ننظر منها إليها، وباختلاف المنطلقات الفكرية والفلسفية التي تحدد رؤيتنا للعالم. لكن هناك ثابتًا لا يتغير، هو تطلع الإنسان، في كل مكان، إلى الحرية والكرامة. ورغم اختلاف الرؤى، تبقى قوى الجذب إلى الوراء، في كل زمان ومكان، هي ذاتها.
بلا شك، نحن نعيش مرحلة من تاريخنا نشهد فيها اليوم صعود قوى المحافظة والجذب إلى الوراء، ممثلة في اليمين الشعبوي بكل تلويناته، على عواصم العالم. فقد شهدنا خلال السنوات الأخيرة تساقط دول أمريكا اللاتينية، التي كانت تعتبر معقل اليسار العالمي، دولة تلو أخرى بيد اليمين المحافظ والشعبوي. آخر العنقود قد تكون البرازيل، التي تقدم فيها مرشح اليمين المحافظ على منافسيه هذا الأسبوع، في انتظار الدور الثاني من الانتخابات. وفي القارة العجوز لا يختلف الأمر كثيرًا؛ فبعد إيطاليا وميلوني، يتقدم مرشحو اليمين الشعبوي في أكثر من بلد أوروبي، بينما تشير استطلاعات الرأي إلى استمرار تقدم مارين لوبان وحزبها في فرنسا للفوز في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
إذا اعتبرنا أن هوية اليمين الشعبوي، في بعض أشكاله، تحددها نظرته المنغلقة إلى المسألة العرقية أو الدينية، ورفضه للآخر المختلف، وأنه يفضل النموذج القديم السائد، المغلب لقيم الجماعة على حساب حريات الأفراد، فإن هذا اليمين يقترب من النزعة الفاشية عندما تتحول هويته إلى مشروع إقصائي يقوم على العداء للتعددية والأنماط الاجتماعية المحدثة.
أما عندنا، فإن تحديد اليمين الشعبوي لا يحتاج إلى كثير عناء في التصنيف. فاليمين المحافظ والشعبوي لم يغادرا منطقتنا إلا فيما ندر منذ قيام دول الاستقلال. وفي الحقيقة، من العسير العثور على نماذج في تاريخنا المعاصر نستطيع القول فيها إننا غادرنا مربع السلط الأبوية المحافظة الشعبوية.
فمواقف اليمين الشعبوي في منطقتنا لا تختلف جوهريًا عن مواقف اليمين الشعبوي في الضفة الشمالية للمتوسط أو في مناطق أخرى من العالم. هنا كما هناك، ظل اليمين الشعبوي، بكل أشكاله الدينية والوطنية، يساند الرؤية المحافظة للمجتمع على حساب قيم التحرر، ويعتمد في كثير من الأحيان على استدعاء الهوية والخوف من الآخر.
وينطبق ذلك على مختلف القضايا التي يطرحها اليمين المحافظ. وحتى في المواقف التي تبدو في ظاهرها تحررية، كدعوة اليمين المتطرف الفرنسي، مثلًا، إلى منع الحجاب باعتباره زيًا طائفيًا إسلاميًا، فإن هذا الموقف، رغم شعارات التحرير التي يرفعها، يقوم في جوهره على تقييد حرية الفرد في اختيار ملبسه.
فالحجاب، أو الكيبا (القبعة اليهودية)، أو الصليب، أو التوشح الكامل بالسواد، أو حتى التعري شبه الكامل، كلها تندرج ضمن الحريات الفردية في مجتمع الحداثة. ومن هذه الزاوية، فإن المطالبة بحظر الحجاب لا تختلف، من حيث المبدأ، عن المطالبة بفرضه وإجبار الفتيات على ارتدائه في كثير من أوطاننا في الجنوب من قبل القوى الإسلامية المحافظة والمتطرفة. ففي الحالتين معًا تُصادر حرية الفرد، وإن اختلفت المرجعيات والشعارات.
ولنا في بلاد الجنوب نظائر لهذه المواقف اليمينية الشعبوية لدى القوى المحافظة والمتطرفة في العشريات الماضية و التي فرضت مثلا الحجاب وبعض مظاهر التدين الشكلي في كثير من الدول.
كما عرفنا، في السنوات الأخيرة، تناظر في شعبوية الشمال والجنوب من خلال قضية الهجرة والمهاجرين. ففي أوج الحملات العنصرية التي شملت الأفارقة جنوب الصحراء في العديد من المدن التونسية، شهدنا استنساخًا لشعارات معاداة الأجانب مصدّرة من شعارات شعبوية دول الشمال.
حينها انتشر حمّى الخوف مما سمي بالاستيطان، وما رُوِّج آنذاك من تغيير للتركيبة السكانية للسكان الأصليين!
هي كذلك ماكينة الشعبوية في جميع نسخها شمالا وجنوبا تعتمد الخوف من الآخر، والتخويف به.
والخوف والتخويف هنا يبقى من أهم أدوات اليمين الشعبوي التي قد تنحرف إلى النزعة للسيطرة والتحكم في الشعوب وقمعها… وتلك قصة اخرى.
بقلم: هادي يحمد