برج بابل: فكرة إلى الرئيس القادم: أغرس شجرا، ترسم وطنا

هل يمكن تعلم شيء ما من أثيوبيا؟ على الأرجح أننا لا نعير اهتماما لفكرة من هذا القبيل. أثيوبيا في مخيالنا الجمعي لا تغدو سوى

بلد منهك بالمجاعات. هل لنا أن نتعلم من أثيوبيا التي غرست ما يقارب 350 مليون شجرة في يوم واحد ضمن برنامج يهدف إلى غرس أكثر من 4 مليار شتلة خلال مدة وجيزة لا تتجاوز شهر أكتوبر القادم؟ الفكرة طموحة جدا وفيها الكثير من الخيال الإنساني، فيها دعوة إلى الحياة وفيها هذا الإحساس الجدي بقيمة الثورة الخضراء التي نحتاجها الآن في ظل ما يهددنا من تقلبات المناخ والتي لا يمكن عزلها عن نهم مفرط لاقتصاد السوق الذي لا تعنيه المقاربات الإيكولوجية الجديدة.

هناك في الأمر جرأة وخيال، وهما الصفتان اللتان يتصف بهما أي حاكم يريد أن يبقي أثرا خلال ممارسته للسلطة. تأتي الجرأة من رفع التحديات الكبرى التي يؤمن بها السياسي وينفذها. ماكيافلي أقر في كتابه الأمير أنه على صاحب السلطة أن يكون جسورا، شجاعا متجاوزا لكل الصعاب الممكنة حتى يقتنع به الجميع وهو بذلك يصنع كاريزما تخلده في التاريخ. وأقر كذلك صفة الخيال عند السياسي أو صفة الإبداع عنده ليتميز عن غيره، عن منافسيه، والإبداع في هذه الحالة هو الخروج عن المألوف، هو إثارة الإعجاب بفكره وبمشاريعه. فرنسوا ميتيران الرئيس الفرنسي طرح فكرة إعطاء متحف اللوفر بعدا أكثر تميزا وحضورا وأنجز عملية اللوفر الكبير الذي يتوسطه هرم زجاجي. وكان ذلك ضمن سياسته الثقافية التي أرادها أن تكون متجاوزة لفترة حكمه ومخلدة له في التاريخ الثقافي الفرنسي. لقد استثمر الحس الفرنسي للمنشآت الثقافية العملاقة وسجل بذلك حضوره الدائم في التاريخ وفي الذاكرة.

ما ينقص رؤساءنا هو هذه الجرأة وهذا الخيال المبدع. كل الاهتمام متجه إلى تجديد السلطة وإلى حمايتها بكل الطرق. إذ ليس هناك متسع من الوقت لترك أثر إيجابي سوى التفرغ للدسائس وإقصاء الخصوم وتغيير الدستور وإجراء انتخابات صورية وقمع الحريات وإنتاج الفقر بكل أنواعه.

نحن مقبلون في القريب العاجل على انتخابات رئاسية، وسنقف أمام برامج المترشحين التي ستكون على الأغلب برامج مستنسخة من برامج قديمة ومستهلكة وسيعيد علينا المترشحون تقريبا أشياء ألفناها. هناك تداخل كبير بين مهام رئيس الجمهورية ومهام رئيس الحكومة بالرغم من أن الدستور يوضح مجالات تدخل كل منهما. سيتكلم المترشحون للرئاسة وكأنهم الحاكمون الفعليون، سيقدمون برامج في التنمية وفي المديونية وفي التشغيل وفي كل شيء تقريبا. يؤشر مضمون هذه البرامج على أننا لا زلنا لم نستوعب خروجنا من النظام الرئاسي الذي يحتكر مفاصل الدولة كما كان في السابق. الذهنية الرئاسوية مازالت طاغية في ثقافتنا السياسية بالرغم من الدور الجديد الذي أصبح للبرلمان وللحكومة.

ولكن مع هذا كله يبقى رئيس الدولة هو الضامن السياسي لوحدة الوطن ولأمنه القومي وهو الرمز الأول له وهو الحاضر في السياسة العامة للبلاد الشيء الذي يعطيه إمكانيات عديدة للفعل. ومع هذا يمكن لرئيس الدولة أن يكون ملهما فيما ضبطه له الدستور بل يمكنه وفي انسجام مع الحكومة أن يقود رمزيا مشاريع كبرى ذات جدوى. ومن بين المقترحات ما وقع منذ أيام في أثيوبيا حين تمت غراسة مئات الملايين من الأشجار. نحتاج فعلا إلى أفكار من هذا القبيل فيها الكثير من الجرأة ومن الإبداع، نحتاج إلى غراسة الملايين من الشجر في بلادنا التي تسمى تونس الخضراء، علينا إعادة خضرتها وإعادة نظارتها المفقودة. لنغرس شجرا لنرسم وطنا.. وبالأخضر ...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية