سي قيس سعيّد، الشّعب يريد أن يفهم ... بقلم: سلوى الحمروني، أستاذة تعليم عالي في القانون العام

انتهيت لتوي من الاستماع الى مداخلة الأستاذ قيس سعيد على قناة الجزيرة. والحقيقة

حزّ في نفسي الّا أتمكّن من الاستماع الى برنامجه الاّ على هذه القناة المعادية لتونس ولتجربتها الديمقراطية.

كنت أتمنّى ان يخرج علينا الأستاذ قيس سعيد من خلال المرفق العام التونسي ومن خلال التلفزة الوطنية او حتى من خلال أي تلفزة تونسيّة او وسيلة اعلام سمعيّة بصريّة أخرى يختارها.

كنت أتمنّى ان اسأل الأستاذ قيس سعيّد حول العديد من النقاط التي تهم مستقبل تونس لكن ذلك لم يكن ممكنا.

والحقيقة انّني اعرف سي قيس سعيّد كزميل لي في كلية العلوم القانونية وذلك منذ أن التحق بها في أواخر التسعينات.

ثم جمعتنا الجمعية التونسية للقانون الدستوري الى حدود سنة 2011 عندما قرّر ترك الجمعيّة والذهاب في طريق أخرى اختارها وحده ولم يتحدّث عنها حتى لزملائه...

والحقيقة أيضا انّني سُئلت العديد من المرّات عن شخصيّة سي قيس وأجبت كما أجاب جميع زملائي بان الرجل نزيه ورصين ومثقف ويريد الخير لتونس.

كان هذا حول سي قيس زميلنا في الجامعة التونسية.

أما الأستاذ قيس سعيد المترشّح للدور الثاني للانتخابات الرئاسيّة فإنه لم يتحدث الى الشعب او على الأقل لكل التونسيين والتونسيات باعتبار أنه اختار طرقا معيّنة تضمن له التواصل مع فئات دون أخرى. بل أكثر من ذلك، إنّي أرى في غلق الأستاذ قيس سعيّد هاتفه أمرا غير مطمئن لما يرمز اليه من انقطاع عن العالم وعن الواقع وهو ما لاحظه حتى المقرّبون منه الذين أرادوا فقط تهنئته.

كنت أتمنّى شخصيا ان اناقش سي قيس مباشرة حول مشروعه او حول ما يسمّيه الفكر السّياسي الجديد الذي يؤسس له كما كنا نفعل أحيانا داخل مشرب الكلية او مع بعض الزملاء...

منذ اعلان النتائج رأينا العديد من التونسيات والتونسيين يتساءلون حول برنامج المرشّح الأكثر حظوظا وهذا مشروع بل ومطلوب.

منذ اعلان النتائج رأينا أيضا صراعا حول الجهة السياسية الأقرب الى فكر الأستاذ سعيّد بداية ممن اعتبره سلفيا الى من اعتبره يساريا فوضويا مرورا بمن اعتبره إسلاميا.

منذ اعلان النتائج أيضا رأينا جحافل الأنصار يهاجمون كل من تحدث او انتقد المرشح ورأيناهم يتوعدون الجميع بالانتقام وبالتطهير...

كل ذلك يجعلني أتوجه الى الأستاذ قيس سعيّد ببعض الأسئلة لعلها تسمح ببدء حوار مع المترشّح والذي لا يمكن ان نتحدث عن تصويت حرّ بدونه.

اوّل هذه الأسئلة تتعلق بفكرته المتعلقة بالتّأسيس وانا اذكر انه كان من اوّل المبادرين بالمطالبة بانتخاب مجلس وطني تأسيسي يعبر عن الإرادة الحرة للشعب وهو ما تم فعلا اثر انتخابات حرة ونزيهة حملت الأغلبية الإسلامية الى الحكم. فهل يقرّ الأستاذ قيس سعيّد بشرعية المؤسّسين ام يعتبر أنهم انقلبوا على مبادئ الثورة وأهدافها؟

يبدو لي ان الجواب عن هذا السؤال مهمّ خاصة وانني استمعت الى الأستاذ ينتقد هذه الشرعيّة العديد من المرات كما استمعت اليه في نفس الوقت يعد باحترام الدستور ولا شيء غير الدستور إثر نجاحه في الدور الأول.

هذا السؤال يحيلني بدوره الى مقترح المترشّح بخصوص التنظيم السياسي والإداري الذي يعتبر من جوهر مشروعه اذ يقول لنا الأستاذ قيس سعيّد ان التنظيم المقترح يختلف عن الموجود حاليا فماذا اقترح قبالة ما يسميه «مشروعية وهمية للنظام القائم»؟

يرى الأستاذ سعيد ان التنظيم يجب ان يبدأ من المحلي الى الوطني او كما يقول هو من الهامش الى المركز.

هذا طيب وهذا معمول به في العديد من البلدان لكن ماذا يقترح المترشح عمليا؟

يقترح المترشح الانطلاق من مجالس محليّة في كل معتمدية يقع انتخاب أعضائها بطريقة الاقتراع على الافراد وذلك بعد الحصول على تزكية عدد معين من الناخبين والناخبات وذلك بناء على برنامج معين وهو ما يسمح بالتثبت من برنامج المرشح لا مجرد موافقة على ورقة بيضاء. (لن اقف على وجود التزكيات الشعبية في القانون الحالي وعلى الإشكاليات التي تطرحها في علاقة بصحة التوقيعات).

كما يقترح ان تُعد كل معتمدية مشروع تنمية ويتم بعد ذلك الاختيار بالقرعة بين أعضاء المجالس المحلية التي ستذهب للجهة.

يتم بعد ذلك التأليف بين مختلف المشاريع الجهويّة في المركز اي في باردو بحساب نائب عن كل مجلس محلي {265}.

هذا ما يقدمه الأستاذ سعيد وما يقّر بانه ليس مشروعا بل هو الأدوات القانونية التي تسمح بقلب طريقة الحكم وبتمكين الشعب من الحكم.

لن أقف هنا عند واقعية هذا الطرح من عدمها من وجهة نظر الاليات الدستورية المتاحة وخاصة تلك المتعلقة بشروط تعديل الدستور او شروط تبني القوانين من اغلبية برلمانية حزبية بالأساس. لن أتساءل عن إمكانية وجود نواب يقبلون تنقيحا يضعف من سلطتهم ويفتّتها.

لن أتساءل ايضا عن تقييم المترشّح للباب السابع من الدستور المتعلق بالجماعات المحلية والذي يقر بمبدأ التدبير الحر بل أتساءل: ايهما الأقرب لاختيار الشعب هل هو الاقتراع الذي يسمح باختيار مباشر لمن يمثله في المركز ام الاقتراع المحلي الذي يصل الى المركز بعد المرور بالجهة؟

لن أتساءل أيضا عن التجديد في هذا الطرح الذي يذكرنا بالمقولة اللينينية «سيقوم الجميع في ظل الاشتراكية بالحكم كل في دوره، وبالتالي سيعتادون على ألا يحكم أحد»..

أتساءل فقط هل فكّر المترشّح في كيفية تأليف المشاريع المحلية على مستوى وطني؟ هل يعتبر ان الدولة هي مجموع الجماعات المحلية ام يعتبرها كائنا مستقلا عن العناصر المكونة لها كما درسنا ودرّسنا ذلك لأجيال من الطلبة؟

هل فكّر المترشّح في طريقة تحديد السياسات العمومية انطلاقا من مشاريع تنموية محلية لا تنظر بطبعها الى المصلحة على مستوى وطني؟

هل فكّر المترشح في التناصف الذي اقرّه الدستور والذي لن يكون ممكنا في اطار نظام الاقتراع على الافراد ام هل انه سيدفع باتجاه تنقيح الدستور في هذا الاتجاه أيضا؟

هل فكّر المترشح في كيفية اعتماد سحب الوكالة، في شروطها وفي حدودها حتى لا تصبح اليّة تمنع أي استقرار في ممارسة الحكم واية مسؤولية؟

يقول لنا المترشح عبر قناة الجزيرة انه لا يقدم برنامجا انتخابيّا بل أدوات قانونيّة تمكن الأغلبية من الوصول الى باردو وانه تحاور مع الشباب حول الوسائل التي تمكنه من تحقيق ارادته. فهل ان الوصول الى باردو غاية في حد ذاته؟

نعم مرة أخرى استحضر مقولة لينين «حيث ما هناك إرادة هناك وسيلة»، نعم قد تصل الأغلبية الى باردو لكن ما الذي سيجمع بين كل هؤلاء؟

يرى الأستاذ سعيد ان دور الأحزاب قد انتهى وهو محق في استنتاج افلاسها لكن من يعوّضها؟ ما الحزب السياسي ان لم يكن التقاء مجموعة موحّدة حول فكرة تريد الوصول الى السلطة لتحقيقها؟ عما تختلف الحركة التي تدعمك عن الأحزاب باستثناء التأشيرة والهيكلة غير الرسميّة؟

لقد صرّح الأستاذ قيس سعيد انه يرنو الى «تاريخ جديد»، والعبارة له.

فهل خرج الأستاذ عن مجال الديمقراطية التمثيلية؟

هل قدم المترشح نمطا افقيا للحكم؟

قطعا لا او على الأقل عليه ان يقنعنا بعكس ذلك.

المحور الثاني الذي اطرح فيه بعض التساؤلات حول المرشح يتعلق بمسألتي الحرية والمساواة.

لقد كانت الحريّة والمساواة من جوهر شعارات الثورة التونسيّة ولن اضيف شيئا للمترشّح اذا ذكرته بان المساواة والكرامة والحرية تُمثل المبادئ المؤسسة لكل حقوق الانسان.

حول الحرية يقول المترشح « لست ضد الحرية ولست وصيا على الناس لا في عقيدتهم ولا في خياراتهم» وانا اعلم ان الأستاذ كذلك على مستوى شخصي وذاتي، لكن ماذا عن رئيس الجمهورية؟

يعلم المترشّح ان العديد من النصوص القانونية التونسية لا تحترم الحريات وخاصة الفردية منها فكيف يرفض ان تكون له الوصاية على الحريات ويقبل ان تتدخل الدولة التي سيمثلها لقمع هذه الحريات؟

اما المساواة فقد أجاب المترشح حول المسألة انطلاقا من سؤال حول الميراث بان المساواة لا تحقق العدل أحيانا وان نظام المواريث في الإسلام كفيل بتحقيق العدالة فاين الدستور من هذا؟ هل يحتاج الأستاذ قيس سعيد المترشّح إلى التذكير بان الدستور لا يتحدث عن عدل بين النساء والرجال بل عن مبدإ له معنى قانوني وهو المساواة في الحقوق والواجبات وهو واجب محمول على الدولة التي سيحكمها؟

كيف سيبرّر الرئيس القادم عدم احترام منظومتنا الوطنية للالتزامات الدولية في مجال حقوق الانسان؟ هل سيستشهد في ذلك بالدستور ام بعمر ابن الخطاب {الذي خالف بنفسه النص القرآني في مادة المواريث}؟

هذه بعض التساؤلات التي خامرت ذهني والتي تدور بذهن الناخبين والناخبات. شخصي لا يمثل حتما الشعب لكنني اعلم ان العديد يقاسمني هذه التساؤلات وينتظر ممن يريد حكم الدولة التونسية ان يجيب عنها.

قد تختار او يختار ممن حولك عدم الإجابة عن هذه التساؤلات وغيرها لكن ذلك غير محمود في نظري لسبب بسيط على الأقل وهو ان ترشحّك سمح لنا على الأقل بنقاش فكري اخرجنا من خندق الصراعات الشخصية الانتهازية الى حوار، خلاف او حتى صراع حول الرؤى والأفكار.
وفي اخر الامر الشعب يريد فقط ان يفهم.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا