مخابر التنمية – دروس من تجارب الأمم تحويل رأس المال الطبيعي إلى محرك للتنمية المستدامة

تُعد السياحة الإيكولوجية أحد أهم أعمدة النموذج

التنموي في كوستاريكا، إذ نجحت الدولة في تحويل ثروتها الطبيعية الاستثنائية إلى مصدر مستدام للنمو الاقتصادي مع الحفاظ على النظم البيئية. فقد تبنت الحكومة منذ تسعينيات القرن الماضي سياسة تقوم على ربط التنمية السياحية بحماية الموارد الطبيعية، بحيث أصبحت المحافظة على الغابات والأنهار والسواحل والتنوع البيولوجي شرطاً أساسياً لتنمية القطاع السياحي، وليس عائقاً أمامه. ويُعد هذا النهج من أبرز تطبيقات مفهوم رأس المال الطبيعي (Natural Capital)، الذي ينظر إلى البيئة باعتبارها أصلاً اقتصادياً يدر عوائد مستدامة إذا ما أُحسن استغلاله وإدارته.

وتستند السياحة الإيكولوجية في كوستاريكا إلى شبكة واسعة من المحميات الطبيعية والمتنزهات الوطنية التي تغطي أكثر من ربع مساحة البلاد، بالإضافة إلى الغابات التي تمثل ما يقارب 60% من الأراضي الوطنية. وتوفر هذه المنظومة للزوار تجارب متنوعة تشمل استكشاف الغابات المطيرة والسحابية، ومراقبة الحياة البرية، وممارسة رياضات المغامرة، وزيارة البراكين والأنهار والشواطئ المحمية، مع تطبيق معايير صارمة للحد من الأثر البيئي للأنشطة السياحية. وقد ساهم هذا النموذج في ترسيخ الصورة الدولية لكوستاريكا باعتبارها إحدى أهم وجهات السياحة البيئية في العالم. (⁠OECD)

ولضمان استدامة هذا القطاع، طورت كوستاريكا شهادة السياحة المستدامة (Certification for Sustainable Tourism - CST)، التي تمنح للمؤسسات السياحية وفق معايير تتعلق بالإدارة البيئية، وكفاءة استخدام المياه والطاقة، وإدارة النفايات، وحماية التنوع البيولوجي، والمساهمة في تنمية المجتمعات المحلية. وقد أصبحت هذه الشهادة مرجعاً دولياً في تقييم الأداء البيئي للمؤسسات السياحية، وشجعت الفنادق ومنظمي الرحلات على تبني ممارسات مسؤولة تتجاوز الامتثال القانوني نحو الابتكار البيئي.

وتبرز الأهمية الاقتصادية لهذا القطاع من خلال مساهمته الكبيرة في الاقتصاد الوطني. فوفقاً لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، ساهمت السياحة في سنة 2024 بنحو 6.3% من الناتج المحلي الإجمالي بشكل مباشر، بينما ارتفعت مساهمتها إلى حوالي 8.2% عند احتساب الآثار غير المباشرة، كما وفرت حوالي 183 ألف فرصة عمل مباشرة، وأسهمت بما يقارب 5.5 مليار دولار أمريكي من عائدات السفر، أي ما يعادل 33.5% من إجمالي صادرات الخدمات. وفي عام 2025 استقبلت كوستاريكا نحو 2.9 مليون سائح دولي، مع استهداف الوصول إلى 3.8 ملايين سائح بحلول عام 2027 في إطار الخطة الوطنية للسياحة. (⁠OECD)

وتتميز التجربة الكوستاريكية كذلك بتركيزها على إشراك المجتمعات المحلية في إدارة الأنشطة السياحية، من خلال دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، والسياحة الريفية، والتعاونيات المحلية، بما يضمن توزيعاً أكثر عدالة للعوائد الاقتصادية ويعزز قبول السكان لسياسات المحافظة على البيئة. وقد ساهم هذا النهج في خلق حلقة إيجابية تربط بين حماية النظم البيئية، وتحسين دخل السكان، وتعزيز جاذبية البلاد للاستثمار والسياحة، وهو ما جعل السياحة الإيكولوجية أداة عملية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

وتؤكد تجربة كوستاريكا أن السياحة الإيكولوجية ليست مجرد نشاط اقتصادي قائم على استغلال الموارد الطبيعية، بل هي سياسة عمومية متكاملة توظف المحافظة على البيئة كميزة تنافسية، وتحول التنوع البيولوجي إلى مصدر للقيمة المضافة، مع ضمان استدامة الموارد الطبيعية للأجيال القادمة. وقد أصبحت هذه التجربة مرجعاً دولياً للدول التي تسعى إلى تطوير قطاع سياحي يجمع بين النمو الاقتصادي، وحماية البيئة، والتنمية المحلية الشاملة. (⁠OECD)

بقلم: أنيس الوهابي

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115