حمّه الهمّامي: من «الجماعة» إلى الفرد

بقلم نادر الحمامي
حين قرأت منذ شهر تقريبا كتاب حمّه الهمّامي "المفرد والجمع في الحريّة والمساواة" وقد جمع فيه بعض مقالاته

حول الحرّيات الفرديّة والمساواة أساسا وأغلبها مكتوب بعد 2011 وقد صدّرها فتحي بن الحاج يحيى بمقدّمة، استقرّ في ذهني شيء واحد هو أنّ حمّه الهمّامي بصدد الخروج من السياسة بالمعنى السياسي التقني "الانتخابوي"، وأسمح لنفسي بالقول "الانتهازي" الذي يأخذ اسم "البراغماتي". فهذا الكتاب بالنسبة إلى سياسيّ طامح إلى الرئاسيّة وفوز حزبه أو "جبهته" بأكثر عدد ممكن من مقاعد التشريعيّة تصدق عليه تلك العبارة المشهورة "موش وقتو". انتبه ابن الحاج يحيى إلى المسألة فقال: "عبارة "موش وقتو" بما تعنيه من حرص على استبعاد عدد من المسائل المزعجة إلى أجل غير مسمّى صدرت عن عديد الفرق السياسيّة وكان الأمر من مأتاه لا يُستغرب بالنسبة إلى بعضها لكنّها أغاضت أكثر من ديمقراطيّ يوم صدرت عن

بعض رموز اليسار البرلماني وغير البرلماني المفروض فيه أن يكون إلى مفاهيم المساواة والعدالة أقرب" (ص9). غير بعيد عن ذلك يكشف حمّه الهمّامي في مقدّمته مشيرا إلى أنّه حين بدأ في كتابة مقالاته "الّتي تتطرّق إلى مسألة الحرّيّات الفرديّة والمساواة من بعض الزوايا الّتي لها صلة بالشائع الديني والأخلاقي في مجتمعنا، عبّر لي بعض الأصدقاء والصديقات، من أوساط مختلفة، عن خشيتهم من عواقب ذلك على مصيري السياسي" ونحن على مقربة من الانتخابات الرئاسيّة والتشريعيّة. فمن الأفضل، بالنسبة إليهم، تحاشي الخوض في المواضيع "المحرجة" الّتي تمسّ عقائد عامّة النّاس ونظرتهم إلى الأخلاق حتّى لا يستغلّها "الإخوان" و"السلفيّون" ومن لفّ لفّهم من المحافظين لتأثيث حملاتهم التشهيريّة ضدّي "فأخسر أصوات الناخبين" خاصّة إذا ما فكّر رفيقاتي ورفاقي في ترشيحي لرئاسيّات أو تشريعيّات هذا العام 2019" (ص12).

لم أرد الاجتزاء من هذا المقطع الأوّل من مقدّمة حمّه الهمّامي لمقالاته في الحرّيات الفرديّة والمساواة لأنّه في هذا المقام يختزل الكثير الذي يكمّله الجواب على احتراز "الأصدقاء والصديقات من الأوساط المختلفة" ولا أراهم إلاّ من اليسار والليبرالييّن في أقصى الحالات. يعلن الهمّامي أنّه مستعدّ لخسارة أصوات الناخبين إذا كان ذلك ثمنا للدفاع عمّا يؤمن به من أفكار يراها فاتحة أبواب التقدّم الاجتماعي إذ أنّ "الشعبيّة الّتي تُبنى على الدفاع عن السائد الرجعي شعبيّة زائفة" (ص ص 12-13). هنا تحديدا تكمن إعادة النظر في علاقة الفكر بالسياسة لا بالسياسويّة، فتصبح علاقة "ضرورة" : "إنّ السياسي في نظرنا مُفكّر بالضرورة" (ص14) وهذا ما يعني التخلّي نهائيّا عمّا استقرّ في الأذهان وشاع في العمل السياسي عندنا في تونس من تضارب الفكر والسياسة، وإذا ما أردنا المضيّ قُدما نقول "تضارب المبادئ والسياسة" أو حتّى "الأخلاق والسياسة" تحت شعار البراغماتيّة التي ليست سوى شيء آخر عبّر عنه حمّه الهمّامي في نصّه بعبارة "التشقليب" التي تستعمل فيها عبارة "موش وقتو" سواء من المحافظين أو العديد من المحسوبين، وياللأسف، على قوى التقدّم والحداثة والديمقراطيّة فيلتقي

الجمعان وقد حسبناهم شتّى.
طرح حمّه الهمّامي الأسئلة الحقيقيّة والضروريّة التي ينبغي على الطيف اليساري التونسي الأكبر طرحها إذا أراد أن يقف بجدّيّة على الإخفاقات المتلاحقة شعبيّا: " نحن مازلنا معزولين عن قاعدتنا الاجتماعيّة الكادحة والشعبيّة إلى حدّ كبير فكيف لنا أن نقول إنّ النّاس لا يقبلون مشروعنا أو أفكارنا؟ فهلاّ سألنا أنفسنا ماذا فعلنا لنجعلهم يقبلونها؟ [...] وفوق ذلك كلّه فهل نحن أنفسنا، قبل الحديث عن النّاس مستوعبون الاستيعاب الكافي الأفكار الثوريّة والتقدّميّة الّتي نزعم تبنّيها والدّفاع عنها؟" (ص15).

إنّ المسألة تتجاوز كلّ نقاش دستوريّ أو قانونيّ اليوم حول مسائل الحرّيّات الفرديّة والمساواة، وهو نقاش امتطاه كذلك عدد لابأس به من الطيف المحسوب على التقدّميّين والديمقراطّيّين، فلئن كان هذا مهمّا وضروريّا، بحكم أنّنا نعيش في دولة لها دستورها وقوانينها والكثير منها ينبغي أن يحيّن ويراجع ويتناسب وفق الترتيب الهرمي للتشريعات، بمعنى إخضاع القانون إلى الدستور، ونحن في انتظار المحكمة الدستوريّة عجّل الله فرجها، فإنّه في الآن نفسه كثيرا ما شكّل مهربا من الخوض في الأصل: معالجة الذهنيّات الاجتماعيّة وطرق ما بدا دائما "محرجا" تحت ضغط "البراغماتي السياسوي" ما ضيّع على المطالبين بحقوق الإنسان كاملة دون تجزئة أو تأجيل سنوات الآن، ويبدو أنّه لم يعد من الممكن إطالة التأجيل والتسويف والقول إنّه "موش وقتو".

ليس هناك وقت غير مناسب للمطالبة بالحرّيّات الفرديّة والجماعيّة في كلّ أبعادها، إنّها مطالبة أخلاقيّة قبل كلّ شيء، إذ لا يمكن اختيار أوقات مناسبة للحريّة والمساواة والعدالة وقيمة الفرد والديمقراطيّة الحقّ لا الديمقراطيّة الشكليّة الملخّصة في الإجراءات والصناديق والأوراق والهيئات والأصوات على أهمّيّة كلّ ذلك. إنّ القيم الإنسانيّة مطلقة وهي بالتالي فوق كلّ الأزمنة والحسابات، وهذا هو المدخل الحقيقي لما يسمّى "تخليق الحياة السياسيّة" بالمعنى الإيتيقي العميق لا مجرّد الأخلاق العمليّة (morale) المرتبط بطريقة الخطاب والتعامل إلخ، وهو داء آخر كبير لا يتّسع المجال للخوض فيه.

هذا ما فهمته من مقدّمة حمّة الهمّامي وثنايا فصول كتابه يذكّر بأعلام لم يتنازلوا عن مواقفهم المبدئيّة طموحا في "شعبيّة مزيّفة" ومسايرة "للجموع" وأثبت التاريخ أنّهم كانوا على حقّ فانتصر لهم ولو بعد حين، فخلّدهم وضاعت بين سطوره كلّ قوى "العودة القهقرى"، فالتاريخ وإن بدا جائرا ظالما قاهرا في الكثير من فتراته فإنّه أثبت أنّه عادل في النهاية التي ليس من الضروريّ أن نعيشها في الواقع بل ينبغي أن نهيّئها لأجيال قادمة لن تكون ناكرة للجميل إذا ما فكّرنا فيها بصدق ودون "تشقليب". لذلك وغيره حضر الطاهر الحدّاد (ص18)، ونصر حامد أبوزيد (ص 20)، وأليغري (ص69)، وجبران (ص88)، وابن رشد الحفيد (ص123)، والشابي من خلال تضمين بيت من قصيدة "تونس الجميلة": "إنّ ذا عصر ظلمة غير أني *** من وراء الظلام شِمتُ صباحه" (168).

على المؤمنين إذن حقّا بالإنسان وحقوقه أن يضعوا ذلك قبلتهم دون اعتبارات أخرى ولو كانت طموحاتهم السياسيّة مشروعة، فتلك الطموحات لا يجب أن تؤدّي إلى فصل الأخلاقي عن السياسي، والفكر عن السياسة، والمبادئ والقيم عن العمل السياسي تحت مسمّيات البراغماتيّة و"ما يطلبه المشاهدون" و"سربيلهم آش يحبّوا" حتّى نضمن أصواتا ليست بالضرورة واعية بمستقبلها وهذا ليس استنقاصا من المجتمع وإنّما مجرّد وصف. وبناء على ذلك كلّه مخاطبة الناس بصدق وبما يفهمون ولكن دون تزييف أو كذب ودرء المبادئ، فقد أثبتت التجارب القريبة أنّ التزييف والدرء والمواربة والبراغماتية "بودورو" لم تكن أبدا نافعة أو مجدية، وأن استعجال "الفوز السياسي" بمثل تلك الطرق إن حقّق شيئا فلن يكون له أيّ معنى.

كان الكهف دائما مكانا للدربة والتعلّم، وبقدر انغلاقه الفضائي وإحالته على "العزلة" كان في الآن نفسه رمز الانفتاح على أفكار أرحب وأنفع للناس، فقط علينا أن نتذكّر أنّ الدربة في الكهف تستغرق وقتا. وبالقدر نفسه الذي كان فيه "الإفراد" إقصاءً وإبعادا كان مولّدا للتفكّر وإعادة النظر ومنتجا لما يمكث بين الناس، وكلّ ما دون ذلك، بما فيها "كرسيّ مؤقّت" في كلّ الأحوال، فهو في خانة الزبد الذي يذهب جفاء. كذا فهمت حين قرأت كتاب فتحي بن الحاح يحيى "الحبس كذّاب والحيّ يروّح"، وكتاب محمّد الشريف فرجاني "الحبس والحريّة" وقد رافقا حمّه الهمّامي في "كهف" السجن فكان كهف عبور إلى الحريّة وطريقا إلى الانعتاق من أسيجة "الجماعة" وفاء للقيم الكونيّة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499