون» Le minage de Bitcoin من وجهة نظر المتخصصين هي « عبارة عن نظام يتم بناؤه عن طريق أجهزة كمبيوتر فائقة السرعة وبمواصفات خاصة بهدف حلّ بعض المعادلات والمشاكل الرياضية المعقدة. عندما يتم حلّ هذه المعادلات يقوم النظام بمنحك وحدات بيتكون ويمكنك إضافتها لحسابك أو لحافظتك الشخصية».
وبحكم أن استخراج (تعدين) البيتكون تٌعدّ عملية مكلّفة تستغرق وقتا طويلا لإنتاج عدد محدود للغاية من وحدات البيتكون فإننا نشهد مؤخرا ظهور العديد من التكتلات والتحالفات بين «مجموعات من المعدنين» miners Poolلحلّ المعادلات الرياضية بشكل أسرع وبتكلفة أقلّ.. أما في مستوى التداول فانه متاح لكل راغب في خوض تجربة البيتكون المحفوفة بالمخاطر العالية كاختيار أحد البنوك الإلكترونية لفتح حساب خاص والدخول إليه عبر الرابط الخاص به، وبعد استكمال جميع مراحل التسجيل يمكنه إدارة محفظته بالشكل الذي يراه مناسبا من عمليات إيداع وسحب وتحويل البيتكون الى دولار أو أورو وصولا الى المضاربة أيضا من خلال إحدى منصات الوساطة الرقمية (البورصات الافتراضية) المتوفرة بالمئات على الشبكة والعاملة على مدار الساعة، كل منها تحاول تقديم خدمات أفضل لاستقطاب أكبر عدد ممكن من مالكي المحافظ الافتراضية.

ج – «البيتكون» إلى أين ؟
ما هو مستقبل «البيتكون» ؟ وما مدى قدرته على الاستدامة أم أنه مجرد فقاعة مالية زائلة لا محالة ؟ مساحات استفهام وأخرى تطرح بقوة في جميع مستويات القرار المالي والاقتصادي لجميع الدول أفضت الى إجابات متباينة جدا، منها تصريحات «روني مواس» مدير الأبحاث بشركة «ستاندبوينت ريسيرش»، والمتخصص في الاستثمار والأسهم وتقديم النصح في مجال العملات الرقمية «أن عملة البيتكون قد تدر أرباحا لا تقل عن الأرباح التي تحققها أسهم أمازون وغوغل، مما يؤيد استثمار مبلغ كبير في البيتكون، بدلا من أن نظل في موقف المتفرج» ويضيف: «بالنظر إلى المؤشرات الحالية، سيتنافس مستقبلا 200 مليون شخص للاستحواذ على بضعة ملايين من البيتكون» و«أن وصول قيمة البيتكون إلى 10 آلاف دولار، هو بمثابة «إعلان قبول العملة رسميا»، كما لو كان واجهة جذابة للترويج للبيتكون» مشددا فى الختام «لم تكن عملة البيتكون جديرة بالثقة عندما كان سعرها 1.000 دولار، ولكنها الآن أصبحت هدفا يسيل له اللعاب».

في حين أن الحائز على جائزة نوبل «جوزيف ستيغليتز» يعتبر أن البيتكون: « فقاعة ستمنح الكثير من الناس أوقاتا من اليسر والرخاء كلما صعدت عاليا، ثم لا تلبث أن تتراجع».
بين مؤيد ورافض لعملة «البيتكون» نعتقد بأن مستقبل «البيتكون» وغيرها من العملات الافتراضية المشفّرة crypto monnaies مرتبط مباشرة بمدى نجاح منظومة سلسلة الكتل Blockchain فى إدارة أفضل للمخاطر الناجمة عن تداول هذه العملات، فى مقدمتها معضلة شفافية المعاملات المالية وإمكانية تتبعها Traçabilité .

في خضم هذا الحراك الرقمى، ألم يحن الوقت لإخراج هذا الملف من الأدراج المقفلة قبل ان يفاجئنا بانتفاضة قد لا نكون مستعدين لامتصاص غضبها ؟

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا