مدنين والمدن القريبة منها.يشتغل في التدريس منذ ثلاثة عقود وخاض تجارب سياسيّة ونقابيّة منذ سنوات الاُستبداد وحتّى العشريّة الأولى بعد الثورة. لكنّه هجر كلّ ذلك منذ خمس سنوات وتفرّغ لعمله أوّلا وللكتابة ثانيا مدركا أنّ معركة المثقّف المبدع الحقيقيّة هي مع اللّغة فمثلما تكون اللّغة أداة اُستلاب وقمع يمكن أيضا أن تكون أداة تحرّر.
أصدر الفتحي أربعة أعمال:"ظمأ شديد وجنون"و"خربشات متفحّمة على جدران سدوم" وهما مجموعتا نصوص مختلفة ثمّ أصدر روايتين قصيرتين "لكنّه حدث ياصفيّة"و"حبل غسيل" ويستعدّ لإصدار روايتين جديدتين هما "الجثّة"و"فريب" وقد كان لنا معه لقاء للاُقتراب من مسيرته.
*ما الّذي جاء بك إلى عالم الكتابة؟ وهل جئت متأخّرا؟
ربّما هو البحث عن المعنى. الكتابة هي جزء من رحلة بحث عن المعنى في واقع يتهاوى فيه كلّ شيء وتسوده التّفاهة.
أمّا هل جئت متأخّرا؟ ربّما.لكنّي مارست الكتابة في الثانويّة والجامعة. ليس بشكل احترافيّ ودائم ولكنّي كتبت ونشرت بعض النصوص هناوهناك وشاركت في مسابقات وفزت بجوائز محلّية وصغرى. لقد اُستهلكني الشأن العامّ ردْحا من حياتي. فلنقل ضللت الطريق سنوات ثمّ عدت واُستعدت ذاتي وقلمي وبدأت رحلة الكتابة من جديد.
* أنت كاتب متعدّد الروافد : أستاذ حاليّا وناشط سياسيّ ونقابيّ سابقا. كيف أثّرت كلّ هذه الرّوافد في كتاباتك؟
لاشكّ أنّ الكتابة تحتاج إلى خبرة في الحياة ورصيد من التجارب والقراءات. لاتستطيع أن تكون كاتبا إذا لم تملك الموهبة ثمّ الرّغبة ثمّ الثّقافة الضروريّة ثمّ الاُلتزام .وقد اُستفدت من كلّ ذلك .أعني من مهنتي ومن تجربتي مع النّاس ومن مطالعاتي.
* تعيش مدنين حركة ثقافيّة نشيطة : توقيعات وندوات وملتقيات .إلام تردّ هذا الحراك الثقافيّ؟ وهل ينبئ بشيء؟
إن مدنين الّتي تشتهر بأنّها سوق اُقتصاديّ كبير عرفت وتعرف نشاطا ثقافيّا مهمّا.فقد تعاقبت فيها أجيال أسّست لحراك ثقافيّ معتبر. تجد فيها مهرجانات ثقافيّة عامّة وفيها أعرق مهرجان مختصّ وهو المهرجان الوطنيّ لمسرح التّجريب. وفيها كتّاب من أجيال مختلفة.ومثل هذا الحراك الثّقافيّ المتنامي يؤشّر أنّ مدنين بصدد التحوّل من مجرّد سوق وقرية كبيرة إلى مدينة.كما إنّ سهولة الاُندماج فيها والتنوّع الدّيموغرافيّ السائد بين أهلها وثراء تاريخها وروافدها المتعدّدة واُستقرار سكّانها ونمط العيش المقبول الغالب عليها يجعلها مؤهّلة لتكون مدينة ثقافيّة ومدينة الكتابة والكتّأب والشّعراء.
*عندما نشرت كتابك الأوّل "ظمأ شديد وجنون" كتبت في العقد القرائيّ بين قوسين(نصوص) ولم تكتب(مجموعة قصصيّة) ولاغيرها .إلام يعود هذا الاُختيار؟ ولماذا هذا التعدّد الأجناسيّ؟
ككلّ كاتب مبتدئ مازال يتلمّس طريقه ويبحث عن وجهته المفضّلة كانت تجاربي الأولى في "ظمأ" وفي"خربشات" لذلك اُجتمعت فيها نصوص من أجناس متباينة كالقصّة القصيرة والسّيرة والخاطرة والتّأمّلات والمذكّرات. لقد كانت الكتابة في البداية بمثابة مغامرة في "التجريب".
*في كتابك الثّاني"خربشات متفحّمة على جدران سدوم" كانت النّصوص قصيرة وأقرب إلى التأمّلات والخواطر. ماهي الرّسائل الّتي أردت إبلاغها؟
ربّما هي نصوص كما يدلّ عليها عنوانها.مجرّد خربشات .والخربشة كما نعلم هي أثر نتركه في الهوامش .هي نصوص الهامش على جدران من خراب لذلك غلب عليها طابع التأمّل.فالخربشة عموما نصوغها في شكل شعار أو حكمة أوعبارات اُحتجاج أو نحاول من خلالها ترسيخ شيء نخشى عليه الاُندثار والنّسيان.
* في "لكنّه حدث ياصفيّة" وحبل غسيل" خضت تجربة الرّواية القصيرة. ماهي الأسباب والتحدّيات والنّتائج؟
بدأت هذه التّجربة مع الأستاذ حكمت الحاج وهو كاتب وإعلاميّ عراقيّ مقيم في المهجر أطلق مبادرة في شكل بيان تأسيسيّ لخوض غمار تجربة كتابة "النوفيلا" أو الرّواية القصيرة وقد أمضى عليه كتّاب من المشرق والمغرب ومن المهجر .وتكفّلت منشورات كناية في السّويد الّتي يديرها الأستاذ حكمت بنشر هذه النّصوص.
والسبب الّذي حفّزنا على خوض غمار هذه التّجربة أنّ الرّواية القصيرة تبدو أكثر اُنسجاما مع روح العصر الّذي تحوّل فيه المتقبّل من قارئ متأنّ إلى متصفّح سريع ومضغوط "فرأينا أن نخاطب ذائقة هذا الجمهور من الأجيال الجديدة ونعيد المصالحة بينه وبين الكتاب.ونخن نعتقد أنّ نصّا مكثّفا مثل"النوفيلا" يمكنه أن يحقّق هذه الغاية.
ثمّ واصلت التجربة في تونس إذ تبنّت دور نشر تونسيّة هذه المغامرة فصدرت لي رواية قصيرة ثالثة عن دار خريّف للنشر بعنوان"الجثّة" وهي الّتي تحصّل مخطوطها على جائزة الاُستحقاق ضمن جوائز ناجي النّعمان الأدبيّة العالميّة لهذه السنة في لبنان.وستصدر روايتي القصيرة الرّابعة الّتي تحمل عنوان"رجل الصّدفة" خلال أشهر عن دار يافا للنشر.
وبعد هذه العناوين يمكن للقارئ والناقد تقييم تجربتي في كتابة الرّواية القصيرة ويمكن ملاحظة أثرها في القرّاء خاصّة من الأجيال الجديدة.
وبالتوازي مع هذه التّجربة لم أنقطع عن كتابة النصوص القصيرة الّتي نشرت بعضها في كتب جماعيّة أو في مواقع عربيّة مختلفة .كذلك كتبت رواية ليست قصيرة بعنوان"فريب" ستصدر بتونس خلال العام عن دار خريّف للنّشر وفيها أرصد التحوّلات الاُجتماعيّة والاُقثصاديّة في تونس من خلال ظاهرة "الفريب".
* في ظلّ تزايد الاُعتماد على الذكاء الصناعيّ. ما مستقبل الكتابة عموما والأدب خاصّة؟
أعتقد أنّ الذكاء الصناعيّ مهما بلغ من تطوّر لايحلّ محلّ الإنسان .ربّما يساعدنا في الكتابة ولكنّه لن يفكّر بدلا عنّا .يمكننا الاُستفادة منه في مجالات كثيرة منها الأدب والكتابة.ولكن العمق الإنسانيّ والمشاعر والخيال والأفكار يظلّ مصدرها الإنسان بالضرورة.
* فقدت المدينة منذ أشهر أحد.أشهر أعلامها وهو توفيق الغزال وتناقلت وسائل التواصل خبر وفاته وأشادت بكريم صفاته.لماذا أجمع النّاس على حبّ هذا الرّجل؟ ماذا تعلّمت منه؟ وماذا ترك فيك؟
فعلا. رحم الله أستاذ الأجيال توفيق الغزال الّذي ترك فقده فراغا كبيرا معرفيّا وإنسانيّا .فهو نموذج للأستاذ الّذي أفنى حياته وضحّى
حوار: سعيد بوالشنب