برج بابل: قدم من ذهب، قلب من ذهب: كرة القدم والمسؤولية المدنية

يصرّ مقدم البرنامج على اعتبار المباراة مباراة اعتزال، يجيبه اللاعب إنها أكثر من ذلك، إنها مباراة اعتراف بالجميل.

يتعلق الأمر بكريم حقي لاعب المنتخب السابق والحائز على كأس إفريقيا للأمم سنة 2004. نحن أمام مقولتين على طرفي نقيض. الأولى فردية تختزل ما بقي من نرجسية لاعب عرف الشهرة ليودعها بما يليق. المقولة الثانية جماعية تترك النرجسية جانبا لتضع الجميع شركاء في صناعة المجد. كرة القدم لعبة تكمن داخلها كل مبادئ الديمقراطية ويعيشها الناس على أنها تجسيد ولو مثالي لها. الفرد في خدمة الجماعة والجماعة في خدمة الفرد هي حجر الزاوية في كل نظام ديمقراطي. الجدارة والمنافسة هما اثنان من مبادئ كرة القدم والديمقراطية أيضا وإن حصلت تجاوزات في تطبيق هذه المبادئ في عالم كرة القدم فإنها تحصل في عالم الديمقراطية. كرة القدم مصعد اجتماعي والديمقراطية هي الأخرى تتيح للناس هذا المصعد.
عندما قدم كريم حقي هذه المباراة على أنها مباراة الاعتراف بالجميل فإنه بذلك قد أدخلنا في مقولة ثقافية جديدة وهي أن التجربة التي خاضها طيلة مسيرة كروية تتجاوز مجرد كونها مسيرة لاعب بل هي مسيرة جماعية تبدأ بما هو عائلي ومحلي ووطني وكوني. كل ضلع في هذه المسيرة كان له ما يناسبه من بناء هذه التجربة. ومقولة الاعتراف هي حجر الزاوية في مشروع «مؤسسة كريم حقي» التي أنشأها لتعنى بالرياضة في علاقتها بالمحلي، على شاكلة لكل قرية منتوج، تريد هذه المؤسسة أن تطور فكرة لكل قرية رياضتها. وهو ما يعني العمل على تجذير كل صنف رياضي ضمن تربته وضمن هويته وضمن ثقافته.

فكرة إنشاء مؤسسات بأسماء رياضيين فكرة دارجة وبقوة وهي تدعم ما يمكن تسميته بالمسؤولية المدنية للرياضة وللرياضيين. ميسي وزيدان وساموال إيتو و بيكام، كي نذكر فقط أشهرهم، هؤلاء يستثمرون في الإنساني، يديرون مؤسسات خيرية كل في اختصاصه. الكاميروني إيتو خصص مؤسسته لتطوير التعليم في بلده ويساهم عبر منظومة خاصة في تقديم منح للفقراء لمواصلة دراستهم الجامعية. الإيفواري دروغبا يمنح قطاع الصحة في مناطق فقيرة في بلده العناية الضرورية وتقدم مؤسسته الرعاية الصحية الأساسية للمحتاجين. ذكرنا أمثلة من أخرى عديدة يلتزم فيها نجوم كرة القدم بالمساهمة في تطوير قطاعات عديدة معتمدين في ذلك لا على رأسمالهم المادي فقط بل على رأسمالهم الرمزي أيضا.

الإتحاد الأوروبي لكرة القدم ملتزم هو الآخر ببرنامج المسؤولية الاجتماعية من خلال المساهمة في تطوير مجالات عديدة منها ما يتصل بقضايا المناخ ومنها ما يتصل بتدعيم ممارسة كرة القدم للجميع. نوادي أوروبية أخرى في بلجيكا وفرنسا وألمانيا تدير برنامجا إقليميا لمرافقة المناصرين وهو برنامج يتم بالشراكة مع بلديات المدن ومراكز الأبحاث الجامعية التي توجد فيها هذه النوادي. ويعتمد البرنامج على مرافقة المناصرين الذين يثيرون الشغب في الملاعب وأولئك الذين يعيشون هشاشة اجتماعية عبر إعادة إدماجهم في النسيج المجتمعي وفق احتياجاتهم الخصوصية مع ملازمة مناصرة نواديهم ولكن بأشكال مختلفة ومنها إدراج هؤلاء المناصرين أكثر فأكثر في حياة النادي وتحميلهم مسؤوليات أكبرأي الاعتراف بهم كقوة بناء لا كقوة شغب وعنف.

لسنا قريبين في تونس من هذه الثقافة الجديدة، ثقافة المسؤولية المدنية للفاعلين في الرياضة وفي كرة القدم على وجه الخصوص. مازلنا أسرى ثقافة الانتصار وثقافة الهزيمة دون الإلتزام بالقواعد المنظمة لذلك في أغلب الأحيان. لم نستطع إلى حدّ الآن التحليق بكرة القدم إلى أبعد من نتيجة مباراة أو موقع في الترتيب. مازلنا لم نستوعب إلى الان دلالات مقولة إذا لم تكن كرة القدم هي كل المجتمع فإن كل المجتمع موجود في كرة القدم.

بقلم: محمد جويلي 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية