كواليس النات الإرهاب السيبرني «الجهادي»: المخاطر والبدائل

بقلم: محجوب لطفي بلهادي
باحث مختص في التفكير الاستراتيجي

• مدخل مفاهيمى:
بهدف التوقّي من السقوط فى فخّ الخلط المفاهيمى الشائع هذه الأيام، ارتأيت تخصيص مدخل تفكيكي مبسّط للعبارات الأكثر تداولا في هذا المجال على غرار لفظ سيبرنى، الفضاء السيبرني، الأمن السيبرني، الجريمة السيبرنية، الإرهاب السيبرنى «الجهادى»...
فمصطلح سيبرنى يحيلنا إلى علم السيبرنطيقا الذي ظهر فى منتصف القرن الماضي على يد العالم الرياضي الامريكى Norbert Winner الذي عرّفه بكونه «علم القيادة أو التحكم (control) في الأحياء والآلات ودراسة آليات التواصل communication في كلّ منهما، كما نجدها ملازمة تقريبا لجميع المصطلحات ذات العلاقة بالفضاء الافتراضي كالتهديدات أو الهجمات السيبرنية، الفضاء السيبرنى، الأسلحة السيبرنية الأمن والدفاع السيبرني...
بالنتيجة فالفضاء السيبرنى يتشكّل من مختلف الوسائط الإعلامية والاتصالية المادية والبرمجية المرتبطة فيما بينها (من كابلات بحرية وأقمار صناعية وحواسيب وهواتف ذكية ولوحات رقمية وبرمجيات وأنظمة تشغيل مغلقة ومفتوحة الخ) ، يتميز بجغرافية مفتوحة لا تعترف بالحدود وبقدرات ذاتية مذهلة على التجديد والتطور... فبالمحسوس يمكننا معاينة الحضور القوي للفضاء السيبرني، فمن منا لا يحمل معه هاتفا ذكيا لمتابعة ما يجرى داخل وخارج المكان الذي يتواجد فيه ؟ فالارتباط بالفضاء السيبرنى إلى حدّ الانغمار الكلّى حقيقة نعايش مفرداتها وتداعياتها في جميع مجالات الحياة اليومية ...
ضمن هذا الفضاء المركّب الذي ننتقل بين مختلف تضاريسه دون الحاجة إلى تأشيرة عبور، فانه يتعرض يوميا إلى قصف متواصل واختراقات متفاوتة الخطورة، متعددة المصادر حيث تحتل الجريمة السيبرنية بجميع تعبيراتها ومجاميعها الإجرامية الصرفة أو الإرهابية مكانة محورية داخله، فالمخرّب السيبرنى المعبّر عنه بالهاكر أو المخترق الأسود Hacker Black hat على خلاف الارهابى السيبرنى «الجهادى» يسعى إلى توظيف معارفه العالية فى البرمجة وتقنيات الاختراق والتشفير لغايات نفعية مادية وأخرى سيكولوجية، فى حين أنّ «الجهادى» السيبرنى يستخدم الشبكة أساسا كمنصة دعائية لنشر الفوبيا والفوضى المجتمعية الشاملة... مخاطر وأخرى فى تصاعد وتطور نوعى مستمر وسريع استوجبت التفكير الجدي فى وضع نظم وخطط دفاعية لحماية هذا الفضاء تعرف بالسلامة المعلوماتية أو بالأمن السيبرنى الذي هو عبارة على مجموعة من النظم التقنية والإدارية والتنظيمية والتربوية يتم تثبيتها وتفعيلها لحماية الفضاء السيبرنى من مخاطر الاختراق والتخريب المتعددة الوجوه...

• المستوى الأول : التموضع الراهن والمستقبلي المحتمل للمجاميع الإرهابية «الجهادية» داخل الشبكة
قبل استعراض مختلف المقاربات والآليات المستخدمة فى مجال مكافحة الجريمة السيبرنية «الجهادية» يتعين علينا استجلاء مستوى تموقع هذه المجاميع داخل الشبكة لتحديد درجة خطورتها، واستشراف سيناريوهات تطورها بالنظر إلى الطفرات التقنية السريعة التى ترافق الثورة المعلوماتية والاتصالية الراهنة ...
قد يُفاجأ البعض بأنّ المشروع الاتصالي - السيبرنى «الجهادى» انطلق التحضير والإعداد له منذ مطلع ثمانينات القرن الماضي أى قبل اكتشاف خدمة الواب نفسها من قبل البريطاني Tim Berners-Lee، «فمكتب الخدمات» الذي تم أنشأه من قبل «عبد الله عزّام» و«أسامة بن لادن» لنصرة جحافل المقاتلين العرب الوافدين على أفغانستان لمحاربة الاحتلال السوفياتى كان يعتمد بالأساس على ماكينة إعلامية اتصالية مؤلفة من وحدة إنتاج سمعي بصري تعرف باسم «مرآة الجهاد» وغيرها من المنشورات والدوريات، جميعها اشتغلت على الترويج الواسع للأشرطة التحريضية VHS الحاملة لمضامين «إيديولوجية جهادية مكثفة» والتي نعلم الدور التى لعبته إبّان العشرية السوداء بالجزائر...
فى سنة 1991 تم تسجيل أول تموقع «للجهاديين» على شبكة الانترنت من خلال إنشاء موقع «واب» تحت مسمّى Islamic Media Center لتتالى بعدها العديد من المواقع وذلك فى تحد سافر ورسالة واضحة للحكومات والمثقف العربي على حد السواء مفادها «نحن القابعون بكهوف «تورا بورا» نتمثل على طريقتنا التكنولوجيا الحديثة أفضل منكم بكثير»... ومن المرجّح جدّا أنّ هجمات 11 سبتمبر 2001 تم التخطيط لها من خلال آليات تواصل سيبرنية من منتديات ومواقع واب وخدمة البريد الألكتروني...

وتزامنا مع ظهور الجيل الجديد من الواب المعروف بالواب 2.0 التفاعلي في منتصف العشرية الماضية تحرّك مجددا الحمض النووي السيبرنى الكامن لدى هؤلاء لنيل الرّيادة فى استخدام مواقع التواصل الاجتماعي كرافعة دعائية وعملياتية لأعمالهم الوحشية، مثبتين لأنصارهم ولأعدائهم قدرتهم الفائقة على التكيف مع المتغيرات الرقمية والاستفادة القصوى منها...
ومنذ أن تم تضييق الخناق عليهم من خلال حجب مواقعهم وكشف العديد من عناصرهم لوحظ أنهم أمسوا أكثر حذرا فى استخدام مواقع التواصل الاجتماعي الأكثر انتشارا فى العالم «كالتويتر» و»الفايسبوك» وتفضيلهم لتطبيقة Telegram أو WhatsApp بشكل عام وشبكات Tor الشهيرة على وجه الخصوص لما تؤمّنه من قدرا عال من السرية والتخفي، إلاّ أنّه فى الآونة الأخيرة رصدت عددا من البحوث والدراسات الميدانية المتخصصة فى الشأن السيبرنى «الجهادى» أنّ هذه الجماعات بصدد التخلي التدريجي عن شبكة «التور» لقناعتهم بأنّ الأجهزة الاستعلاماتية الأمريكية قادرة على اختراقه واستعاضتها باسترتيجية تموقع وتواصل بديلة تتمثل فى التفكير بتصميم شبكة تواصل خاصة بهم بمواصفات تشفير عالية ...
مقارنة بالهجمات السبيرنية الكبرى التى طالت «أستونيا» سنة 2007 و«جورجيا» سنة 2008 والبرنامج النووي الايرانى سنة 2010 ، فان الهجوم الارهابى السيبرنى الجهادى «المفترض» على القناة الخامسة الفرنسية يظل وفق تقييمات العديد من خبراء السلامة المعلوماتية ضعيفا تقنيا إلاّ انه فى تقديرى يعدّ من الناحية الدّلالية الرّمزية على درجة عالية من

الخطورة باعتبار أنه يؤشر لبداية مرحلة جديدة من الإرهاب السيبرنى «الجهادي الدعائي الأسود» تستهدف هذه المرّة المنشآت الحيوية OIV وأنظمة التحكّم الصناعي SCADA ... ومع ارتفاع معدلات ارتهان النظم الصناعية والخدمية الخاصة والعمومية بالشبكة وبداية تبلور جيل جديد من الواب: « الواب 3.0 » أو «واب الأشياء» التى رافقها ظهور تقنيات تخزين ومعالجة جديدة للمعلومات ذات مخاطر أمنية عالية يعبّر عنها «بالحوسبة السحابية» Cloud Computing ومراكز ضخمة لتجميع المعلوماتData center وطابعات ثلاثية الأبعاد قادرة على صنع أسلحة وعتاد ناري متطور تنضاف إليها إمكانية حدوث ثورة جديدة فى مجال الانترنت من خلال اعتماد أوسع لتكنولوجيا Blockchain وبداية تصميم جيل من الحواسيب الكوانتية les PC quantiques، فانّ المعركة ضد الإرهاب السيبرنى «الجهادى» ستكون حتما أكثر تعقيدا وتشعّبا فى المنظور القريب والمتوسط فى ظل واقع سيبرنى دولي متحوّل تعمّه حالة من الانتصاب الفوضوي والحرب السيبرنية الباردة بين مختلف القوى الكبرى فى العالم.
فالقلق كل القلق ان تنجح هذه الجماعات في توظيف هذه الطفرات الرقمية بشكل يحقق لها نوعا من «الاكتفاء الذاتي الارهابي السيبرني» Autosuffisance cyber terroriste يمكّنها من إصابة أي هدف حيوي وحسّاس عن بعد دون الحاجة إلى منفذين ميدانيين أو أحزمة ناسفة ...
إذا السؤال المنطقي الذي يخامر الجميع ماذا فعلت الدّول وعمالقة الواب GAFAومصنّعو العقول الإلكترونية المصغرة مثل AMD Intel ومؤسّسات السلامة المعلوماتية الكبرى Symantec & Kaspersky إلى التصدي لهذه الظاهرة؟ والأهم من كل ذلك ماذا فعلت لاستباق استتباعاتها الكارثية المحتملة ؟
المستوى الثاني : قراءة فى المقاربات المنتهجة والبدائل الممكنة فى الحرب على الإرهاب السيبرنى «الجهادي»

 

للإشارة هنا فان التجارب المقارنة فى مجال مكافحة الإرهاب السيبرنى «الجهادي» لا تنحصر فيما تقوم به الدول فقط بل تشمل أيضا الأنشطة البحثية لمراكز التفكير إلى جانب مجموعات الهاكرز المناهضة للفكر «الجهادى» أهمها على الإطلاق مجموعة Anonymous التى استهدفت العديد من المواقع المحسوبة على المجاميع الإرهابية...
إجمالا جميع هذه التجارب اعتمدت على النهج الامني في حربها على الإرهاب السيبرنى «الجهادى» من استخدام لآليات الحجب والتعقب والاختراق للمواقع التكفيرية وبدرجة أقلّ على المواجهة الفكرية والتربوية للخطاب التكفيري داخل الشبكة...

فالمقاربة الأمنية السيبرنية الرسمية أو الغير رسمية على أهميتها القصوى تظل قاصرة على إيقاف انتشار السرطان السيبرني «الجهادي»، فآلية الحجب تواجه باستنساخ المواقع المغلقة بأخرى بديلة يطلق عليها Web miroir أو بنقل جزء من محتوياتها إلى مواقع أخرى صديقة، وتقنيات الاختراق والملاحقة يدفع «بالجهاديين السيبرنين» للبحث عن ملاذات آمنة داخل الواب المظلم Darknet التى عجزت محرّكات البحث الكبرى إلى اليوم عن بلوغه وتحديد وفهرسة محتوياته لغياب روابط نصية واضحة، وحتى الدعوات المتكررة لعمالقة الواب لتحمل مسؤولياتهم حيال تفشى هذه الظاهرة بعد أن أسهموا بما لا يدع مجالا للشك فى التسويق الواسع للمنتج الارهابى «الجهادى» جاءت للأسف جدّ متأخرة، والحلول الخوارزمية ومختلف الإجراءات التى اتخذوها تستهدف فقط خفض منسوب الدعاية الجهادية داخل الشبكة وبالتالي تظل قاصرة على وضع منظومة استشعار مبكّر للمحتويات التى تحمل شبهة تكفيرية...

كما اتسمت التجارب المقارنة فى الحرب على الإرهاب السيبرنى «الجهادى» على المستوى الدولي والأوروبي من جهة بمزيد تعزيز التبادل المعلوماتى والخبرات بين الدول، نخصّ بالذكر منها مراكز الامتياز Centres d’excellence المتخصصة فى الدفاع السيبرنى التابعة لحلف الأطلسي، ومن جهة ثانية التوجه أكثر نحو المقارعة والتصدي الفكري والاستعلاماتى المواطنى للظاهرة من خلال بناء خطاب بديل عن الخطاب الجهادى عبر إطلاق مواقع متخصصة فى هذا الشأن كموقع Stop-Djihadismeومنصة Pharos التى تهدف إلى تشريك المواطن في الرصد والإعلام عن السلوكيات المشبوهة داخل الشبكة، إلاّ أن كليهما وفق عدد من التقييمات التي أجراها عدد من مخابر التفكير الفرنسية لا زالا يواجهان عدد من المعوقات والاكراهات الموضوعية والذاتية منها :

- حالة الضعف العددى والنوعي للعنصر البشرى الامنى المؤهّل للاستقبال ومعالجة وتحليل الإشعارات التي تقدّر بالآلاف فى اليوم الواحد...

- الشريحة العمرية المستهدفة من عملية التحايل الفكري وغسل الدماغ «الجهادى» (المعبّر عنها فى قاموس القرصنة السيبرنية بالهندسة الاجتماعية ingénierie social)) تنتمي بامتياز إلى فئة شبابية مسكونة أصلا برفض كل ما هو سلطوي فوقى فما بالك من تلك الصادرة عن مؤسسات وهيئات رسمية...
بالمحصّلة تحتاج التجارب المقارنة فى مواجهة الإرهاب السيبرنى الجهادى إلى مزيد من تشبيك الجهود وتنويع مقاربات التوقى والتصدّي من خلال :

- الشراكة الحقيقية بين جميع الفاعلين السيبريين على المستوى الدولي لمواجهة العدو المشترك «الجهادى السيبرنى»،

- وضع قواعد محكمة للمجال السيبرني تلزم عمالقة الواب GAFA على مزيد من الشفافية والتعاون بمقتضاها يتمّ الإفصاح عن مفاتيح التشفير الخاصة بالحسابات ذات الشبهة وذلك بعد الحصول على إذن قضائي في الغرض،

- استحداث آليات مواطنية جديدة لتعزيز منظومة اليقظة السيبرنية،

- الاستفادة القصوى من الكفاءات والخبرات التقنية القادمة من عوالم الاختراق والقرصنة،

- العمل على أكثر من سيناريو مستقبلي محتمل فى الحرب على الإرهاب السيبرني «الجهادي» يأخذ بعين الاعتبار المتغيرات السريعة للفضاء الرقمي،

- والأهم من كلّ هذا الاستثمار الحقيقى فى التربية على الميديا والمعلومات Education aux Médias et à l’Information – بهدف الارتقاء بها إلى مستوى إستراتيجية دولية موحدة لمواجهة التشدد الفكري والعمل على تعميمها بالمناهج التربوية منذ السنوات المبكّرة من التعليم بهدف خلق جيل جديد من المواطنين السيبرنيين cyber citoyens قادرا على التعاطي النقدي والمسئول مع الوسائط الاتصالية الحديثة...
دون ذلك، ستظل هذه المجاميع ترتع وتمرح فى الوسط السيبرني بعد أن لفظتها ساحات وشوارع الموصل والرقّة...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية