الذكاء الاصطناعي، انتقلت إلى مرحلة أكثر طموحاً تتمثل في تعميم استخدام هذه التكنولوجيا في الاقتصاد والمجتمع من خلال استراتيجيتها الوطنية الجديدة “الذكاء الاصطناعي للجميع (AI for All)”. وتهدف هذه الاستراتيجية إلى تحويل الذكاء الاصطناعي من تقنية يستخدمها الباحثون والشركات الكبرى إلى أداة يومية تعزز إنتاجية الشركات، وترتقي بالخدمات الحكومية، وتوفر فرصاً اقتصادية لجميع المواطنين.
ترتكز الرؤية الكندية على فكرة بسيطة لكنها عميقة: لا تتحقق فوائد الذكاء الاصطناعي إلا إذا وثق الناس فيه، وتعلموا استخدامه، وتمكنوا من الوصول إليه. ولهذا بنيت الاستراتيجية على ثلاث قيم محورية هي الثقة، والفرص، والسيادة الرقمية، باعتبار أن تبني التكنولوجيا هو الحلقة التي تربط هذه القيم جميعاً. فلا يمكن للمواطنين أو المؤسسات أن يعتمدوا الذكاء الاصطناعي دون ضمانات قانونية وأخلاقية، كما لا يمكن أن تستفيد الدولة اقتصادياً إذا ظلت تعتمد بالكامل على بنية تحتية وتقنيات أجنبية.
ولتحقيق هذه الرؤية، وضعت الحكومة الكندية ستة محاور استراتيجية متكاملة.
أول هذه المحاور هو حماية المواطنين والديمقراطية. فالثقة تُعد أساس نجاح أي تحول رقمي. ولذلك تعهدت الحكومة بتطوير تشريعات الخصوصية، وتعزيز سلامة الذكاء الاصطناعي، وإنشاء آليات وطنية لتقييم مخاطر النماذج المتقدمة، واعتماد وسائل للتحقق من المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي، إضافة إلى برنامج وطني يمنح شهادة اعتماد للأنظمة الموثوقة، بما يساعد الأفراد والمؤسسات على التمييز بين التطبيقات الآمنة وغير الآمنة. كما خصصت استثمارات لتقوية الأمن السيبراني وحماية المؤسسات العامة من المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
أما المحور الثاني فيتمثل في تمكين المواطنين وبناء مجتمع يمتلك مهارات الذكاء الاصطناعي. وتطمح كندا إلى أن تصبح “أمة تتمتع بثقافة الذكاء الاصطناعي”، حيث يحصل جميع المواطنين على تدريب مجاني في أساسيات استخدام هذه التكنولوجيا. وتشمل الخطة الوصول إلى مليون طالب في مؤسسات التعليم العالي، وتدريب آلاف المعلمين، وتوفير مساعدين ذكيين موثوقين لجميع الطلبة، إلى جانب خلق نحو 90 ألف فرصة عمل وتدريب مرتبطة بالذكاء الاصطناعي للشباب بحلول عام 2031. كما تؤكد الاستراتيجية على ضمان أن تعكس تطبيقات الذكاء الاصطناعي التنوع اللغوي والثقافي الكندي، مع دعم خاص للغة الفرنسية وللإبداع الثقافي.
ويُعد تعميم استخدام الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد الركيزة الثالثة للاستراتيجية. فالحكومة ترى أن القيمة الاقتصادية الحقيقية لن تتحقق من خلال تطوير الخوارزميات وحدها، بل عبر استخدامها على نطاق واسع في الشركات والإدارات العمومية. ولهذا تستهدف رفع نسبة اعتماد الشركات الكندية للذكاء الاصطناعي من نحو 12% حالياً إلى 60% بحلول عام 2034، مع التركيز على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تمثل العمود الفقري للاقتصاد الكندي. كما تعمل الحكومة على تحديث الخدمات العامة، وتسريع رقمنة الإدارة، واعتماد الذكاء الاصطناعي لتحسين جودة الخدمات مع الإبقاء على الإشراف البشري في القرارات الحساسة.
أما الركيزة الرابعة فهي بناء سيادة كندية في مجال الذكاء الاصطناعي. وتدرك الحكومة أن امتلاك التطبيقات وحده لا يكفي، بل يجب امتلاك البنية التحتية الحاسوبية اللازمة لتطويرها وتشغيلها. لذلك أعلنت عن إنشاء حاسوب فائق عالمي المستوى، وتوسيع مراكز البيانات الوطنية، وتعزيز الحوسبة السحابية الكندية، ودعم صناعة الرقائق الإلكترونية، إضافة إلى الاستثمار في شبكات الاتصال عالية السعة. كما تستهدف زيادة عدد الباحثين المتميزين عبر توسيع برنامج كراسي الذكاء الاصطناعي واستقطاب أفضل الكفاءات العالمية.
وتخصص الركيزة الخامسة لدعم الشركات الكندية الرائدة. فبدلاً من الاكتفاء بتوفير التمويل، تسعى الحكومة إلى أن تصبح زبوناً استراتيجياً للشركات المحلية من خلال اعتماد حلولها داخل الإدارات العمومية، بما يساعدها على النمو والمنافسة في الأسواق العالمية. كما تعمل على دعم تطوير النماذج الأساسية مفتوحة المصدر، وتحويلها إلى أصول استراتيجية يمكن تصديرها عالمياً، بما يعزز استقلالية كندا التكنولوجية ويخلق شركات عالمية المنشأ كندية.
أما الركيزة السادسة فتتمثل في بناء شراكات دولية موثوقة. فبينما تسعى كندا إلى تعزيز سيادتها الرقمية، فإنها تؤمن أيضاً بأهمية التعاون مع الدول التي تتقاسم القيم الديمقراطية نفسها، سواء في تطوير المعايير الدولية، أو الاستثمار المشترك في الابتكار، أو فتح الأسواق العالمية أمام الشركات الكندية، مع الحفاظ على استقلالية القرار الوطني في المجالات الاستراتيجية.
وحددت الاستراتيجية مجموعة من الأهداف الكمية الطموحة بحلول العقد القادم، من أبرزها توفير تدريب مجاني في الذكاء الاصطناعي لجميع الكنديين، وخلق ما يصل إلى 250 ألف وظيفة جديدة نتيجة تعميم استخدام الذكاء الاصطناعي، ورفع إنتاجية الاقتصاد بما يضيف قرابة 200 مليار دولار كندي إلى الناتج المحلي الإجمالي، إضافة إلى بناء حاسوب فائق عالمي المستوى، وتطوير بنية تحتية وطنية للحوسبة السيادية، وتعزيز انتشار الذكاء الاصطناعي في قطاعات الصحة والعلوم الحيوية، والصناعة، والخدمات الحكومية، والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
تكشف التجربة الكندية أن الريادة في الذكاء الاصطناعي لم تعد تقاس بعدد الأبحاث العلمية أو الشركات الناشئة فحسب، بل بقدرة الدولة على تحويل التكنولوجيا إلى مشروع وطني شامل يخدم المواطن والاقتصاد في آن واحد. فاستراتيجية “الذكاء الاصطناعي للجميع” تمثل انتقالاً من مرحلة الابتكار إلى مرحلة التبني الواسع، ومن اقتصاد المعرفة إلى اقتصاد قائم على الاستخدام المكثف للذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات. وهي بذلك تقدم نموذجاً متكاملاً يربط بين الاستثمار في الإنسان، وتطوير البنية التحتية، ودعم الابتكار، وترسيخ الثقة، باعتبارها العناصر الأساسية لبناء اقتصاد رقمي أكثر إنتاجية وسيادة وتنافسية.
بقلم :أنيس الوهابي