انتخابات ديمقراطية.
قد يفتح صندوق الاقتراع أبوابه، وقد يدلي المواطنون بأصواتهم، وقد تعلن هيئة مختصة النتائج، وقد يحصل الفائز على أغلبية الأصوات، ومع ذلك لا تكون العملية الانتخابية، بالمعنى الديمقراطي، حرة ونزيهة.
فالانتخابات الحرة والنزيهة لا تبدأ يوم الاقتراع، ولا تنتهي عند إعلان النتائج. إنها نتيجة لبيئة سياسية وقانونية ومؤسساتية كاملة، يفترض أن تتوفر فيها حرية الرأي والتعبير والتنظم والاجتماع، وتعددية سياسية، ومساواة بين المترشحين، وقواعد انتخابية واضحة ومستقرة، وهيئة انتخابية مستقلة ومحايدة، وقضاء مستقل قادر على مراقبة العملية الانتخابية، وقاض دستوري يستطيع أن يحمي علوية الدستور.
وفوق ذلك كله، يفترض أن تكون قواعد اللعبة الانتخابية نفسها قد وضعت بطريقة ديمقراطية، أي بمشاركة ممثلي الشعب، لا بإرادة شخص واحد.
وهنا تحديدًا تكمن المسألة التي تطرحها الانتخابات في تونس اليوم.
- الانتخابات ليست يوم الاقتراع
لا ينظر فقه القانون الدستوري والانتخابي الحديث إلى نزاهة الانتخابات باعتبارها مجرد غياب التزوير داخل مكاتب الاقتراع. فحرية الانتخابات تفترض وجود بيئة يستطيع فيها المواطن أن يكوّن رأيه بحرية، وأن يختار بين بدائل حقيقية، وأن يستطيع المترشح عرض برنامجه دون خوف، وأن تتمكن وسائل الإعلام والمجتمع المدني من مراقبة العملية، وأن يكون القضاء قادرًا على التدخل عندما يقع خرق للقانون.
فالانتخابات تبدأ قبل الاقتراع بوقت طويل.تبدأ عندما يكون المواطن حرًا في تكوين رأيه.وتبدأ عندما يكون المترشح حرًا في الترشح وعرض برنامجه.وتبدأ عندما تستطيع الأحزاب والجمعيات ووسائل الإعلام ممارسة وظائفها.وتبدأ، قبل ذلك كله، عندما تكون القواعد التي تحكم المنافسة السياسية نفسها قد وضعت من قبل مؤسسة تشريعية تمثل الشعب، في إطار نقاش علني يسمح بالمراجعة والاعتراض والتعديل.
فالانتخابات لا يمكن أن تكون حرة إذا لم يكن الناخب حرًا، ولا يمكن أن يكون الناخب حرًا إذا كان التعبير عن الرأي يمكن أن يؤدي إلى التتبع الجزائي، ولا يمكن أن تكون المنافسة متكافئة إذا كانت القواعد التي تحكمها قابلة للتغيير بإرادة السلطة التي يفترض أن تخضع هي نفسها للمنافسة والرقابة.
- من يضع قواعد اللعبة؟
السؤال الأهم في أي انتخابات ديمقراطية ليس فقط: من يفوز؟السؤال الذي يسبق ذلك هو:من وضع قواعد اللعبة؟من حدد شروط الترشح؟من حدد حالات المنع؟من ضبط طريقة التزكية؟من حدد الجرائم الانتخابية والعقوبات المترتبة عنها؟من ضبط صلاحيات الهيئة الانتخابية؟ومن يراقب الهيئة؟ومن يفصل في النزاع إذا اختلف المترشحون معها؟
في دولة ديمقراطية، لا يفترض أن تكون الإجابة عن هذه الأسئلة جميعًا: شخص واحد.
فالانتخابات هي الآلية التي يمارس بها الشعب سيادته، ولذلك لا يجوز أن تصبح القواعد المنظمة لها ملكًا للسلطة التي ستطبقها أو ستستفيد من تطبيقها.وهنا تبرز أهمية البرلمان.
فالبرلمان ليس مجرد مؤسسة تصوت على القوانين. إنه المكان الذي تلتقي فيه الإرادات السياسية المختلفة، وتتصادم فيه المصالح، وتُسمع فيه أصوات الأغلبية والأقلية، وتُصاغ فيه القواعد العامة من خلال النقاش والتسوية.وهذا بالضبط ما يجعل التشريع الديمقراطي مختلفًا عن القرار الفردي.
وهنا يستحق هانس "كلسن"، أحد أبرز منظري الديمقراطية الدستورية في القرن العشرين، أن يُستحضر.
لم يكن "كلسن" يعتبر الديمقراطية مجرد وصول شخص إلى الحكم باسم الشعب. بل ربطها بالحرية السياسية، والتعددية، والبرلمان، ومشاركة الجماعات السياسية المختلفة في تكوين الإرادة العامة.
وفي تصنيفه لأشكال الحكم، اعتبر أن طبيعة السلطة التي تتولى إنشاء القواعد العامة هي التي تميز النظام الديمقراطي عن النظام الأوتوقراطي: فإذا كانت السلطة التشريعية موكولة إلى حاكم أو ديكتاتور كان النظام، في هذا المعنى، أوتوقراطيًا، أما إذا كانت تمارس بواسطة برلمان تمثيلي منتخب من الشعب فنكون أمام نظام ديمقراطي.
والأهم من ذلك أن كلسن رفض فكرة الإرادة السياسية الموحدة التي يمكن لشخص واحد أن يدعي تجسيدها.
فالديمقراطية عنده تقوم على التعدد والاختلاف، وعلى وجود أغلبية وأقلية، وعلى إمكانية أن تتحول أقلية اليوم إلى أغلبية غدًا. ولذلك فإن قرار الأغلبية لا ينبغي أن يكون «إملاءً» على الأقلية، بل نتيجة مسار برلماني يقوم على النقاش والتسوية. وقد لخّصت الدراسات الحديثة لفكر "كلسن" هذه الفكرة باعتبار أن مبدأ الأغلبية لديه هو، في الحقيقة، مبدأ الأغلبية والأقلية.ومن هنا يمكن فهم اعتراض "كلسن" الأعمق على تركيز السلطة.
فهو رأى في تركيز السلطة المفرط في يد جهاز واحد خطرًا على الديمقراطية، وربط أهمية القضاء الدستوري بالحيلولة دون تركز السلطة بصورة مفرطة في يد مؤسسة واحدة، سواء كانت البرلمان أو رئيس الجمهورية.
وفي أعماله حول الديمقراطية، ذهب أبعد من ذلك في نقد النظم الرئاسية التي تمنح رئيسًا منتخبًا استقلالًا واسعًا عن البرلمان، محذرًا من أن انتخاب شخص واحد من ملايين الناخبين لا يكفي وحده لصنع تمثيل ديمقراطي فعّال إذا تعذر إخضاعه لرقابة سياسية ومؤسساتية حقيقية.
وهذا هو بيت القصيد.
الديمقراطية لا تعني أن شخصًا واحدًا يحصل على أصوات الناس، ثم يصبح قادرًا على إعادة صياغة قواعد اللعبة التي تحدد مستقبل السلطة دون مشاركة من ممثلي الشعب.
قد يعترض البعض بأن الحديث عن الإجراءات لا ينبغي أن يحجب مضمون الدستور.وهذا اعتراض يستحق التوقف عنده.
فالتاريخ الدستوري يقدم أمثلة على نصوص وخاصة دساتير وُضعت في ظروف استثنائية، أو تحت تأثير قوى أجنبية أو دول منتصرة، أو في ظل إجراءات لا تستجيب تمامًا للصورة المثالية لصناعة الدستور.
لكن المفارقة أن بعض هذه النصوص استطاعت، رغم ظروف نشأتها، أن تؤسس لأنظمة سياسية ديمقراطية ومدنية قائمة على فصل السلطات والتوازن بينها، وحماية الحقوق والحريات، وعلوية الدستور.
ولعل التجربتين اليابانية والألمانية بعد الحرب العالمية الثانية من أكثر الأمثلة دلالة.
فالقانون الأساسي الألماني لسنة 1949 وُضع في ظل احتلال الحلفاء الغربيين لألمانيا. وقد كان للمفوضين العسكريين الغربيين دور مؤثر، كما أن القانون الأساسي الذي أقره المجلس البرلماني الألماني احتاج إلى موافقة سلطات الاحتلال. ومع ذلك، كان النص نفسه يؤسس لجمهورية ديمقراطية وفدرالية، ويؤكد أن كل سلطة الدولة مصدرها الشعب، وأنها تمارس بواسطة هيئات تشريعية وتنفيذية وقضائية منفصلة، ويضع الحقوق الأساسية في صدارة النظام الدستوري.
أما في اليابان، فقد كان تأثير سلطات الاحتلال الأمريكية، ولا سيما قيادة Mc Arthur، في إعداد مشروع الدستور كبيرًا، وكانت الولايات المتحدة قد حددت أهدافًا دستورية تتعلق بالحكومة التمثيلية، والحقوق الأساسية، والانتخاب العام، والتعبير عن الإرادة الحرة للشعب الياباني. ثم مر النص عبر المؤسسات اليابانية إلى أن صدر دستورًا نافذًا.
وهنا تظهر المفارقة:قد تكون طريقة ولادة الدستور محل احتراز ونقد، لكن مضمون الدستور نفسه قد يكون هو الذي يمنح النص شرعيته التاريخية والسياسية اللاحقة عندما يؤسس لنظام ديمقراطي يحمي الإنسان ويحد السلطة.المشكلة إذن ليست فقط: من كتب الدستور؟بل أيضًا: ماذا فعل الدستور بالسلطة؟هل قيدها أم أطلقها؟هل وزعها أم جمعها؟هل جعل الحقوق والحريات حدودًا لها أم جعلها خاضعة لمشيئة الحاكم؟هل أنشأ قضاءً مستقلًا يستطيع مراقبتها؟وهل جعل الشعب مصدر السلطة الحقيقي أم جعل شخصًا واحدًا مركز النظام؟
وهنا تصبح المقارنة أكثر إيلامًا.
لأن تونس لم تكن مضطرة إلى استيراد دستور من قوة أجنبية.ولم تكن بحاجة إلى أن تضع قوة منتصرة نصًا دستوريًا لها.كان لديها، في جوان 2022، أساتذة تونسيون في القانون الدستوري، وفي مقدمتهم العميد الراحل الصادق بلعيد، الذين تولوا في إطار الهيئة الوطنية الاستشارية من أجل جمهورية جديدة إعداد مشروع دستور وتسليمه إلى رئيس الجمهورية يوم 20جوان 2022.
وقد أكد الصادق بلعيد نفسه، بعد نشر النص الذي طرحه رئيس الجمهورية للاستفتاء، أن النص المنشور في الرائد الرسمي لا يمت بصلة إلى المشروع الذي أعدته الهيئة وسلمته إلى الرئيس في 20 جوان. كما عبّر عن اعتقاده بأن النص الذي طرحه الرئيس ينطوي على مخاطر تتعلق بتركيز السلطة.
وكان مشروع 20 جوان يحمل تصورًا مختلفًا جوهريًا.
فقد نص مثلا في فصله العاشر على أن:"تونس جمهورية ديمقراطية اجتماعية تقوم على المواطنة وإرادة الشعب وحماية الحقوق والحريات والتضامن وعلوية الدستور".
وهي عبارة تختصر، في الحقيقة، فلسفة دستورية كاملة.جمهورية ديمقراطية.إرادة الشعب.حماية الحقوق والحريات.علوية الدستور.وهي ليست شعارات منفصلة، وإنما عناصر لا يمكن فصل بعضها عن بعض.فإرادة الشعب لا تكون حرة من دون حقوق وحريات.والحقوق والحريات لا تكون مضمونة من دون قضاء مستقل.والقضاء المستقل يحتاج إلى دستور أعلى من السلطة.وعلوية الدستور تحتاج إلى جهة قادرة على فرض احترامه.والانتخابات الحرة تحتاج إلى كل هذه العناصر مجتمعة.لكن المسار اتجه إلى مكان آخر.
المسألة إذن ليست أن تونس لم تكن تملك بديلًا.كانت تملكه.ولم يكن مشروعًا مفروضًا من مستعمر أو قوة أجنبية، بل كان مشروعًا أعده مختصون تونسيون، وتسلمه رئيس الجمهورية من العميد الصادق بلعيد.
لكن النص الذي صدر لاحقًا كان مختلفًا، واتجه إلى بناء نظام شديد التركيز للسلطة في يد رئيس الجمهورية. واختل فيه التوازن بين السلط والوظائف بشكل لافت وغير مسبوق.
والمفارقة أن دستور 2022، رغم اقتباسه جانبًا مهمًا من باب الحقوق والحريات الوارد في مشروع دستور 20 جوان 2022، فإن النصوص والإجراءات الصادرة عن رئيس الجمهورية بعد دخوله حيز النفاذ جاءت، في جوانب جوهرية، منافية لضماناته ولمكتسبات الحقوق والحريات الوطنية والدولية، ولا سيما في مجالات حرية التعبير والعمل الصحفي والسياسي واستقلال القضاء. وقد عمّق هذا التناقض الفجوة بين الحقوق المعلنة في الدستور وواقع الممارسة، وأسهم في إضعاف ضماناتها وتركيز السلطة بيد رئيس الجمهورية على حساب التوازن بين المؤسسات، بما يثير تساؤلًا جوهريًا حول مدى انسجام هذا المسار مع مقتضيات الديمقراطية وعلوية الدستور وسيادة الشعب والتداول السلمي على الحكم.
والمرسوم عدد 3 لسنة 2026 مؤرخ في 30 سبتمبر 2026 يتعلق بتنقيح القانون الأساسي عدد 23 لسنة 2012 المؤرخ في 20 ديسمبر 2012 المتعلق بالهيئة العليا المستقلة للانتخابات يضع هذه المسألة مجددًا في قلب النقاش، لأنه يتعلق بالهيئة التي يفترض أن تكون مستقلة وأن تتولى إدارة الانتخابات وتنظيمها والإشراف عليها وضمان سلامة المسار الانتخابي ونزاهته وشفافيته.
فإذا أصبحت القواعد المنظمة للانتخابات نفسها قابلة للتغيير بمرسوم صادر عن رئيس الجمهورية، فإن السؤال لا يعود متعلقًا بالتقنية القانونية للمرسوم فقط، وإنما بمبدأ أعمق:من يملك سلطة تحديد شروط المنافسة السياسية؟
- الانتخابات تحتاج إلى بيئة ديمقراطية
لا يمكن اختزال الانتخابات الحرة والنزيهة في ثلاثة أيام: يوم الحملة، ويوم الصمت الانتخابي، ويوم الاقتراع.
إنها تحتاج إلى بيئة كاملة.تحتاج إلى حرية التعبير.تحتاج إلى حرية الصحافة.تحتاج إلى حرية الاجتماع والتنظم.تحتاج إلى أحزاب وجمعيات قادرة على العمل.تحتاج إلى مترشحين متساوين في فرصهم.تحتاج إلى قانون انتخابي مستقر، لا يتغير وفق حاجات اللحظة السياسية.تحتاج إلى هيئة انتخابية مستقلة.تحتاج إلى قضاء مستقل.وتحتاج إلى محكمة دستورية قادرة على حماية الدستور.وتحتاج، قبل كل ذلك، إلى أن تكون القواعد التي تنظم الانتخابات قد صدرت عن مؤسسة تمثل الإرادة الشعبية، لا عن إرادة فردية.
وهنا تصبح الحالة التونسية الحالية موضع تساؤل جدي.
فدستور 2022 ينص على استقلال القضاء وعلى إحداث محكمة دستورية مستقلة، كما ينص على هيئة انتخابية مستقلة تتولى إدارة الانتخابات والاستفتاءات وتنظيمها والإشراف عليها وضمان سلامة مسارها.
لكن المحكمة الدستورية لم تر النور فعليًا.كما أن وضع استقلال القضاء شهد منذ 2022 توترات وانتقادات واسعة، من بينها إعفاء 57 قاضيًا بمرسوم رئاسي سنة 2022، ونقلة القضاة وترقيتهم بنصوص صادرة عن السلطة التنفيذية وطبق إرادتها وهو ما أثار اعتراضات حقوقية وقضائية محلية ودولية.وفي الوقت نفسه، ظلت النصوص الجزائية المتعلقة بالتعبير، وفي مقدمتها المرسوم عدد 54، موضع انتقادات واسعة بسبب أثرها في حرية التعبير والعمل الصحفي والسياسي. وقد وثقت منظمات حقوقية دولية خلال السنوات الأخيرة قضايا تتعلق بتتبع صحفيين ونشطاء ومعارضين بموجب نصوص جزائية اعتبرتها مقيدة للفضاء المدني والسياسي.
وهكذا يصبح السؤال مشروعًا:كيف يمكن أن تكون الانتخابات حرة ونزيهة إذا لم تكن البيئة التي تسبق الانتخابات حرة؟
لا يكفي أن يكون الصندوق شفافًا.يمكن أن يكون الصندوق شفافًا، لكن البيئة المحيطة به ليست كذلك.يمكن أن تكون عملية الفرز سليمة، لكن المواطن الذي وصل إلى الصندوق كان قد كوّن رأيه في فضاء يخشى فيه التعبير.يمكن أن تكون الهيئة الانتخابية قائمة، لكن استقلالها محل نقاش.يمكن أن يكون القضاء موجودًا، لكن استقلاله محل جدل.يمكن أن ينص الدستور على محكمة دستورية، لكن المحكمة غير موجودة.ويمكن أن ينص القانون على حريات، لكن نصوصًا جزائية أخرى تجعل ممارسة بعض هذه الحريات محفوفة بالمخاطر.فهل يمكن عندئذ أن نتحدث عن انتخابات حرة ونزيهة بالمعنى الديمقراطي الكامل؟
السؤال لا يتعلق بالنتائج وحدها.بل يتعلقبكيفية تكوين الإرادة التي أنتجت النتائج.
- الديمقراطية ليست مجرد اختيار الحاكم
وهنا نعود مرة أخرى إلى"كلسن."
فالديمقراطية عنده ليست مجرد اختيار شخص يحكم باسم الشعب، وإنما نظام يسمح باستمرار المنافسة السياسية، وبإمكان انتقال السلطة، وبوجود أغلبية وأقلية، وبحماية الحرية والتعددية.
ولهذا كان يرى أن الديمقراطيةتحتاج إلى إمكانية واقعية لتداول السلطة، وليس مجرد إمكانية قانونية نظرية. فالمواطن الذي يشارك في العملية الديمقراطية يجب أن يعرف أن الأغلبية الحالية يمكن أن تصبح أقلية، وأن الأقلية الحالية يمكن أن تصبح أغلبية، وأن قواعد اللعبة لا تُغلق أمامه.وهذه الفكرة بالذات تجعل الانتخابات مرتبطة بالحريات.فلا معنى لانتخابات لا يستطيع فيها المواطن أن يغيّر رأيه.ولا معنى لتداول السلطة إذا كان المنافس السياسي لا يستطيع التعبير.ولا معنى لسيادة الشعب إذا كان ممثلو الشعب لا يشاركون فعليًا في وضع القواعد التي تحكم الانتخابات.
ولا معنى لعلوية الدستور إذا لم توجد محكمة دستورية قادرة على حماية هذه العلوية.
لقد كان دستور 2014، رغم كل ما يمكن تسجيله عليه من نقائص واحترازات سواء فيما يتعلق بشروط وإجراءات وضعه أو في مضمونه، يقوم على تصور مختلف للعلاقة بين السلطات.
فقد ربط الديمقراطية بالتداول السلمي على الحكم بواسطة الانتخابات الحرة، وبالفصل بين السلطات والتوازن بينها، وبالتعددية وعلوية القانون واحترام الحقوق والحريات واستقلال القضاء.
لكن التجربة انتهت إلى أزمة سياسية ومؤسساتية عميقة.وهنا ينبغي أن نتعلم الدرس الصحيح.فإذا فشلت المؤسسات في ظلّ دستور معين في تحقيق التوازن، فإن الحل لا يكون بالضرورة في إلغاء التوازن.وإذا عجز البرلمان عن أداء دوره، فلا يعني ذلك أن البرلمان هو المشكلة في حد ذاته.وإذا فشلت الأحزاب في إقناع المواطنين، فلا يعني ذلك أن التعددية هي المشكلة.وإذا لم يكن القضاء دائمًا على مستوى الانتظارات، فإن الحل لا يكون في إضعاف استقلاله.وإذا تعمد الفاعلون السياسيون تغييب المحكمة الدستورية قلا يمكن في ظل نظام جديد مواصلة تبني نفس العقلية الانتهازية.فالديمقراطية يمكن أن تفشل في التطبيق، وقد يساهم النص وخاصة الدستور في ذلك، لكن ذلك لا يعني أن البديل هو تركيز السلطة.
الخطر الذي ينبغي أن ننتبه إليه هو أن تتحول الديمقراطية من نظام كامل إلى مجرد إجراء انتخابي.أن يبقى صندوق الاقتراع، لكن تضيق الحرية.أن يبقى المترشح، لكن لا تكون المنافسة متكافئة.أن تبقى الهيئة الانتخابية، لكن تتسع الأسئلة حول استقلالها.أن يبقى القضاء، لكن تتراجع الضمانات المتعلقة باستقلاله.أن يبقى الدستور، لكن لا توجد المحكمة الدستورية.أن يبقى البرلمان، لكن تتقلص قدرته على التشريع والرقابة.
وعندها قد نكون أمام انتخابات موجودة، من دون أن تكون كل الشروط التي تجعلها أداة حقيقية لتداول السلطة موجودة.
وهنا تحديدًا يصبح المرسوم عدد 3 لسنة 2026 أكثر من مجرد نص يتعلق بالهيئة العليا المستقلة للانتخابات.
إنه اختبار جديد لفكرة الانتخابات نفسها.هل الانتخابات شأن إجرائي يمكن للسلطة القائمة أن تعيد تنظيمه كلما اقتضت الحاجة؟أم أنها شأن ديمقراطي تأسيسي يجب أن يشارك الشعب، بواسطة ممثليه، في وضع قواعده؟هل الهيئة التي تدير الانتخابات مستقلة لأنها سميت «مستقلة» في الدستور والقانون، أم أن استقلالها يقاس أيضًا بطريقة تشكيلها وضمانات أعضائها وعلاقتها ببقية السلطات؟وهل يمكن الحديث عن انتخابات حرة ونزيهة عندما تكون الحريات محل قيود، والقضاء محل نزاع حول استقلاله، والمحكمة الدستورية غائبة؟
- أفلاطون: حين يبقى الشكل وتضيع الروح
وهنا قد يكون من المفيدالعودة إلى أفلاطون.
ففي «الجمهورية»، لا ينظر أفلاطون إلى أنظمة الحكم باعتبارها مجرد أشكال قانونية، وإنما يربط بينها وبين حالة النفس التي تعكسها المدينة. والنظام السياسي عنده لا يُقاس فقط باسمه، بل بما يجري داخله من علاقات بين السلطة والحرية والرغبة والقانون.
ومن هنا جاء احترازه من ديمقراطية أثينا عندما تتحول الحرية فيها إلى انفلات، ويصبح غياب القيود والضوابط سببًا في إنتاج نقيضها.ولا ينبغي إسقاط تصنيف أفلاطون حرفيًا على تونس الحديثة.
لكن يبقى في تحذيره سؤال يستحق التأمل:هل يكفي أن نسمي النظام ديمقراطيًا حتى يصبح كذلك؟وهل يكفي أن نجري انتخابات حتى تصبح إرادة الشعب حرة؟
إن الديمقراطية ليست صندوق اقتراع فقط.إنها حرية قبل الصندوق.وهي قانون قبل الصندوق.وهي قضاء مستقل قبل الصندوق.وهي إعلام حر قبل الصندوق.وهي تعددية قبل الصندوق.وهي برلمان يشارك في وضع قواعد اللعبة قبل الصندوق.وهي محكمة دستورية تحمي القواعد العليا قبل الصندوق.
وهي، قبل كل شيء، قدرة المواطن على أن يقول «نعم» أو «لا» دون خوف، وأن يختار بين بدائل حقيقية، وأن يعرف أن من يحكمه اليوم يمكن أن يحكمه غيره غدًا.
أما اليوم، وبعد سلسلة النصوص التي أعادت ترتيب السلطة والمؤسسات، وبعد المرسوم الجديد المتعلق بهيئة الانتخابات، فإن السؤال لم يعد فقط: كيف ستجرى الانتخابات؟بل:في أي بيئة ستجرى؟ومن سيضع قواعدها؟ومن سيراقبها؟ومن سيحمي الحريات التي تجعل الاختيار حرًا؟ومن سيحمي الدستور إذا وقع الخلاف حول احترامه؟ومن يستطيع أن يضمن أن إرادة الشعب ليست مجرد اسم يستعمل لتبرير إرادة السلطة؟ذلك هو جوهر المسألة.
فالانتخابات الحرة والنزيهة ليست أن يضع المواطن ورقة في صندوق.الانتخابات الحرة والنزيهة هي أن يكون المواطن حرًا عندما يقرر ماذا سيضع في الصندوق، وأن يكون حرًا في أن يختار غيره في المرة القادمة. وأن تكون ليده ثقة في استقلالية هيئة الانتخابات ونزاهة أعضائها واستقلال قضائها.
وإذا لم تتوفر هذه الشروط، فإن الخطر لا يكمن في غياب الانتخابات، وإنما في أن تبقى الانتخابات حاضرة في الشكل، بينما تغيب الديمقراطية في المضمون. وعندها قد يتحول المرسوم، من أداة استثنائية لتنظيم شأن عام، إلى عمل فرجوي تستعرض من خلاله السلطة قدرتها على الفعل، ويصبح القانون أقرب إلى تعبير عن نزوة الحاكم منه إلى تجسيد لإرادة عامة صاغها ممثلو الشعب ونوقشت أمامه.
وهنا تكمن المفارقة: فالديمقراطية ليست في إرضاء نزوات الحاكم، ولا في إرضاء الجيران من الشرق ومن الغرب، وإنما في إرضاء طموح شعبنا إلى حياة أفضل، حياة قوامها الحرية والكرامة والعدالة، ويكون فيها القانون تعبيرًا عن الإرادة العامة لا عن إرادة فرد، والانتخاب وسيلة لاختيار من يحكم، لا مجرد مشهد يكتمل به فرج السلطة.
فالشعب لا يحتاج إلى انتخابات تُرضي السلطة، وإنما إلى انتخابات تمكّنه من اختيار السلطة وتغييرها. وتلك، في النهاية، هي المسافة الفاصلة بين ديمقراطية تُمارس وديمقراطية تُعرض.
بقلم أمين محفوظ