الدين غير المرئي الذي يخنق المرفق العمومي : الدولة سيئة السداد: الموت البطيء للمؤسسات العمومية

كل سنة، يعد قانون المالية بتوفير التعويضات

وكل سنة، لا يتم صرف جزء منها. وإلى جانب ذلك، هناك واقع أكثر قسوة: الدولة والإدارات والمستشفيات والبلديات والمؤسسات العمومية تستهلك الكهرباء والوقود والماء والنقل، لكنها لا تدفع مستحقاتها. فهي لا تسدد فواتيرها لفائدة الشركة التونسية للكهرباء والغاز، ولا الشركة الوطنية لتوزيع البترول، ولا الصناديق الاجتماعية. وهكذا تتحول المؤسسات العمومية إلى جهات تمنح الائتمان للدولة. ثم تضطر إلى الاقتراض لمواصلة نشاطها. إلى متى يمكن أن يستمر ذلك؟

الآلية بسيطة. فالدولة تفرض أسعاراً اجتماعية للكهرباء والماء والنقل والحبوب والحليب. وتتعهد بتوفير تعويض يغطي الفارق بين التكلفة الحقيقية وسعر البيع. لكنها تسدد هذه التعويضات بتأخير، أو بشكل جزئي، أو لا تسددها إطلاقاً. وهذا الفارق الزمني ينتقل عدواه إلى كامل القطاع العمومي: ديوان الحبوب، الشركة التونسية للكهرباء والغاز، الشركة التونسية لصناعات التكرير، المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية، شركة نقل تونس، الشركة الوطنية للسكك الحديدية التونسية، والصناديق الاجتماعية.

الأرقام تثير الذهول. ففي منتصف سنة 2026، يُقدّر أن تبلغ ديون ديوان الحبوب تجاه البنك الوطني الفلاحي 7 مليارات دينار، تضاف إليها 3 مليارات دينار في شكل صكوك خزينة غير قابلة للتحصيل. كما يُقال إن إجمالي ديون الشركة التونسية للكهرباء والغاز يتجاوز 7 مليارات دينار، من بينها 2.5 مليار دينار من المستحقات غير المسددة. وتراكمت لدى الشركة التونسية لصناعات التكرير خسائر بقيمة 1.2 مليار دينار، إلى جانب مستحقات على الدولة بقيمة 785 مليون دينار. وتحمل شركة نقل تونس ديوناً تجاه الدولة بقيمة 275 مليون دينار، إلى جانب عجز سنوي قدره 235 مليون دينار. كما تدين الشركة الوطنية للسكك الحديدية التونسية للصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية وللشركة الوطنية لتوزيع البترول بـ372 مليون دينار. في حين تملك المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية مستحقات بقيمة ملياري دينار لدى الشركة التونسية للكهرباء والغاز. أما في قطاع الحليب، فقد بلغت التعويضات غير المسددة 380 مليون دينار في نهاية سنة 2024.

هذه المبالغ ليست مجرد حوادث محاسبية. إنها خيارات سياسية لم يقع تحمّل تبعاتها بوضوح.

الدولة الحريف غير المسدد: الضربة الثانية

 إلى جانب التعويضات غير المصروفة، تأتي الفواتير غير المسددة. وهذه الضربة الثانية تستهدف مباشرة السيولة النقدية. فالدولة والإدارات والجماعات المحلية والمستشفيات والدواوين وعدد كبير من المؤسسات العمومية تستهلك الخدمات. كما أنها مطالبة جميعاً بدفع الاشتراكات المستوجبة عليها، لكنها تراكم، في معظم الحالات، متخلدات مالية.

وتوجد الشركة التونسية للكهرباء والغاز في الخط الأمامي. إذ يأتي جزء من مستحقاتها غير المسددة من الإدارات والمؤسسات والهيئات العمومية. فالدولة لا تسدد الكهرباء التي تستهلكها، لكنها تطالب الشركة التونسية للكهرباء والغاز بمواصلة التزويد والاستثمار وصيانة الشبكة. كما توفر الشركة الوطنية لتوزيع البترول الوقود للإدارات والمؤسسات العمومية، في حين يتعين عليها، في المقابل، تسديد كلفة وارداتها. وتواجه الصناديق الاجتماعية الصدمة نفسها: فالصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لا يتلقيان دائماً الاشتراكات المستوجبة لهما. وفي النهاية، يكون المتقاعدون والمرضى هم من ينتظرون.

والأثر ميكانيكي. فالمؤسسة التي لا تحصل على مستحقاتها تضطر إلى الاقتراض. والاقتراض له كلفة تتمثل في الفوائد. وهذه الفوائد تؤدي إلى تفاقم العجز. والعجز يبرر اللجوء إلى مزيد من الاقتراض. وفي الأثناء، تتأجل أعمال الصيانة، وتتجمد الاستثمارات، وتتدهور التجهيزات، وتغادر الكفاءات. وتتراجع جودة الخدمات. ويحتج المستعملون. بينما تواصل الدولة التعهد بالإصلاحات من دون أن تسدد فواتيرها.

الحيل المؤقتة بلغت حدودها

في السابق، لجأت الدولة إلى عدة حلول: البنوك العمومية بضمان الدولة، والديون الدائرية بين المؤسسات العمومية، وتأجيل السداد، وجدولة الديون، وإلغاؤها، واللجوء إلى الاقتراض الخارجي. وقد نص قانون المالية لسنة 2026 على إلغاء الديون الجبائية للشركة التونسية للسكر، وكذلك الديون الديوانية المستوجبة على ديوان التجارة.

لكن كل هذه الحلول لا تفعل سوى نقل الدين عبر الزمن ومن جهة إلى أخرى. فالتمويل البنكي ينقل الدين من الدولة إلى المؤسسة، ثم إلى البنك، ثم يعيده مرة أخرى إلى الدولة. أما الديون الدائرية، فتنقل الدين من مؤسسة إلى أخرى من دون أن تلغيه. وإلغاء الديون يمحو أثراً محاسبياً، لكنه لا يخلق أي مورد. أما الاقتراض الخارجي فيؤجل العبء إلى الأجيال المقبلة. ولا يعالج أي من هذه الحلول أصل المشكلة: عدم كفاية موارد التعويض وغياب الانضباط في سداد الدولة والمؤسسات التابعة لها لمستحقاتها. ولذلك تتكرر الآلية نفسها. ومع كل دورة، يتفاقم الوضع: ديون متراكمة، وفوائد إضافية، وضمانات متزايدة، وقدرة أقل للدولة على التحرك.

هل سيتم سداد هذه المستحقات؟

بصراحة: لا. ليس بالكامل، وليس في ظل الظروف الحالية. فهذه المبالغ تتجاوز القدرات المالية للميزانية، في وقت تتراكم فيه احتياجات جديدة كل سنة. فهل نترك المؤسسات العمومية تموت ببطء؟ إن هذا السيناريو مكلف وغير عادل. فهو يعني تدهور الخدمات العمومية، وتكرار الأعطاب، ونقص المواد والخدمات، وفقدان الكفاءات، ومزيداً من الارتهان إلى الاقتراض الخارجي. وسيدفع المواطنون الثمن مرتين: أولاً من خلال أسعار مصطنعة الانخفاض، ثم من خلال تدهور الخدمات والضرائب المستقبلية.

والحل الوحيد الواقعي على المدى القصير يتمثل في المقاصة متعددة الأطراف. أي حصر ما تدين به الدولة للمؤسسات العمومية، وما تدين به هذه المؤسسات للدولة وللبنوك العمومية وللصناديق الاجتماعية، ثم إطفاء الديون المتبادلة فيما بينها. وهذا لا يخلق ثروة، لكنه يعيد ترتيب الحسابات. كما يحول دون اضطرار المؤسسات العمومية إلى دفع فوائد على مستحقات لا تقوم الدولة بسدادها.

لكن المقاصة لن تكون كافية. فهي تعالج رصيد الديون المتراكمة**، ولا تعالج **تدفقاتها المستقبلية. فإذا واصلت الدولة التعهد بتعويضات من دون صرفها، واستهلاك الخدمات من دون دفع مقابلها، فإن المشكلة ستعود إلى الظهور من جديد.

ماذا يجب فعله؟

يجب الخروج من حالة الغموض. فإما أن تتحمل الدولة كلفة سياستها الاجتماعية وتسددها، وإما أن تنقل هذا العبء إلى المؤسسات والمستعملين. لكن لا يمكن أن تفعل الأمرين معاً.

ويقتضي ذلك: تدقيق المتخلدات ونشرها للعموم؛ وتنظيم مقاصة متعددة الأطراف تشمل الديون التجارية غير المسددة والاشتراكات الاجتماعية؛ وتسديد التعويضات والفواتير بصورة آلية، مع إقرار فوائد تأخير؛ وحماية الخدمات الأساسية من دون منح شيك على بياض؛ وإظهار حقيقة الأسعار وتوجيه الدعم إلى الفئات الفقيرة؛ وإبرام عقود واضحة مع كل مؤسسة؛ وإعادة رسملة المؤسسات أو إعادة هيكلتها؛ وتعزيز الحوكمة ومكافحة الفساد.

السؤال بسيط: هل تحكم هذه الديون على المؤسسات العمومية بالموت البطيء؟ نعم، إذا واصلنا التظاهر بأن شيئاً لا يحدث.

ولا، إذا اخترنا أن ندفع، أو نصلح، أو نصفي.

فالدولة لا يمكن أن تكون في الوقت نفسه حريفاً ومساهمًا ومنظماً ومصرفاً وحَكماً. عليها أن تختار دورها. وأن تسدد فواتيرها.

ان الموت البطيء ليس قدراً محتوماً. انه خيار سياسي وهو خيار سيئ، علينا ان نغييره طالما لازال ذلك ممكنا.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115