تجربة السويد في تثمين الفضلات: من عبء بيئي إلى مورد اقتصادي

تُعد السويد من أكثر الدول تقدماً في مجال

تثمين الفضلات والاقتصاد الدائري، حيث نجحت في تحويل النفايات من مشكلة بيئية إلى مورد اقتصادي يساهم في إنتاج الطاقة، وخلق فرص العمل، وتقليص استهلاك الموارد الطبيعية. وقد أصبحت التجربة السويدية نموذجاً عالمياً في الإدارة المستدامة للفضلات، إذ لم تعد النفايات تُنظر إليها باعتبارها عبئاً ينبغي التخلص منه، بل مورداً يمكن استغلاله لإنتاج مواد أولية جديدة وطاقة نظيفة، بما ينسجم مع أهداف التنمية المستدامة والحياد الكربوني.

بدأ هذا التحول منذ سبعينيات القرن الماضي، عندما دفعت أزمة الطاقة والتشريعات البيئية الحكومة إلى إعادة النظر في منظومة إدارة النفايات. واعتمدت السويد سياسة تقوم على هرم إدارة الفضلات الذي يعطي الأولوية للوقاية من إنتاج النفايات، ثم إعادة الاستخدام، فإعادة التدوير، ثم تثمين النفايات لإنتاج الطاقة، ولا يلجأ إلى الطمر إلا كخيار أخير. وقد دعمت الدولة هذا التوجه بإطار تشريعي صارم، واعتماد مبدأ “الملوث يدفع”، وإقرار المسؤولية الممتدة للمنتج، التي تلزم المصنعين بتمويل جمع وإعادة تدوير المنتجات بعد انتهاء عمرها الافتراضي.

ويتميز النموذج السويدي بارتفاع معدلات الفرز وإعادة التدوير، حيث يلتزم المواطنون بفرز النفايات المنزلية إلى عدة أصناف تشمل الورق، والبلاستيك، والزجاج، والمعادن، والنفايات العضوية، والإلكترونية، والنسيج، وذلك بفضل شبكة واسعة من مراكز التجميع، ونظام متطور لجمع النفايات من المصدر. كما يشجع نظام استرجاع العبوات (Deposit Return System) المواطنين على إعادة القوارير والعلب المعدنية مقابل حوافز مالية، وهو ما أدى إلى استرجاع أكثر من 85% من عبوات المشروبات، وهي من أعلى النسب في العالم.

ويُعد تثمين النفايات لإنتاج الطاقة أحد أبرز عناصر نجاح التجربة السويدية. فبعد عمليات الفرز وإعادة التدوير، تُوجه النفايات غير القابلة لإعادة التدوير إلى محطات حديثة لتحويلها إلى طاقة من خلال الحرق في منشآت عالية الكفاءة مزودة بأحدث تقنيات معالجة الانبعاثات. وتنتج هذه المحطات الكهرباء والحرارة في آن واحد ضمن نظام التوليد المشترك، حيث تُستخدم الحرارة لتغذية شبكات التدفئة المركزية التي تزود مئات الآلاف من المساكن والمباني العامة. وتوفر الطاقة المستخرجة من النفايات التدفئة لنحو مليون منزل والكهرباء لمئات الآلاف من الأسر، مما يقلل الاعتماد على الوقود الأحفوري ويخفض انبعاثات الغازات الدفيئة.

وقد بلغت كفاءة المنظومة السويدية مستوى جعل أقل من 1% من النفايات المنزلية ينتهي في المطامر، بينما يتم تثمين أو إعادة تدوير أكثر من 99% منها. ولم يعد إنتاج النفايات المحلية كافياً لتغذية محطات تحويل النفايات إلى طاقة، الأمر الذي دفع السويد إلى استيراد مئات الآلاف من الأطنان من النفايات القابلة للحرق من دول أوروبية أخرى، مقابل رسوم تتقاضاها لمعالجتها، ثم تستفيد في الوقت نفسه من الطاقة الناتجة عنها. ويعكس هذا النموذج كيف يمكن تحويل إدارة النفايات إلى نشاط اقتصادي مربح يخلق قيمة مضافة ويعزز أمن الطاقة.

كما أولت السويد اهتماماً متزايداً بالاقتصاد الدائري من خلال تشجيع إصلاح المنتجات وإعادة استخدامها قبل إعادة تدويرها. فقد اعتمدت حوافز ضريبية لإصلاح الأجهزة الكهربائية والدراجات والأثاث، وأنشأت مراكز لإعادة الاستعمال والمتاجر المتخصصة في بيع المنتجات المجددة، بما يطيل دورة حياة المواد ويحد من استهلاك الموارد الطبيعية. وفي الوقت نفسه، استثمرت الدولة في الابتكار والبحث العلمي لتطوير تقنيات إعادة تدوير البلاستيك والمنسوجات والبطاريات، استعداداً للزيادة المتوقعة في نفايات السيارات الكهربائية والتجهيزات الإلكترونية.

ويعود نجاح التجربة السويدية إلى تكامل السياسات العمومية، إذ يجمع النموذج بين التشريعات الصارمة، والاستثمار في البنية التحتية، والتكنولوجيا الحديثة، ووعي المواطنين، والشراكة مع القطاع الخاص. كما ساهمت البلديات بدور محوري في إدارة المنظومة، من خلال التخطيط المحلي، وتطوير شبكات الجمع والفرز، وربط محطات تثمين النفايات بشبكات التدفئة والطاقة.

ورغم النجاحات المحققة، تواصل السويد تطوير منظومتها لمواجهة تحديات المرحلة الجديدة، وعلى رأسها تقليص إنتاج النفايات من المصدر، ورفع جودة إعادة التدوير، وخفض الانبعاثات الناتجة عن حرق بعض أنواع النفايات البلاستيكية، بما يتماشى مع أهداف الاتحاد الأوروبي للاقتصاد الدائري والحياد المناخي بحلول عام 2050.

وتؤكد التجربة السويدية أن إدارة الفضلات لم تعد مجرد خدمة بلدية، بل أصبحت قطاعاً استراتيجياً يربط بين البيئة والطاقة والصناعة والابتكار. كما تثبت أن اعتماد رؤية متكاملة للاقتصاد الدائري يمكن أن يحول النفايات من عبء بيئي إلى مورد اقتصادي، ومن مصدر للتلوث إلى رافعة للتنمية المستدامة، وهو ما يجعل التجربة السويدية من أكثر النماذج إلهاماً للدول الساعية إلى بناء اقتصاد أخضر وأكثر كفاءة في استخدام الموارد.

بقلم : أنيس الوهابي

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115