حديث الكلمة..! ليس الزّمن وحده الذي ربما نحتاج جميعا إلى إعادة النظر في علاقتنا به بل الكلمة أيضا..

هي أقدم من الكتابة، وأسرع من الصوت

وأطول عمرا من أصحابها ، هي أمضى من السّيف و هي الحدّ بين الشّجاعة و الخوف ، كلمة واحدة قد تفتح بابا، وأخرى قد تغلقه، وثالثة قد تشعل حربا، ورابعة قد تنهيها ، ومع ذلك فعلاقتنا بالكلمة يشوبها التباس تاريخيّ مزمن ، لا نزال نرى في الكلمات طاقة متجدّدة لا يُخشى نضوبُها و شمسا مشرقة متجدّدة لا يُتوقّع غروبُها .. تركيب لحروف نحصل عليها بالمجان فنوزّعها بلا حساب، ونستردّها بعد فوات الأوان.

والكلمة في أصلها شيء عجيب ، هي مجرد هواء يخرج من الفم فيغدو صوتا ، أو حبر يستقر على الورق فيصبح معنى ، أو حروف تظهر على شاشة مضيئة ، لا وزن لها تقريبا ولا حجم، لكنها تستطيع أن تحمل جبلا من المعاني، أو تهدم جبلا من العلاقات.

قديما كانت الكلمة تحتاج إلى أشهر كي تسافر مع القوافل ، أو يُحتفى بها فتُعلّق على الأستار ليؤتى إليها من بعيد ، يقولها المرء فيسمعها من حوله، أو تحتويها دفّات الكتب فتطيل حياة كاتبها وتنطق باسمه بعد صمته الأبدي ،

أينعت الكلمة في الجامعات التونسية في سبعينات و ثمانينات القرن الماضي على ألسنة الطلبة و أقلامهم فأثّثت اجتماعات حامية و حلقات نقاش محتدمة و معلّقات جدارية تخوض في السياسة و الفكر وتحلم بغد أفضل ، وأصبح معيار انفتاح الأنظمة المتعاقبة يقاس بمدى اتّساع صدرها لكلمة ناقدة أو مقال رأي حرّ ، أما اليوم فقد أصبحت الكلمة أسرع من وقع خطى أصحابها ، لا يحتاج من يبدع الفكرة و يصوغ البرنامج و ينشد التغيير أن يخوض المخاطر لتوزيع المناشير أو الكتابة على الجدران ، عوّضت المناشيرَ لوحات مفاتيح الحاسوب و أصبحت الجدران افتراضية تكفي أمامها ضغطة واحدة لكي تنتقل إلى آلاف أو ملايين الأشخاص، ثم تبدأ مسارها الخاصً، فلا تعود ملكا لمن قالها.

وهنا تكمن المفارقة : فتماما كمخاطر الطّريق ، كلما زادت السّرعة تضاعف ثمن النتائج.

وقد قيل قديما أنّ الإنسان يتعلم الكلام في سنته الاولى و يقضي بقيّة عمره في تعلّم الصّمت .. دون جدوى في الغالب ، و لكن مادام المواطن لا يحتاج للكلام ترخيصا كترخيص السّياقة و ما دامت حدود ممارسته لحقّه في الكلام و الكتابة مرهونة بإرادة متقلّبة لواضع النّصوص القانونية انفتاحا تارة و زجرا تارة أخرى يُفتح المجال لشتّى التّجاوزات فتصبح الكلمة أداة للثّلب و التّشويه و هتك الأعراض و التحريض بحسابات وهمية أحيانا و بوجوه مكشوفة حين يضمن أصحابها الإفلات من العقاب ،

ففي الشّعر مثلا ، خلّد التاريخ أبياتا لأسباب مختلفة فبعضها لعذوبته ( لا السّيف يفعل بي ما أنت فاعلة .. و لا لقاء عدوّي مثل لقياكِ ، لو بات سهمٌ من الأعداء في كبدي .. ما نال منّي ما نالته عيناكِ ) و بعضها لنفاقه ( ما زُلزلت مصر من كيدٍ ألمّ بها .. لكنّها رقصت من عدلكم طربا ) و بعضها صار مضرب الأمثال في المبالغة ( ما شئت لا ما شاءت الأقدار .. فأحكم فأنت الواحد القهّار ) ،

و في السياسة هناك كلمات من عيار «الإصلاح» و«العدالة» و«الحرية» و«المحاسبة» و«الديمقراطية» و« مكافحة الفساد » أصبحت أوعية اصطلاحيّة لمضامين غير مستقرّة و شديدة الإرتباط بشخصية قائلها و السّياق الذي تقال فيه ، و هي كلمات تكاد تنفصل تماما عن الواقع تأثيرا و تأثّرا فبين «سنفعل» و«فعلنا» مسافة استبدال حرف مدّ بحرف استقبال يُفترض فيه أن يدخل على الفعل المضارع فيدلّ على وقوع الفعل في المستقبل القريب ، و لكنّه في الواقع يصبح بمثابة " الثقب الأسود " الذي لا يفلت منه شيء فيلتهم أعمارا و أحلاما وحكومات دون أن يتحقّق شيء عدا الجدل حول من تسبّب في التعطيل و عدم تحقق الوعود و هل يعود ذلك لأسباب خارجة عن النطاق أم لتآمر جهة في الدّاخل تستقوي بجهات خارجيّة ..

ولذلك لم يكن عبثا أن ارتبطت السياسة منذ أقدم العصور بالخطابة والوعود والبيانات ، فالحكّام يعرفون أن شعوبهم لا يمكنها العيش أكثر من بضعة أيّام دون طعام و لكنّهم يراهنون على قدرتها على العيش بضع سنوات بالوعود فقط ..( السّيدة رئيسة الحكومة الحاليّة صرّحت حرفيّا : " حسب ما خطّطنا له ، سنة 2045 ستكون سنة جني ثمار المشاريع الإستراتيجية الكبرى في تونس "..)

لكن الكلمة ليست دائما وعدا ، فقد تكون اعتذارا فينتهي بها خصام وقد تكون شهادة  فيُحفظ بها حق وقد تكون كلمة حق يدفع صاحبها ثمنها غاليا وقد تكون كلمة جارحة لا تحتاج إلى أكثر من ثانية كي تُقال لكن صاحبها قد يحتاج إلى سنوات كي يصلح ما أفسدته.

ولعل أخطر ما حدث للكلمة في هذا البلد أنها تعرّضت لتشوّهات عميقة جعلتها مُنضّبة فاقدة للهيبة ، ومعدّل الإنفاق اللّفظي لدى عموم مواطني الفضاء الإفتراضي مهما اختلفت الأعمار و مستويات التعليم و الخلفيات الأيديولوجية ليست مرتبطة دائما بأهميّة الموضوع أو خطورته بل تعود أحياناً لنوازع أخلاقويّة فضائحيّة فلم يحظ موضوع التواتر الصادم للوفيات بالسّجون بنفس الأهميّة التي حظي بها موضوع " قضيّة أخلاقيّة " تمّ تسريب المعطيات الشّخصية للمذكورين فيها وسحلهم جماعيا دون اعتبار لقرينة البراءة و لا لسرّية الأبحاث ، وعادة ما ينطلق أغلب المتكلّمين من مراهنة على ضعف ذاكرة السّامعين من جهة ، فيكرّرون دون ملل نفس الوعود بنفس المفردات أحيانا ، و من قناعة سحريّة ،من جهة أخرى ، بأنّ التّجنّد دون توقّف لتكرار معطيات مغلوطة و كاذبة سيجعلها بمفعول التّكرار صحيحة لا تقبل النّقاش ، ولنأخذ مثلا كلمة " مؤامرة "  وهي في معناها الأصلي، تدبير خفيّ بين شخصين أو أكثر لتحقيق غرض غير مشروع أو الإضرار بآخرين، وتُعدّ من أقدم تقنيات الصراع البشري: من مؤامرة بروتس ورفاقه على يوليوس قيصر، إلى دسائس البلاط في العهود السّابقة مع اختلاف الأنظمة و الحكّام ، إلى المؤامرات الاستعمارية والصراعات السياسية الحديثة ،لكن الكلمة نفسها عرفت، في السنوات الأخيرة، رحلة أخرى: من مفهوم سياسي وقانوني محدّد إلى مظلّة تفسيرية شاملة جاهزة للإستعمال و غير قابلة للنّقاش ، تكاد تتّسع لكل ما يعجز الواقع عن تفسيره ، وجاءت قضية «التآمر 1» لتمنحها، في التداول السياسي والإعلامي، جرعة إضافية من السّريالية : مؤامرة مبنيّة على رواية ينقلها " شاهد " محجوب الهويّة ( XXX ) عن صديق مقيم ببلجيكا  ينقلها بدوره عن قريبته المقيمة في إنجلترا ، دون أن يكلّف أحد نفسه طيلة أطوار التقاضي مشقّة التّساؤل عن هويّة مصدري الخبر وماذا إذا تعلقّ الأمر بشخصين حقيقيّين أم افتراضيّين ، و عوض سماع سفيرنا السّابق في بروكسال بخصوص الإدّعاء بأنّ الإجتماعات التّآمريّة تمّت في السّفارة التي يُشرف عليها ، تمّ الإكتفاء بتعيينه لاحقًا .. وزيرًا للخارجيّة ..!

وهكذا تتحول المؤامرة من خطة سرّية تحتاج إلى أدلة ووقائع وأطراف ووسائل، إلى جواب جاهز عن كل سؤال، و الملفّات القضائية من مسار مسيّج بالضّمانات الإجرائية سعيا للوصول إلى الحقيقة إلى مصادرة على المطلوب لا تكون الإجراءات فيها إلاّ شكليات لتوفير الحدّ الأدنى ممّا يرفع الحرج عند النّطق بإدانة مُضمَرة منذ اللحظة الأولى،

تماما كما تصبح الحقائق العلمية مجرّد لغو و شروح الفنّيّين والخبراء مضيعة للوقت إذا تحوّلت المؤامرة إلى بديل عن محاولة الفهم و السّعي لإيجاد الحلول : فإذا انقطعت الكهرباء، فوراء ذلك بالتّأكيد مؤامرة للتّنكيل بالتّونسيّين ، وإذا توقّف الماء الصالح للشراب، فالمؤامرة أعمق وإذا اختفت قوارير المياه المعدنية من رفوف المتاجر، فلا بد أن «أيادي خفية» قد سبقت إليها ! وهكذا يصبح السؤال عن أسباب الأزمة لحلّها ثمّ لاستباقها و منع تكرارها  أقل أهمية من العثور على " متآمر " يصلح شمّاعة لها.

وفي ملتقى تقاطع " الزّمن القضائي " و " الزّمن الإعلامي - الفايسبوكي " و " الزّمن السّياسي " لم يعد لكلمة الحقيقة معنى دقيق محدّد ، فالزّمن القضائي بطيء تتعدّد فيه درجات التّقاضي وتجرى فيه الإختبارات و المكافحات و السّماعات ويخضع لسرّيّة التحقيق ، و الزّمن الإعلامي سريع يسعى للسّبق ولا يوقف فيه التداول لضمان مبدإ  المواجهة أو انتظار نتيجة الإختبارات و لا إعلاء فيه عادةً لقرينة البراءة ، أمّا الزّمن السّياسي فالحقيقة فيه هي ما تعلنه الجهات المعنيّة و تترك للوظيفة القضائيّة مهمّة إكسائه " الصّبغة القضائيّة ",

وكما أنّ بعض الكلمات تبقى وعودا معلقة لا تنتج فعلا و لا تحقق أثرا في الواقع ، فبعضها كأثر الفراشة ( l’effet papillon ) تحدث أثرا أعمق و أوسع وأخطر مما تصوّره قائلوها فبعض الكلمات تتحول رصاصا و بعضها تسيل بسببه دماء و تزهق أرواح نتيجة الجهل أو التّعصّب أو كليهما ، فاستهداف نجيب محفوظ و فرج فودة كان بعد كلمات تحريضية من أشخاص اعترفوا بأنهم لم يقرؤوا لهما كتابا ، و حرب الإبادة في رواندا بدأت بكلمات تحريضية في إذاعة الألف هضبة التي اعتبرت جزءا من الشعب حشرات يجب سحقها و أشجارا يجب قطعها .. وما نشهده في تونس اليوم من تخوين لفئات واسعة من المواطنين بسبب مواقفهم أو مواقعهم و تقسيم الشّعب إلى فريقين متقابلين أحدهما فريق الوطنيّين الصّادقين و الآخر فريق المتآمرين المستقوين بالخارج يدقّ ناقوس خطر يجب أن ننتبه له جميعا قبل فوات الأوان ..

حصيلة كسب الإنسان لا تُقاس فقط بما أنجزه، بل أيضا بما قاله ولم يفعله، وبما كان ينبغي أن يقوله فسكت، وبما قاله وكان الأجدر به أن يصمت.

فالكلمة، في النهاية، سلاحٌ لا يُباع في الأسواق ولا يحتاج إلى ترخيصٍ أو ذخيرة، لكنه قد يُصيب ويُدمي ويهدم، وقد يُنير ويُصلح ويبني. ولذلك، فإنّ عدالة القضية لا تمنح صاحبها صكّاً على بياض، ولا تُعفيه من مساءلة الوسيلة التي يدافع بها عنها. فليس كلُّ ما يُقال في سبيل الحقّ حقّاً، ولا كلُّ رصاصةٍ لفظية تُطلق دفاعاً عن قضيةٍ مشروعةٍ تكون مشروعةً بدورها. وبين الكلمة التي تُقاوم الظلم والكلمة التي تُشبهه، شعرةٌ اسمها : المسؤولية.

بقلم: سمير جراي

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115