برج بابل: المناضل السياسي، رجل السيستام والفاعل المدني: مفاتيح الانتخابات في تونس

الانتخابات ليست فقط نتيجة صندوق ديمقراطي. إنها مسار مجتمعي مركب تبدأ ملامحه في الظهور مدة قبل أي استحقاق انتخابي.

ولكل مسار انتخابي ظروفه وسياقاته التي تبنى وفق استراتيجيات ورهانات متداخلة. الانتخابات هي خلاصة تفكير مجتمعي يأخذ في الاعتبار كل المعطيات المتاحة ثم يختزلها في مقولة تكون عنوانا بارزا لأي عملية انتخابية.
يمكننا القول إن مقولة المناضل هي التي حامت حولها انتخابات 2011 في تونس. أي تلك الشخصية أو تلك المجموعة الذي كونت رصيدا نضاليا أعطاها شرعية الفعل السياسي وأعطاها إمكانية استثمار غنائمه المادية والرمزية في سياق ثوري بعد التخلص من النظام السابق. وإذا ما نظرنا إلى الهيئات التي تكونت فترة وجيزة بعد 14 جانفي 2011 نجدها في الأغلب هيئات ذات شرعية ثورية نضالية بما في ذلك مكونات المجلس الوطني التأسيسي. وتعامل معها المواطنون على أنها كذلك.

كيف للمناضل السياسي أن يدير دولة؟ وكيف للشرعية الثورية أن تتدبر أمور الانتقال الديمقراطي؟
المناضل السياسي يدير الرفض فكيف له أن يدير التوازنات والترتيبات التي تفرضها نواميس الدولة وترتيباتها الشائكة؟ كيف له أن يجيب عن تساؤلات الناس واحتياجاتهم وكيف له أن يقي صفته النضالية من إكراهات السلطة؟
الذين مسكوا السلطة إثر انتخابات المجلس الوطني التأسيسي كانوا بين مطرقة الثورة وسندان الدولة مع نقص كبير في التجربة. لم تكن لهم البيداغوجيا الكافية ليجعلوا الثورة والدولة على درجة عالية من الانسجام. خسروا الثورة والدولة معا أو هذا ما حصل في أذهان الناس على الأقل من تصورات قادتهم إلى تفعيل ذاكرة الحنين إلى الماضي.
الحنين إلى الماضي هو ثقافة سياسية ومجتمعية تعطي للدولة إمكانية أن تتفوق على الجميع مع تنازل نسبي عن الحريات مع جرعة من الاستبداد الضروري الذي مازال عالقا في ذهنية الناس. وهذا ما أنتج مقولة جديدة قديمة هي مقولة هيبة الدولة. وهكذا سنجد أنفسنا أمام طلب اجتماعي يقول إن الثورة هي الفوضى وأننا نحتاج إلى الدولة إلى السيستام لإعادة الأمور إلى نصابها.
ستكون مقولة هيبة الدولة هي المقولة التي تشكلت حولها انتخابات 2014 بل كانت هي عنوانها الأبرز. وهي المقولة التي حسمت هذه الانتخابات لفائدة رجل الدولة أو رجل السيستام الذي بإمكانه أن يعيد التوازن المفقود بين الثورة والدولة بعد أن فشل نموذج المناضل السياسي في تحقيق ذلك.

من هو نموذج رجل الدولة إذا؟ ماهي مواصفاته؟ وهل استطاع أن يكون في مستوى التحدي بإرجاع هيبة الدولة؟
نموذج رجل الدولة هو الفاعل السياسي الذي يمكن له أن يدير متطلبات الثورة بمنطق الدولة لا بمنطق المناضل. إنه مثال للخبير الذي تعطيه مشكلة فيعطيك لها حلولا ويقترح عليك توصيات. رجل الدولة الذي مسك السلطة في 2014 تصرف لإرجاع هيبة الدولة متناسيا إرجاع هيبة الثورة. ولكنه في هذا المسار خسر مثل سابقيه الدولة والثورة معا. وزاد بذلك الحنين إلى الماضي تجذرا إلى أن أصبح في كثير من الأحيان مطلبا شعبيا لا يثير أي حرج.

نحن على أبواب انتخابات تشريعية ورئاسية أواخر 2019 ستتغير معها المقولات الانتخابية فلن يكون نموذج المناضل السياسي ولا نموذج رجل الدولة أو رجل السيستام حاضرين بقوة فيها. لقد تم التأكد من عدم قدرتهما على إعطاء إجابات جادة على مشاغل الناس واحتياجاتهم. سنكون أمام فاعل أو نموذج جديد هو الفاعل المدني وهو فاعل شبكي، ولكنه فاعل مدني بأساليب ومرجعيات مختلفة والذي يتشكل ضمن مبادرات مدنية مواطنية غير حزبية بالمعنى المتداول للكلمة. فاعل مدني يريد أن يجرب ممارسة السلطة بمنطق آخر وبلغة أخرى مازجا في أسلوبه بين الحس النضالي الذي كسبه من تجربته المدنية والقدرة على إدارة الأشياء التي كسبها من التجربة ذاتها وهنا يدخل السيستام في صراع مع الشبكة. سيحاول هذا النموذج تجاوز نموذج المناضل السياسي الفاقد للخبرة ونموذج رجل الدولة أو رجل السيستام الذي يتعامل مع شؤون الناس كخبير. ربما يكون الفاعل المدني الذي يتحرك ضمن علاقات شبكية ناجحا انتخابيا هذه المرة إذا ما كان قادرا على الاستفادة إلى أبعد حدّ من أزمة الأحزاب السياسية ومن أزمة السيستام الخانقة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية