الرئاسية: بين دخان مونبليزير والمستقلين عن منظومة الحكم

بقلم: طارق الكحلاوي
تم افتتاح سباق ترشحات الرئاسية نهاية الاسبوع، ولم يعد الامر يتطلب تحليلا طويلا، اذ ان مجمل الاستحقاق الانتخابي ستحدده الانتخابات الرئاسية

اذ ستستغرق حملتين ودورتين، على الارجح، من شهر سبتمبر الى بداية نوفمبر. بما سيغمر الانتخابات التشريعية التي ستتم بداية اكتوبر تحت ركامها. بمعنى اخر اي طرف سياسي يمكن ان يراهن على التشريعية، موطن اهم السلطات حسب الدستور، وليس له مرشح يمثله او يدعمه سيكون خارج اللعبة ببساطة.

باستثناء بعض الترشحات الكاريكاتورية، والتي لم يكن هناك مبررا لنشرها من قبل الهيئة خاصة بسبب خلو ملفاتها من وثائق اساسية اهمها التزكيات، مما شوش اهم رسائل اليوم الاول، وهي اساسا الترشح المبكر لفئة محددة من المرشحين المتوقعين للرئاسية. فمحمد عبو وعبير موسي ونبيل القروي ومنجي الرحوي يختلف جميعهم الى حد التناقض احيانا من حيث الخط السياسي والخلفية والتركيبة. لكن جميعهم يمثلون فئة محددة: المعارضون لمنظومة الحكم. من الواضح ان قرار التقديم المبكر صباح اول يوم من فتح سباق الترشحات رسالة للتعبير عن جاهزيتهم. لكنها ايضا تأكيد على تمايزهم عن فئة اخرى من المرشحين، المتوقعين في اطراف منظومة الحكم (الاطراف الممثلة على راس الحكومة والرئاسة والبرلمان) والذين بصدد البحث عن "العصفور التوافقي النادر".

تنعقد نهاية هذا الاسبوع دورة استثنائية لمجلس شورى حركة النهضة ستكون "تاريخية"، من زاوية نظر الحزب، بمقياس ثقل القرار الذي ستتخذه واجلته طويلا في علاقة بـ"المرشح الرسمي" للحركة. من المعروف ان النهضة قررت في منعطف مؤتمرها الماضي ان تدخل الاستحقاق الانتخابي 2019 بمرشح رسمي محدد. لم يكن في السابق في نظر قيادة النهضة ما يستعجل القرار خاصة امام تشابك بعض المعطيات الى حد وصلنا الى تقديم الانتخابات الرئاسية ومن ثمة هيمنتها على المسار الانتخابي. حينها برز بسرعة وعي للقيادة بان "النهضة" بدون مرشح واضح للرئاسة ستضعف حظوظها الانتخابية في التشريعية خاصة امام منافسة "الاطراف الجديدة" الموصوفة بـ"الشعبوية" (التقديرات في الاستطلاعات الراي في الاشهر الاخيرة تضع النهضة في التشريعية في مستوى بين 10 ٪ في الحد الادنى و20 ٪ في الاقصى).

النقاشات التي اصبحت اكثر جدية في سلسلة اجتماعات المكتب التنفيذي هذا الاسبوع انطلقت بتقدير اعاد الى الطاولة فكرة "مرشح من الداخل"، وتم طرح اكثر الشخصيات الذين يمكن لهم جذب ناخبين من خارج القاعدة الانتخابية النهضوية، وهما عبد الفتاح مورو وسمير ديلو. وامام رفض ديلو المتكرر للترشح، مقابل استعداد مورو، تم وضع هذه الفرضية ربما اكثر جدية من اي وقت مضى. في المقابل برزت وجهة نظر اخرى تعطي اولوية لمرشح من خارج الحركة، يمكن ان يمثل "توافقا" في مستوى الشكل والخلفية التاريخية، ويحظى بثقتها، وهنا كان المقترح المهيمن مصطفى بن جعفر. في الاثناء بقية فرضية "مرشح توافقي" مع بقية اطراف الحكم مطروحة، وكان المرشح الابرز يوسف الشاهد.

من الواضح ان حملة دعم مورو كانت الاقوى في الايام الماضية داخل الحركة خاصة بعد اداء مورو في الجنازة والشعبية التي نالها بسبب ذلك. من جهة اخرى كان لبن جعفر مساندون جديون، ولو انهم ليسوا بثقل مساندي مورو، وتم التسويق له خاصة بترتيب لقاء مع "الجزيرة" وسط الاسبوع.

في المقابل اصبح معطى ان "تحيا تونس" ترغب بقوة في ترشيح الشاهد. الامر اصبح مفضوحا مثلا عند تسريب الخبر لصحيفة ناطقة بالفرنسية لنشره في الغد قبل اجراء الحوار، ثم التراجع عن قرار الاعلان عند التسجيل، وهي بالمناسبة فضيحة اعلامية بكل المقاييس. المعطى الاخر والاهم ان هناك كلاما جديا على عودة المفاوضات وتكثفها بين رئيس الحركة والشاهد بصفته ممثلا للحزب ومرشحا للرئاسية. اشار الغنوشي نفسه للخبر في حوار مع موقع "بلومبرغ" الامريكي قبل يومين، حيث اعطى اولوية واضحة لخيار التوافق مع الشاهد على حساب مرشح اخر حتى من داخلها. وهو الامر الذي تؤكده معطيات من داخل الحركة وورد في كلام رئيسها على ما يبدو عند انطلاق اجتماع الشورى.

ما الاتفاق الممكن بين الغنوشي والشاهد؟ اعتقد ان اي "توافق" سيتم ضمن اطر دعم الشاهد بشكل متدرج بين الدورين الاول والثاني لكي لا يتم حرقه، اي عدم اعلان دعمه في الدور الاول، والقيام بذلك في الدور الثاني في مواجهة مرشح معادي لمنظومة الحكم او "شعبوي" ايضا. مقابل ذلك تشكيل عصبية قوية في البرلمان بين النهضة وتحيا تونس لفرض تقاسم الحكومة مع بقية الاطراف ورئاسة البرلمان للنهضة، تحديدا لرئيسها.

هذا الميل النهضوي للشاهد يبدو متناسقا مع تقديرها السياسي الداخلي، خاصة ريبتها من الزبيدي (رغم انه لا يُنظر اليه شخصيا كمعادي لكنه يبقى في عينيها مواليا لاطراف تستعديها سواء محليا او اقليميا،خاصة خليجيا). وايضا تقديرها الدولي الذي يبدو انه يتركز في الريبة من نبيل القروي. في كل الحالات "التوافق" مع الشاهد يمكن ان يكون مرحلة لكسب ما يمكن من القوة للتوافق، لاحقا وحسب نتائج الدور الاول وايضا التشريعية، مع نبيل القروي نفسه. اذ ان رغم كل الاختلافات بين الغنوشي والقروي فانهما اظهرا خلال السنين الاخيرة قدرة واضحة على التأقلم.

في كل الحالات وفي الانتظار يبدو ان قاعة انتظار "مونبليزير" ستبقى مزدحمة حتى اثر انقضاء اجال الترشح. وتنقسم بين "التوافقيين" من خارجها وعلى راسهم الشاهد ولكن ايضا بن جعفر ولكن ايضا من هم خارج حسابات "المساندة الرسمية" اي من يسعون لاستمالة النهضة قاعدة ومؤسسات وينطبق ذلك خاصة على حمادي الجبالي والمنصف المرزوقي. اذ لولا السماح من قبل رئاسة الحركة بمنحهما تزكيات عدد من نواب النهضة فلن يمكن لهم استكمال "التزكيات البرلمانية" التي ستسمح بترشحهما، وهو الامر المتوقع بداية الاسبوع. هذان المترشحان سيستفيدان بعض الشيء من غياب "مرشح رسمي" او مؤجل (اي الشاهد) في الدور الاول لكنهما من الصعب بل الاستحالة ان يتمتعا بدعم حاسم مثلما حصل مثلا في الدور الاول في 2014.

في المقابل وامام تقارب وتشتت مسارات منظومة الحكم. سواء توافقت على مرشح او تفتتت بين الشاهد والزبيدي، يبرز المرشحون المعارضون لمنظومة الحكم بوصفهم بديلا اساسيا عنها. وكل مؤشرات الاستطلاعات تؤكد ان صعودهم امر جدي وليس سطحي او مؤقت.

والارجح سنشهد استقطابا داخل المعارضين لمنظومة الحكم، بين مرشح يمثل خط مكافحة الفساد وبين من يمثل ما يتم وصفه بـ"الشعبوية"، ويمكن ان يجذب هذا الاستقطاب الناخبين اكثر من "التوافق" الذي تسوقه المنظومة، والذي من الواضح ان موجة ناخبين قوية. في كل الحالات طوبى لمن كان قرار ترشحه مستقلا ومنبثقا من مشروعه ورؤيته ومن يمثل... سواء كان هذا المرشح اسلاميا او اجتماعيا ديمقراطيا او يساريا راديكاليا او ليبراليا او قوميا. هذا الوضوح هو الفرز الاساسي الاول. ان المرشح يمثل حقا مشروعا سياسيا واضحا وليس مجرد مطية تكتيكية لطرف وراءه.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا