المجتمع المدني، وفي مقدمتها الاتحاد العام التونسي للشغل، إلى التنسيق والتحضير لتحركات مقبلة، يبرز سؤال غياب المعارضة السياسية، أو على الأقل محدودية قدرتها على المبادرة والتأثير، في سياق يتسم بتضييق متزايد على الحريات، وملاحقة الأصوات المعارضة، وتحجيم المجال السياسي. وتبدو المفارقة أكثر وضوحا حين نستحضر أن أحزابا كانت، خلال عشرية الانتقال الديمقراطي، في قلب النقاش العام وصناعة المبادرات، تجد نفسها اليوم عاجزة عن تحويل تجربتها السياسية والتنظيمية إلى فعل جماعي مؤثر. ولم يقتصر تراجعها على التشتت والانكفاء، بل امتد إلى ضعف التنسيق فيما بينها، وتراجع قدرتها على الاضطلاع بأدوار سياسية وتضامنية تتجاوز بيانات الشجب والاستنكار، حتى عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن قياداتها التاريخية القابعة في السجون. وتزداد دلالة هذه المفارقة حين نرى بعض مكونات المجتمع المدني، رغم اختلاف طبيعة أدوارها ووظائفها، أكثر قدرة على تجاوز التباينات والتنسيق حول مبادرات مشتركة، في وقت لا تزال فيه الأحزاب تواجه صعوبة في بناء الحد الأدنى من العمل الجماعي.
لا شك أن هذه الحيوية المدنية ضرورية لكسر الجمود وإعادة فتح المجال أمام الفعل الجماعي، لكنها لا تستطيع، بمفردها، إعادة بناء التوازن السياسي أو إنتاج تصوّر لبديل ديمقراطي، فذلك يقتضي معارضة تتجاوز حدود التنسيق الظرفي والاحتجاج على السلطة، وتواجه، في الوقت نفسه، الأسئلة التي تركتها تجربة الانتقال الديمقراطي دون إجابات كافية: كيف تحولت التعددية إلى انقسامات مستعصية؟ ولماذا عجزت الأحزاب عن تحويل حضورها السياسي إلى ثقة مجتمعية مستدامة وقدرة على التغيير؟ إن الرهان ليس استعادة ما كان، بمكاسبه وإخفاقاته، بل استخلاص ما تفرضه التجربة من مراجعات، وإعادة بناء وظيفة الأحزاب بوصفها فضاءات لإنتاج الأفكار والبرامج، وتنظيم المصالح والتطلعات الاجتماعية، وصياغة مشروع سياسي قادر على استعادة المبادرة وفتح أفق للتغيير الديمقراطي.
وهذا النقد لا ينطلق من التقليل من شأن المعارضة، بل من الإيمان بضرورة وجودها وحيويتها وتعددها، باعتبارها ركنا أساسيا من أركان الحيوية السياسية والديمقراطية. كما لا يستهدف تحميلها مسؤولية القمع الذي تتعرض له، وإنما التمييز بين مسؤولية السلطة عن تضييق المجال السياسي، ومسؤولية الأحزاب عن مراجعة اختلالاتها وتجديد أدائها. فالدفاع ـ في رائي، عن حق المعارضة في الوجود والمشاركة لا يتعارض مع مساءلتها عن أدائها، بل إن مصداقية دفاعها عن الديمقراطية تقتضي أن تمارس قيمها داخل تنظيماتها، وأن تكون قادرة على مراجعة ادائها وتجديد أدوات عملها، حتى زمن المحن.
ولفهم هذه الأزمة، أرى انه لا بد من العودة إلى جذورها الأعمق اذ هي، في تقديري، لا ترتبط فقط بما تعرضت له الأحزاب في السنوات الأخيرة، بل تتصل أيضابموروث سياسي وتنظيمي ثقيل تشكل في ظل عقود من الاستبداد، وترك أثره في الثقافة السياسية، وفي علاقة الأحزاب بالسلطة، ومدى استبطانها لقيم الديمقراطية وممارستها داخل تنظيماتها.
موروث الاستبداد والثقافة السياسية:
لا يمكن فهم أزمة المعارضة الراهنة من دون العودة إلى السياق الذي تشكلت فيه. فقد نشأ جانب مهم منها في ظل استبداد الدولة الوطنية، داخل بيئة طبعتها ثقافة القمع والإقصاء والصراعات الأيديولوجية والشخصنة المفرطة. ورغم التضحيات التي قدمتها أطراف عديدة في مقاومة الدكتاتورية، فقد اثرت نلك المرحلةفي الثقافة السياسية وطرق إدارة الاختلاف وممارسة العمل الحزبي.
وقد كشفت تجربة الانتقال الديمقراطي هذه الاختلالات، فبدلا من استثمار الحرية في بناء أحزاب ديمقراطية ومؤسسات مستقرة، استنزفت الصراعات الشخصية والحسابات الانتخابية والتجاذبات الأيديولوجية طاقة قوى سياسية عديدة، وأبعدتها عن مشاغل المواطنين اليومية، وأسهمت كثيرا في تراجع الثقة بها. كما أخفقت أحزاب في بناء تنظيمات متماسكة، وتجديد قياداتها، وتطوير برامج تستجيب للتحولات الاجتماعية والاقتصادية. وهكذا، بقيت الحياة السياسية أسيرة موروث لم تنجح الثورة في تجاوزه: الاستئثار بالقرار وثقافة الاستحواذ والغنيمة وتقديم المصالح الحزبية على المصلحة العامة.
25 جويلية 2021 : لحظة كشفت ارتباك المعارضة
كان 25 جويلية 2021 اختبارا كاشفا لمواقف المعارضة وصلابة قناعاتها الديمقراطية. فقد عجز جزء منها عن اتخاذ موقف مبدئي واضح إزاء تعليق المسار الدستوري وتركيز السلطات، وعن جعل الدفاع عن المؤسسات والحريات أولوية تتقدم على الحسابات السياسية الظرفية.
وقد تفاعلت هذه الاختلالات مع التضييق المتزايد على المجال العام، وملاحقة واعتقال ومحاكمة شخصيات سياسية وإعلامية وحقوقية هامة، فتعمّق التصحّر السياسي وتراجعت الحريات وضعفت الحياة الحزبية. غير أن فهم الأزمة يقتضي، أيضا، مساءلة الانقسامات التي راكمتها القوى السياسية، وعجزها عن بناء الثقة بينها والعمل المشترك، وغياب مراجعة نقدية لتجربتها. فاستعادة الحياة السياسية لا تتحقق بمجرد مقاومة التضييق، بل تقتضي أيضاً تجاوز الممارسات والعقليات التي أسهمت في إضعافها
وليست المراجعة المطلوبة استعادة انتقائية للماضي، أو بحثا عن مسؤوليات فردية بمعزل عن سياقاتها، بل تفكيكا نقديا للتجربة السياسية في مجملها: للخيارات التي حكمتها، ولطبيعة التحالفات التي شكلتها، وللعلاقة بين الخطاب والممارسة، ولآليات اتخاذ القرار وتوزيع المسؤوليات داخل الأحزاب. فالمطلوب ليس فقط تحديد مواطن الإخفاق، بل فهم الشروط السياسية والتنظيمية التي أنتجتها، وأسباب العجز عن تصحيحها في حينها. ومن دون ذلك، ستظل المراجعات مجرد تغيير في الخطاب، لا تحولا في الممارسة، إذ لا يمكن لحزب أن يطلب ثقة المجتمع في قدرته على إدارة الشأن العام، من دون أن يبرهن على قدرته على إدارة شؤونه ومراجعة تجربته ...
المجتمع المدني يبادر وحده:
يكتسب تحرك المجتمع المدني وتنسيق مكوناتهأهمية في هذه اللحظة. فقد ظلت المنظمات النقابية والحقوقية والمدنية، إلى جانب المبادرات المحلية والحركات الاحتجاجية، فضاءات للدفاع عن الحريات والتعبير عن المطالب الاجتماعية ومقاومة العزلة والخوف. وتمثل قدرتها على التنسيق وتجاوز بعض الخلافات فرصة لاستعادة المبادرة الجماعية، وربط الحقوق السياسية بالقضايا الاقتصادية والاجتماعية التي تشغل المواطنين.
لكن أهمية هذا الدور لا تعني تحميل المجتمع المدني ما يتجاوز وظائفه. فهو ليس بديلا عن الأحزاب، ولا يستطيع وحده إنتاج مشروع للحكم أو تحمل مسؤولية التنافس السياسي، اذ يتمثل دوره في حماية المجتمع من الانتهاكات ومراقبة السلطة والدفاع عن الحقوق وتوسيع فضاءات المشاركة، أما صياغة البرامج والبدائل وتنظيم التنافس على السلطة وتحمل مسؤولية الحكم، فهي مهام سياسية لا تنهض بها إلا قوى تمتلك مشروعا وتنظيما واستعداداللمساءلة.
لذلك، لا يكفي أن تساند المعارضة التحركات المدنية أو تلتحق بها، بل عليها أن تحوّل مطالبها إلى أفق سياسي وبرنامج تغيير واضح. فالمجتمع المدني يوسّع فضاء الفعل ويحميه، فيما تضطلع المعارضة بمهمة بلورة البدائل وتحويلها إلى مشروع سياسي قابل للتطبيق.
مشروع ديمقراطي مشترك:
تقتضي هذه المسؤولية تجاوز وحدة ظرفية قوامها رفض السلطة، نحو توافق حول ما ينبغي بناؤه. فالالتقاء حول ما نرفضه جميعا قد يفتح باب التنسيق، لكنه لا يصنع وحده قوة قادرة على التغيير، اذ المطلوب حد أدنى مشترك يؤسس على رؤية واضحة لدولة القانون والمؤسسات، واستقلال القضاء، وضمان الحريات، والانتخابات الحرة والنزيهة، والتداول السلمي على السلطة، والعدالة الاجتماعية.
ولا يعني ذلك إلغاء الاختلافات الفكرية أو صهر الأحزاب في موقف واحد، فالتعدد جزء من جوهر الديمقراطية. إنما يكمن التحدي في القدرة على إدارة الاختلاف دون تحويله إلى تخوين وقطيعة، وعلى جعل التنافس بين القوى السياسية محكوما بمقتضيات المشروع المشترك، لا بصراعات المواقع والقيادة.
ويقتضي ذلك أيضاً تجاوز الشخصنة ومنطق الزعامة، وتجديد القيادات، وإفساح المجال أمام الشباب والنساء والكفاءات، وبناء مؤسسات حزبية ديمقراطية تجعل المشروع فوق الأشخاص وتضمن التداول والتجدد.
من رفض الواقع إلى تقديم البدائل:
لن تستعيد المعارضة دورها السياسي بمجرد الدفاع عن الحريات أو إدانة سياسات السلطة، على أهمية ذلك. فالمواطن الذي يواجه البطالة وارتفاع الأسعار وتدهور الصحة والتعليم وصعوبات النقل ونقص المياه وانقطاعات الكهرباء يريد أن يعرف البدائل السياسية لمواجهة هذه الأزمات، وبأي موارد وأدوات. كيف ستعالج اختلالات المالية العمومية دون تحميل الفئات الأضعف كلفة الأزمة؟ وكيف ستعيد الاعتبار إلى المدرسة والمستشفى والنقل العمومي، وتقلص الفوارق بين الجهات، وتخلق فرص العمل، وتضمن النفاذ العادل إلى الخدمات الأساسية؟ وكيف ستكافح الفساد والمحسوبية وتبني إدارة قائمة على الكفاءة والمساءلة؟
وتزداد هذه الحاجة إلحاحا في ظل الأزمة الاقتصادية والاجتماعية واختلال موازين القوى. فالاحتجاج، مهما كان ضروريا، يعبّر عن الغضب ولا يصنع وحده بديلا، والمجتمع المدني ينظّم المطالب ويدافع عنها، لكنه لا يعوّض المعارضة السياسية. فهذه الأخيرة هي المطالبة بتحويل الغضب والمطالب الاجتماعية إلى مشروع سياسي متكامل، وقوة منظمة قادرة على المنافسة وتقديم بديل وتحمل مسؤولية الحكم.
وفي اعتقادي، لا تحتاج تونس إلى معارضة أكثر ضجيجا، بل إلى معارضة أكثر مسؤولية، شجاعة في مراجعة تجربتها وتجديد أدائها،فعدم القيام بذلك لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج إخفاقات الماضي، مهما تغيرت الوجوه، ويسهم، دون قصد، في تعزيز التصور الذي تتبناه السلطة الحالية، والقائم على تجاوز الأحزاب والمنظمات والأجسام الوسيطة، وإقامة علاقة مباشرة بين "القيادة والشعب"، في سياق ثقافة سياسية لم تتحرر تماما من التعلّقبالزعامة الفردية، بما يهمّش التعددية ويضعف دور المؤسسات المستقلة.
لذلك، لا يكفي أن تجيد المعارضة رفض الواقع القائم، بل عليها أن تسهم، مهما كان حجمها اليوم أو مدى حضورها الشعبي، في استعادة السياسة بوصفها مجالا للتنافس حول البرامج والبدائل، وأن تقدم إجابات واضحة: ماذا تريد؟ وكيف ستحققه؟ وبأي كفاءات وضمانات ديمقراطية؟ فاستعادة الثقة لا تمر عبر استحضار أخطاء السلطة وحدها، بل عبر الاعتراف بأخطاء الماضي، وتجديد الأداء، وإثبات القدرة على ممارسة الحكم بصورة مختلفة.