كواليس النات: خٌرّافة «الذئاب المنفردة» والأسئلة الكبرى ! بقلم: محجوب لطفي بلهادي باحث مختص في التفكير الاستراتيجي

أمسى في حكم المألوف عقب كل هجمة إرهابية أن يخرج علينا عدد من الخبراء باكتشاف عظيم مفاده أنه من صنع «ذئاب منفردة»

تسرح وتمرح بمعزل عن القطيع الأم؟! في حين أن جلّ الدراسات الأكاديمية المتخصصة في شؤون الجماعات السلفية الجهادية أجمعت بأنّ عاصمة الإرهاب الجهادي الدولي انتقلت منذ هزيمة تنظيم «داعش» الارهابي في سوريا والعراق من «الرقّة» الى قلب شبكة الشبكات: «الانترنات» بما توفره من ملاذات رقمية حاضنة ومطوّرة للجيل 2.0 من الإرهاب.. تحوّل جيوسياسي نوعي أوقع مصطلح «الذئاب المنفردة» في حالة من الإحراج المفاهيمي غير المسبوق، إلا أنه مازال الى اليوم من هو مصرّ كلّما حامت غربان سود في مكان ما على تشغيل اسطوانة « الذئاب المنفردة » الركيكة بشكل بافلوفي غير مبرّر...
1 - متى ظهر مصطلح «الذئاب المنفردة»؟
- الإرهاصات الأولى: خلافا لما قد يروّج هنا وهناك فان نشأة مصطلح «الذئب المنفرد» ليست حديثة أو مقترنة بأدبيات السلفية الجهادية بل تعود الى نهاية القرن التاسع عشر داخل الحركات اليسارية الفوضوية لينتقل تدريجيا فيما بعد - منتصف القرن الماضي- الى أوساط اليمين المتطرف الأمريكي المعادي للسود من خلال رفع شعار «مقاومة دون قائد» للناشط القومي المتطرف Louis Beam.
فحتى مشاهير عالم «الذئاب المنفردة» المزعوم أمثال Timothy McVeigh العقل المدبّر لتفجيرات «أوكلاهوما» الدموية سنة 1995 والمتطرف القومي النرويجي Anders Breivik الذي تسبب سنة 2011 بمقتل العشرات، كشفت التحقيقات أن كليهما لم يكونا «ذئبان منفردان» كما كان يعتقد بحكم صلتهما القوية بالأوساط القومية اليمينية المتطرفة ...

- التأصيل التنظيرى: ان كان للغرب أسبقية تاريخية في ابتداع لفظ «الذئاب المنفردة» إلا أن المنظّر الحقيقي لهذا الاصطلاح جاء هذه المرة من داخل المنظومة السلفية الجهادية: الأصولي التكفيري «أبو مصعب السوري» بمؤلفه المرجعي للمجاميع الإرهابية «دعوة المقاومة الإسلامية العالمية»، حيث تشير إحدى الدراسات الحديثة بأنه عمل مدربا فى الجهاز العسكري لتنظيم الإخوان السوري قبل انتقاله الى تنظيم القاعدة.. وهو من ابتكر نظرية الجهاد الفردي عقب التحديات الأمنية التي واجهتها القاعدة بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 حيث صارت تلاقي صعوبة في تنفيذ عمليات واسعة وصاخبة، فابتدع أبو مصعب فكرة اللامركزية الجهادية، حيث يتحول التنظيم الى فكرة عابرة للحدود يعتنقها ويمارسها من أعلن ولاءه للتنظيم، فينفذ عمليات منفردة من دون تكليف في أي مكان في العالم، ولخص تلك الفكرة بمقولة شهيرة «ان كل مسلم يجب أن يمثل جيشا من رجل واحد».
كما تستمد عملية التأصيل التنظيري للمصطلح وفق عدد من المصادر البحثية من «تلك الصور المنتزعة من ذاكرة البدو عن جرأة الذئب وغدره وفتكه وانكبابه على الصيد بمفرده بصحراء العرب...».

- التأصيل السبراني: بعد سلسلة من الهزائم النكراء التى منيت بها فى سوريا والعراق وليبيا اعتمد تنظيم «داعش» الارهابي تكتيكات «الذئاب المنفردة» عملا بالفتوى الرقمية الشهيرة التي أطلقها المتحدث باسم «داعش» الارهابي أبو محمد العدناني عبر شبكات التواصل الاجتماعي: «ان لم تجدوا سلاحا فادهسوهم بسياراتكم»، التي لاقت استجابة سريعة في العديد من مناطق العالم سواء بالطعن بالسكاكين أو بطريقة الدهس فى فرنسا أو قتلا بالفأس فى مقاطعة «بافاريا» بألمانيا أو بإطلاق الرصاص بمدينة «اورلندو» الأمريكية الخ.. تكتيكات غير مكلفة بالنسبة للتنظيمات الإرهابية، تعتمد على معدات بدائية وأخرى غير متوقعة عند التنفيذ كالشاحنات، يقوم بها أفراد هوية غالبيتهم غير معروفة لدى المصالح الأمنية، تدربوا افتراضيا بشكل جيد على صنع المتفجرات البدائية وغيرها من أساليب القتال، بايعوا التنظيم بإحدى المنصات الرقمية ثم قدموا أنفسهم قربانا رخيصا لأسيادهم أمراء كتائب الموت...

2 - ما المقصود «بالذئاب المنفردة»؟
جميع المصادر البحثية المهووسة بنظرية «الذئاب المنفردة» أجمعت على البروفايل التالي:
من الناحية السلوكية النفسية:
فرد تحرّكه نوازع مركّبة يتداخل فيها النفسي بالعقدي
عادي في العموم لا تبعث شخصيته على الشك
من الناحية التنظيمية:
لا يخضع لتنظيم محدد، ويفتقد لآليات التواصل التراتبي التي تعرفه التنظيمات عموما.
يقرّر بنفسه وفق إمكانياته الذاتية تنفيذ عملية إرهابية.
على هذا الأساس، تم تصنيف العمليات الإرهابية التي نفذها أفراد مما تتوفر لديهم هذه المواصفات بشكل آلي فى خانة «الذئاب المنفردة» وذلك دون إقامة أدنى اعتبار للبيئة التواصلية الرقمية التي تفترض حدا أدنى من التواصل والدعم اللوجستي، استفادت منها قبل غيرها المجاميع الإرهابية فى إعادة ترتيب بيتها الداخلي تحت عنوان مخادع : «الذئاب المنفردة» ؟!

3 - مدى تطابق مصطلح «الذئاب المنفردة» مع الإرهاب 2.0 ؟
الإشكالات الحقيقية الذي وقع فيها أنصار نظرية «الذئاب المنفردة» لا يقتصر فقط على عدم مطابقة المواصفات المطلوبة على جلّ منفذي العمليات الإرهابية الفردية الذي ثبت فيما بعد ارتباطهم بهذه الجهة أو تلك على غرار الارهابي «مراح» أو الإخوة «كواشي» بل يتمثل أساسا في إسقاطهم لأدوات التواصل الحديثة كشكل من أشكال التنظم الأفقي الفعال عند رسم ملامح الجيل الجديد من الإرهابيين والخلط بين مفهوم «اللامركزية الجهادية المتوحشة» الذي دعا إليه «أبو مصعب السوري» وسلوكيات «الذئب المنفرد» كما عرّفته علوم الأحياء الطبيعية .. فتعمّد الترويج لتكتيكات «الذئب المنفرد» من قبل المجاميع الإرهابية جاء من باب الاستعارة والتمويه.. فاستحضار صورة الذئب من شانه أن يثير الخوف والذعر الشديدين لدى عموم الناس وتعمد إلحاقها بلفظ «المنفرد» يدخل ضمن الدعاية «الداعشية» المتوحشة بأننا جميعا لسنا بمنأى من أحد حتى من أقرب أصدقائنا العاديين...

في إحدى محاضراته شدّد الأكاديمي Gilles Kepel المتخصص فى التنظيمات الإرهابية بأن نظرية «الذئب المنفرد» قد «أنشأها أكاديميون زائفون وبعض الصحفيين الذين يتابعونهم ...» مضيفا بأنها محض «خيال خالص، هناك أفراد يتصرفون ربما بمفردهم أو في ثنائيات، لكنهم جزء من الشبكات، وقد تم إلهامهم...». وفى مقابلة تلفزية أكد القاضي المختص في مكافحة الإرهاب Jean-Louis Bruguière بأن مفهوم «الذئاب المنفردة» لا يمكن أن يصمد كثيرا فى وجه شبكات التواصل الاجتماعي، فالعديد من الموقوفين في قضايا إرهابية بفرنسا والمصنفين على وجه الخطأ «ذئاب منفردة» أثبتت التحريات الأمنية أنهم كانوا ناشطين جدا في المجال الافتراضي...

فكيف يمكن الحديث عن ذئاب منفردة في عصر الرقمنة حيث يتم الاستقطاب والتدريب والتخطيط والمبايعة عن بعد عبر الشبكة في انتظار حلول الإرهاب 3.0 المرتبط «بانترنات الأشياء» حينها سيتسنى لهم مهاجمة الأهداف عن بعد (أنظر مقالي الصادر بمجلة Leaders تحت عنوان (La nouvelle stratégie digitale des cyber terroristes : Du web social au web objets) ؟

ألم تثبت الدراسات المتخصصة في سيكولوجيا التواصل عبر الشبكة أن «المنصات الرقمية الجهادية» بمؤثراتها الصوتية وجودة فيديوهاتها العالية الدقة قادرة أن تحفّز شريحة عمرية من الأفراد للوصول الى «ذواتهم المتخلية» بطرق متوحشة علّهم يعثرون على صاحبات العيون الحور ؟
ألا تضاهي رسالة نصية أو صوتية لشخص ما صادرة عبر «التلغرام» أو «التويتر» أو «الفايسبوك» لتمجيد أو لمبايعة أحد التنظيمات الإرهابية حجة قانونية كافية لتوجيه تهمة الانتماء لتنظيم ارهابي في زمن الاعتماد والتوقيع الالكتروني l’ère de la certification et la signature électronique ؟

ألم يتناهى الى مسامع مؤيدي نظرية «الذئاب المنفردة» بعد بأن المجاميع الإرهابية بصدد تجنيد عدد كبير من الخبراء والمدربين الافتراضيين les coachs virtuels بغاية إنشاء منصات للتدريب والتكوين على صنع المتفجرات بأنواعها البدائية والمعقدة وأساليب الحرب السيبرنية المتطورة استعدادا لمرحلة «انترنات الأشياء» ؟
ألم تكشف التحقيقات في بلادنا وفي الخارج أن الهجمات الإرهابية الفردية دبّر لها في ليل افتراضي مشفّر؟

ألا يتقاطع الزج المتسرع والقسري بمصطلح «الذئاب المنفردة» في توصيف كل عملية إرهابية فردية مع استراتيجية التنظيمات الإرهابية في صناعة الرعب ؟
والأهم من كل ذلك ألا تشكّل نظرية «الذئاب المنفردة» مناورة داعشية خبيثة الهدف منها تحويل أنظار الأجهزة الاستخباراتية في العالم عن الاشتغال على تفكيك التعبيرة السبرانية الخطيرة للجيل 2.0 من الإرهاب؟

بقلم: محجوب لطفي بلهادي

باحث مختص في التفكير الاستراتيجي

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية