التونسى وشبكات التواصل الاجتماعي ...

بقلم: محجوب لطفي بلهادي
باحث مختص في التفكير الاستراتيجي
نٌسجّل عشية الانتخابات الرئاسية حضورا مٌدويّا لشبكات التواصل الاجتماعي يتأرجح بين  ثنائية «الضّمار»وسابقية الإضمار والترصّد..

كٌنّا  فى مقال سابق – نٌشر فى جزأين –  وصّفنا هذه الحالة الافتراضية الغير مسبوقة «بانتخابات رئاسية بنكهة فايسبوكية لا غير» لن تٌغيّر من المذاق العام للانتخابات 2019 التى تٌدار خيوطها أساسا داخل غرف عمليات مٌعتّمة بعيدة عن الأنظار ...

فى  خضمّ هذه الرّياح الفايسبوكية السَّموم تتأكد لدينا القناعة يوما بعد يوم بأنّ معرفتنا بالوسط الافتراضي محدودة للغاية ..فالدراسات الأكاديمية ذات العلاقة شحيحة  جدا وغير مٌحيّنة  فيما عدا بعض المواقع الإلكترونية المتخصصة التى تمدّنا من وقت الى آخر بمجموعة من الأرقام  والرسوم البيانية حول تطوّر نسق استخدام شبكات التواصل الاجتماعي فى بلادنا .

فالغزو الافتراضي على الطريقة الهلالية المٌدمّرة لبيوتنا ومكاتبنا ومقاهينا يٌحتم علينا تحديد الأحجام والتمظهرات المختلفة التى يتخذها هذا الزائر الجانح بأجنحة العولمة  القادم من وراء البحار.. من هي شخوصه الرئيسية بالتحديد ؟ من يتصدر المشهد الافتراضي اليوم ؟ ما مدى صحة القول بأن السيادة الافتراضية - التواصلية المطلقة على المشهد تعود الى «الفايسبوك» دون غيره ؟ كيف نٌفسّر هوس التونسى «بالفايسبوك» دون «التويتر» ؟ هل من الممكن أن يٌغيّر المزاج الجمعى التونسى المُتّسم بالتقلب السريع من قواعد لعبة التداول السلمي على السلطة الرقمية-التواصلية بين مختلف المنصات الاجتماعية ؟ أسئلة نحاول التوقّف عندها  طورا بالعرض الاحصائى السريع وطورا آخر بالاستقراء فى حدود ما تسمح به المعطيات المتاحة...

1 - بخصوص نسب الإقبال على شبكات التواصل
تٌؤكد آخر الإحصائيات بما لا يدع مجالا للشك بأنّ التونسى يتنفس انترنت بجرعات عالية تٌناهز 120 دقيقة فى اليوم الواحد، تداولها قرابة 8 ملايين هاتف ذكىّ نصفها مرتبط بشبكة الجيل الرابع للاتصالات 4G، مٌتّخذة من شبكات التّواصل الاجتماعي بأصنافها المتعدّدة خزّانها الرئيسي للتزوّد.
-أ- على مستوى مؤشّر عدد الحسابات المفتوحة:
يتصدّر «الفايسبوك» طليعة الترتيب دون منازع (7 مليون و500 ألف حساب بما يعادل 66 بالمائة من مجموع عدد السكان الجملي إذا اعتمدنا قاعدة حساب فايسبوكى واحد / مواطن تونسي ) غالبيتها تتوزع بين الشرائح العمرية الممتدة من 18 سنة الى 44 سنة، يليه مباشرة موقع «الانستغرام» Instagram المتخصّص فى تبادل الصور والفيديوهات والتي تعود ملكيته الى «فايسبوك» بحسابات تناهز المليونين أى بما يفوق 16 بالمائة من العدد الجملي للسكّان، «فالانستغرام» يٌشكّل ظاهرة افتراضية ملفتة للانتباه فى عالم منصات التواصل يٌعبّر عنها la tendance instragammeuse/influenceuse كما يشهد إقبالا منقطع النظير خاصة لدى الشريحة الشبابية التى تتراوح أعمارها بين 18 الى 24 سنة.. فى المرتبة الثالثة نجد موقع التواصل المهني الشهير LinkedIn التى تفوق حساباته المفتوحة أكثر من مليون 760 ألف منها 61 بالمائة من جنس الذكور و39 بالمائة من جنس الإناث (نسبة تفوق المعدّل النسوى الافريقى فى الحضور على هذه الشبكة التى لا تتعدى 35 بالمائة) .
فى حين أنّ عدد الحسابات الخاصة بموقع «التويتر» الأكثر شهرة فى العالم بعد «فايسبوك» و»غوغل» لا تتجاوز 200 ألف حساب فقط ممّا يطرح العديد من نقاط الاستفهام عن سرّ ضعف الإقبال عن التويتر خاصة أنه يٌعدّ المنصّة الأوسع استخداما داخل الأوساط السياسية وعالم المشاهير فى العالم...
-ب- على مستوى الحيّز الزمني المخصّص لكل منصّة تواصل :
- مرّة أخرى تحتل تطبيقة الفايسبوك المرتبة الأولى من مؤشر «الوقت المخصص للزيارة والتفاعل» بمعدل 119,9 دقيقة، - يليها مباشرة منصة YouTube التابعة للعملاق الرقمى «غوغل» (96,4 دقيقة) ،
- المرتبة الثالثة تحتلها تطبيقة Messenger الفايسبوكية ( 79,6 دقيقة ) ، مع الإشارة بان Youtube يتجاوز Messenger أيام السبت فى الوقت المستغرق للزيارة والتفاعل،
- فى حين أن تطبيقة Tinder الغير معروفة لدى العديد من التونسيين حقّقت المفاجأة بتمركزها فى المرتبة الرابعة - 31 دقيقة - متجاوزة بكثير تطبيقة WhatsApp أو Viber التى عرفت دقائق ارتباط بالمنصة متدنية للغاية.
كما أنّ الرسوم البيانية لعدد من المواقع الالكترونية المختصة فى الشأن الرقمي تؤشر بان ذروة الارتباط بالشبكة عبر الموبايل تتزامن مع أيام السبت والأحد والاثنين من الساعة الثامنة مساء الى العاشرة ليلا...

2 - بخصوص الإقبال الضعيف على التويتر مقارنة بالفايسبوك
على خلاف ما يٌعتقد فان نهم التونسى البوليمى على فايسبوك لا تعود  أسبابه فقط  إلى المزايا التفاضلية التى يجدها فى «الفايسبوك» مقارنة «بالتويتر» من  واجهة استخدام جذابة ومساحات تفاعلية متعددة الوسائط مبتكرة من نص وصوت وصورة والتي لا تتوفر بالقدر الكافي بموقع التويتر الذي لا يسمح بإدخال أكثر من 140 كلمة للتغريدة الواحدة مع إمكانات تداول للصور جد محدودة، بل قد تكون الإجابة فى مكان آخر فى علاقة مباشرة بالسلوك التونسى داخل الفضاء الافتراضي  والذي تطغى عليه سلوكيات التلصّص  والتحرّش التى تجد فى الفايسبوك البيئة  المثالية لممارسة أسوء طقوس الثرثرة والاعتداء على خصوصية الآخر .. «فالتويتر» وفق عدد من المتخصصين فى الميديا الاجتماعية بحروفه 140 يٌجبرك على الدخول مباشرة في عمق الخبر أو الفكرة او الموضوع الذي تريد التعبير عنه , لا وقت لديك في تويتر للثرثرة , عليك فقط كتابة ما تريد نشره أو الإشارة إلى أمر أو موضوع ما بسرعة وبعدد أقل من الحروف .
إن الفيسبوك يتميز بطبيعته الاجتماعية أكثر من تويتر. وفي فيسبوك نضع معلوماتنا الشخصية ونسمح لأصدقائنا بمعرفة حالتنا من تفكير في علاقة عاطفية ما وتطورها إلى خطبة وربما زواج , نسمح لهم بمعرفة مزاجنا اليوم , نسمح لهم حتى بالتدخل في بعض تفاصيل حياتنا وقراراتنا التي نعيشها , أما تويتر فطبيعته الاجتماعية أقل, ويتميز بنوعية معينة من الأفكار والآراء والأخبار, لنقل أن تويتر هو حالة خاصة من الفيسبوك تسمح لنا بنقل ونشر الأخبار والأفكار والإشارة إلى المواضيع بسرعة وسهولة أكبر فقط وبدون أي ثرثرة أو تفاصيل زائدة» ...
أما بخصوص مستقبل الفايسبوك فى بلادنا فانه ينبغي التذكير أنه منذ تاريخ شراء مؤسسة «انستغرام» وإلحاقها بالمجموعة الفايسبوكية سنة 2012 بما قيمته مليار دولار ثم دخولها على خطنا الافتراضى بقوة بما وفّرته من مساحات تلصّص espaces de voyeurisme كبرى ومحفّزة على مزيد من «التنسنيس» فان مملكة «مارك زوكربيرغ» تنتظرها سنوات وردية أخرى من الريادة الرقمية - التواصلية فى بلادنا...
فى المحصلة، فان كانت الخطيئة الأصلية فى بعدها اللاهوتي تدور سرديتها حول قطف الثمرة المحرمة فان شبكات التواصل الاجتماعي وفى مقدمتها «فايسبوك» أضافت خطيئة بعدية تتمثل فى احتجاز العالم بأسره فى علبة زرقاء داخلها مولود وخارجها مفقود...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا