حراك الطلاب:   فرنسا أمام اختبار مصيري للتعليم والعدالة الاجتماعية

دخلت موجة الاحتجاجات الطلابية العارمة في

فرنسا أسبوعها الرابع، محولة الشوارع والمؤسسات التعليمية إلى ساحة غليان واسعة. وتستعد البلاد لجولة جديدة من التعبئة والإضرابات وسط مخاوف حكومية من خروج الأمور عن السيطرة وانضواء قطاعات نقابية تحت لواء الحراك.

لقد انطلقت شرارة الاحتجاجات في منتصف سبتمبر الماضي من منطقة «كريتاي» بضواحي باريس، تحت شعار « الدولة تقتل التعليم الوطني « لتتسع رقعتها وامتدت الحركة سريعا عبر منصات التواصل الاجتماعي  لتشمل مئات المدارس الثانوية وآلاف الطلاب في مختلف أنحاء فرنسا مثل مرسيليا، ليون وغيرها .  وانتشرت مقاطع فيديو صورها طلاب فرنسيون بهواتفهم المحمولة على شبكات التواصل الاجتماعي  وهي توثق البنية التحتية المتهالكة في العديد من المؤسسات التعليمية في فرنسا والتي يعود بعضها الى أكثر من خمسين عاما .

وتتمحور مطالب الطلاب بالأساس حول نقاط جوهرية لعل أهمها  الاحتجاج على تردي البنية التحتية  وتهالك المباني المدرسية، وسوء التهوية وارتفاع درجات الحرارة داخل الأقسام، فضلا عن الاكتظاظ الطلابي. كما يطالب الطلاب بتعيين معلمين جدد، ووضع حد للنقص الحاد في الكوادر، وإيجاد آليات فورية لتعويض الحصص عند غياب المدرسين. علاوة على ذلك يحتج الطلاب على طول اليوم الدراسي، والعبء الدراسي المرهق، إضافة إلى رفضهم محدودية الاستيعاب في منصة القبول الجامعي  « باركورسوب «.  وهي المنصة الوطنية الرسمية في فرنسا والمخصصة لتسجيل طلاب المرحلة الثانوية وتوجيههم وقبولهم في السنة الأولى من التعليم الجامعي ومؤسسات التعليم العالي.

 

وأبرز ملامح وعيوب المنصة التي تثير غضب الطلاب  هي محدودية الاستيعاب ، خاصة مع نجاح نسبة كبيرة جدا من الطلاب في شهادة البكالوريا، وتجد الجامعات نفسها عاجزة عن استيعاب أعداد المتقدمين الهائلة في التخصصات المرغوبة.

ويرى الطلاب وأهاليهم أن معايير القبول في المنصة تفتقر إلى الشفافية الكاملة، حيث يتم وضع العديد من الطلاب في قائمات انتظار طويلة أو يتم توجيههم لتخصصات لم يختاروها، مما يهدد مستقبلهم الدراسي ويخلق حالة من القلق الشديد لديهم.

 وتتمسك المنظمات الطلابية بتخصيص خطة طوارئ تمويلية عاجلة يطالب قادتها بموارد إضافية تصل إلى 10 مليارات يورو لإصلاح قطاع التعليم، في وجه مشاريع الموازنة الحكومية التي تتضمن اقتطاعات وتقليصا للوظائف الرسمية.

وتكمن الخطورة في اتخاذ التظاهرات طابعا صداميا في كثير من المحطات، مما خلف حصيلة ثقيلة على المستويين البشري والمادي. اذ أكدت وزارة العدل الفرنسية تجاوز عدد الموقوفين منذ بدء الاحتجاجات 6,800 شخص، يشكل القُصَّر نحو 86 بالمئة منهم وقد وثقت تقارير إعلامية  للصحف المحلية مثل صحيفتي « ميديا بارت» و»لونوفيل أوبس» حدوث عنف جسدي وإهانات عنصرية وممارسات مهينة خلال التوقيف والاحتجاز. وكل ذلك يطرح تساؤلات حول مدى احترام السلطات الفرنسية لمبادئ ومواثيق حقوق الانسان والطفل في التعاطي مع هكذا مظاهرات.   وتصاعدت حدة الانتقادات الحادة لأساليب الشرطة بعد تسجيل إصابات خطيرة، أبرزها بتر يد فتى يبلغ من العمر 15 عاما في مدينة «لونس» نتيجة استخدامه لقنبلة صوتية مضيئة، فضلا عن إصابات أخرى بالرصاص المطاطي. ودفع هذا التصعيد وزير الداخلية إلى الأمر بالوقف المؤقت لاستخدام تلك القنابل الصوتية، بينما باشرت هيئة الرقابة على الشرطة فتح 24 تحقيقا داخليا في تجاوزات محتملة.

وأسفرت المواجهات والاشتباكات بين المحتجين وقوات مكافحة الشغب عن اصابات في صفوف التلاميذ وموظفي المدارس  إضافة إلى إصابة مئات من عناصر الأمن. وتقول الرواية الرسمية بانه أصيب ما لا يقل عن 215 مراهقا و85 من موظفي المدارس في الاشتباكات.

تضع هذه الموجة الأعنف والأشد من الاحتجاجات حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيس وزرائها سيباستيان لوكورنو امام مأزق  سياسي  ومالي غير مسبوق في ظل برلمان مشلول وعجز مالي يبلغ 5.4 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. وعلى الرغم من أن الاختناقات المالية في فرنسا هيكلية ومتراكمة منذ سنوات نتيجة ضخامة الإنفاق الاجتماعي، إلا أن مرحلة التأزم القصوي وانفجار الموازنة تصاعدت تدريجيا مع تراجع الإيرادات الضريبية وعجز الحكومات المتعاقبة منذ فترة إليزابيث بورن وغابرييل أتال وصولا إلى حكومة سيباستيان لوكورنو الحالية عن تمرير إصلاحات جذرية دون أزمات برلمانية حادة، وذلك بسبب غياب الأغلبية المطلقة للائتلاف الحاكم في الجمعية الوطنية ، وهو الوضع المستمر منذ الانتخابات التشريعية لعام 2022 . وانعكس على المشهد العام في فرنسا لتصل الازمة إلى ذروتها الحرجة مع الحراك الطلابي الحالي. حيث يتألف البرلمان من ثلاث كتل رئيسية متنافسة الائتلاف الرئاسي المنتمي للوسط، وائتلاف الجبهة الشعبية الجديدة اليساري، وحزب التجمع الوطني اليميني المتطرف دون أن يمتلك أي طرف منها عتبة الـ 289 مقعدا اللازمة لتمرير القوانين بأريحية. هذا الوضع الاستثنائي تسبب في إحداث تغييرات جذرية في آليات الحكم وإدارة الأزمات داخل فرنسا.

على جانب آخر ، جاءت صدمة تعطل الملاحة في مضيق هرمز لتشكل ضربة اقتصادية خارجية مضاعفة للاقتصاد الفرنسي. فقد  أدى التوتر الجيوسياسي في الشرق الأوسط وتعطل تدفقات الناقلات عبر المضيق إلى قفزات حادة في أسعار النفط والغاز العالمية وتكاليف الشحن وسلاسل التوريد. هذه الصدمة الطاقية ولّدت موجة تضخمية جديدة وأتت على جزء إضافي من القدرة الشرائية للمواطنين، وفي نفس الوقت أثقلت كاهل الموازنة العامة للدولة وزادت من تكاليف تشغيل القطاعات الحيوية، مما عمّق العجز المالي وضاعف أعباء الخزينة العامة وقيّد قدرة باريس على تمويل القطاعات الحيوية كتعليم.

 وفي تعاطيها مع ملف الاحتجاجات الطلابية حاولت الحكومة امتصاص الغضب عبر إطلاق منصة إلكترونية لتلقي مقترحات الطلاب واستشاراتهم لغاية 23 أكتوبر، ووعد «لوكورنو» بتخصيص موارد إضافية للتعليم ضمن ميزانية عام 2027.

 اما فيما يتعلق بالمواقف الداخلية فقد اعتبر اتحاد طلاب الثانويات والمنظمات النقابية أن هذه الوعود لا تعدو كونها «فتاتا» ولا ترقى لحجم المطالب أو خطة الطوارئ المالية المطلوبة. وتحذر الأوساط السياسية من تكرار سيناريو حراك «السترات الصفراء» لعام 2018، لا سيما مع انضمام قطاعات أخرى مثل نقابات عمالية ومعلمين ومتقاعدين .

ولا يمكن فهم الأبعاد الخطيرة للحراك الطلابي الراهن بمعزل عن الذاكرة التاريخية للشارع الفرنسي، الذي طالما مثلت فيه انتفاضات الشباب والطلاب محركا لتغيير المعادلات السياسية. فتاريخ فرنسا الحديث مليء بمحطات مفصلية انطلقت شرارتها من مقاعد الدراسة بدءا من الزلزال المجتمعي والسياسي لـ «ثورة ماي 1968» التي هزت  حكم ديغول وشارك فيها ملايين العمال والطلاب ، مرورا بانتفاضة طلاب الثانويات عام 1990 التي فرضت على قصر الإليزيه إقرار خطط طوارئ مالية لإنقاذ المدارس، وصولا إلى الحشود المليونية عام 2006 التي أسقطت قانون «عقد الوظيفة الأولى». فلعل ما تشهده شوارع باريس والضواحي هو استدعاء متجدد لتقاليد الجمهورية في تصحيح المسار عبر غضب الشارع.

 وقد أظهرت استطلاعات الرأي تفاوتا فيما يتعلق بالموقف من الأحداث الجارية، إذ يرى قطاع واسع من الفرنسيين أن مطالب الطلاب المتعلقة بتحسين المدارس مشروعة، في حين يتخوف البعض من تحول الحراك إلى أزمة سياسية أوسع تشبه محطات تاريخية سابقة في الشارع الفرنسي.

ومع إعلان وزارة التعليم أن غالبية المدارس لا تزال مفتوحة رسميا رغم تعليق الدروس في مئات المؤسسات وتحول بعضها نحو التعليم عن بُعد خصوصا في مرسيليا، تتجه الأنظار نحو يوم التعبئة والاحتجاج الواسع المرتقب اليوم الثلاثاء ويوم السبت القادم.

ويُنظر إلى هذه المحطة القادمة باعتبارها «اختبارا مصيريا» لمدى قدرة الحكومة على احتواء الشارع، أو انزلاق البلاد نحو أزمة هيكلية عميقة تهدد الاستقرار السياسي والمالي قبيل الأشهر الأخيرة من ولاية ماكرون الرئاسية.

فرغم أن الحراك الطلابي ينطلق من مطالب اجتماعية ومطلبية مباشرة مرتبطة بأزمة قطاع التعليم وسياسات التقشف، إلا أنه يدخل بعمق في قلب المشهد السياسي والتنافسي قبيل الانتخابات الرئاسية المرتقبة في افريل القادم. وتتباين القراءات حول الأطراف المستفيدة سياسيا من هذا الاحتقان، فعلى الرغم من الحضور القوي لخطاب اليسار الراديكالي مثل حزب «فرنسا الأبية» بقيادة جان لوك ميلونشون ودعمه للتحركات، إلا أن الاستفادة منه قد تكون محدودة نظرا لكون الاحتجاجات تواجه سلطة تنفيذية ضعيفة أصلا ومتمثلة في رئيس ستنتهي ولايته قريبا ويعاني حزبه من تشتت وضعف وتراجع. وفي المقابل، تبرز زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان مستفيدة بشكل مفارق عبر تبنيها لخطاب معارض لمواقف الحكومة ومساند لمطالب الطلاب، مع الحرص على إبراز صورة معتدلة تطمئن الطبقة الوسطى، رغم محاولات التركيز على انتقاد أعمال العنف المرافقة للتظاهرات.

وفي خضم هذا المخاض الصعبيبدو ان التحدي الذي تواجهه فرنسا اليوم يمتد ليمس من جوهر مشروعها الجمهوري. فالتعليم  الذي طالما اعتُبر المعيار الأهم لتقدم الأمم والمصعد الاجتماعي الأوثق لتحقيق المساواة وتكافؤ الفرص، يواجه اليوم امتحانا مصيريا غير مسبوق. فعجز السلطات عن معالجة الأعطاب الهيكلية العميقة التي يعاني منها القطاع يهدد بفقدان الثقة في ركيزة أساسية من ركائز الجمهورية الفرنسية.

وتترك الاحتجاجات الطلابية الراهنة في فرنسا بصمات واضحة وتداعيات عميقة على بنية المجتمع الفرنسي، ولا سيما على مجتمع المهاجرين والأحياء والضواحي التي انطلقت منها شرارة الحراك الأولى مثل ضاحية «كريتاي» بباريس. فقد كشفت الاحتجاجات بوضوح عن الهوة الكبيرة في جودة البنية التحتية والموارد بين مدارس المدن الكبرى والمدارس الواقعة في الضواحي ذات الكثافة المهاجرة والطبقات العاملة، حيث تعاني هذه المؤسسات من تهالك المباني واكتظاظ الفصول بشكل أكبر، مما يعمّق شعور أبناء المهاجرين بالتهميش وغياب تكافؤ الفرصة.

على الجانب الآخر، تُمثل هذه الاحتجاجات محطة اندماج سياسي واجتماعي هامة لشباب الأجيال الثانية والثالثة من المهاجرين، حيث يندمج هؤلاء الطلاب جنبا إلى جنب مع زملائهم الفرنسيين للدفاع عن حقوق مشتركة تتعلق بجودة التعليم وظروف المعيشة، مظهرين رغبة في كسر صورته النمطية كفئات منعزلة عن الهموم العامة للجمهورية.

ولا تقتصر تداعيات هذه الاحتجاجات على المشهد العام، بل تمتد لتلقي بظلالها المباشرة على الجالية التونسية الواسعة في فرنسا. فاستنادا إلى الأرقام والإحصائيات الرسمية الصادرة عن الهياكل الرسمية المختصة 

فقد بلغ عدد الطلبة التونسيين المسجلين في مؤسسات التعليم العالي والمدارس الفرنسية  15,224 طالبا وطالبة ، علما ان تونس تحتل المراتب الأولى ضمن قائمة أكثر بلدان المنشأ للطلاب الأجانب في فرنسا.  في حين يُقدر إجمالي عدد أفراد الجالية التونسية المقيمة في فرنسا بـ نحو مليون شخص  . وعلى صعيد العائلات التونسية، يعيش الأهالي حالة متصاعدة من القلق على سلامة أبنائهم في ظل اشتباكات الشوارع وعمليات التوقيف الواسعة التي طالت آلاف القُصر. كما يعاني الطلاب والشباب المنحدرون من اصول تونسية من أعباء نفسية وميدانية مضاعفة، تراوح بين التخوف من ضياع مسارهم الأكاديمي جراء تعطل الدروس وامتحانات التوجيه، وبين الشعور العميق بتداعيات التهميش الخدماتي الذي تعاني منه المدارس في تلك المناطق، مما يعيد طرح تساؤلات كبرى حول تحديات الاندماج والعدالة الاجتماعية التي تواجه أبناء الجاليات المهاجرة في الجمهورية الفرنسية.

ان ما يجري اليوم في فرنسا يحيلنا حتما إلى روح إرثها الفكري العريق، فهي الدولة التي أنجبت أقطاب الأنوار ومؤسسي الفكر التربوي الحديث، بدءا من جان جاك روسو بدعوته لتربية تحترم طبيعة الإنسان وعقله، مرورا بـ «كوندورسيه» المهندس الأول لمدماك «المدرسة الجمهورية» الضامنة للمساواة وتكافؤ الفرص، وصولا إلى الرؤى النقدية لـ «إميل دوركايم» حول وظيفة التعليم كرافعة للعدالة الاجتماعية لا أداة لإعادة إنتاج التفاوت.  ففرنسا اليوم، وهي تواجه هذا الاختبار الوجودي حول تهالك بنيتها التعليمية وعجز سياساتها، تحتاج إلى استنطاق حكمة هؤلاء المفكرين والعودة إلى جوهر الفلسفة الجمهورية التي جعلت من التعليم حجر الأساس في بناء الأمة الفرنسية . فالعودة الجذرية للقيم المؤسسة للعقل والعلم كفيلة بأن تمكن بلد الأنوار من تضميد جراح أزمته الراهنة بأقل الأضرار.

 

 

 

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115