مع كل صيف، يعود في تونس النقاش نفسه حول المهرجانات: العملة الصعبة، أسعار التذاكر، وأولوية الإنفاق في بلد تشح فيه الموارد. لكن صيف 2026 كان مختلفاً. حرارة شديدة، حرائق، أزمة مياه، وانقطاعات متكررة للماء والكهرباء، فيما واصلت المهرجانات عروضها واستُقدم الفنانون من الخارج. لم تصنع منصات التواصل هذا التناقض، لكنها ضخمته وحولته إلى نقاش يومي. فماذا يكشف هذا الجدل، في صيف كهذا، عن المرجعيات التي نحتكم إليها؟
من يدافع عن المهرجانات يستند إلى حق المجتمع في الثقافة والفرح والانفتاح على العالم، وإلى قيمتها الرمزية والسياحية. أما من يدعو إلى مراجعتها فيستند إلى أولوية الموارد الشحيحة، وإلى سؤال مشروع عمّن يستفيد فعلاً. وما يهمّنا هنا هو المرجعية التي ينطلق منها كل موقف، لا تحديد من على حق.
جزء من هذا التقابل لا يتعلق بالمهرجانات في ذاتها، وإنما بصورة المجتمع الذي نريده. فهناك من ينطلق من قيم محافظة، يرى في بعض مظاهر الاحتفال تجاوزاً لضوابط دينية أو اجتماعية، وهناك من ينطلق من مرجعيات أكثر انفتاحاً، يراها امتداداً طبيعياً لحياة منفتحة على العالم. لكن التونسيين ليسوا معسكرين متجانسين؛ فقد يجمع الفرد نفسه بين المرجعيتين، فيؤيد إقامة المهرجانات وينتقد بعض ما يُعرض فيها. فإذا تحوّل هذا الخلاف من نقاش في القيم إلى تصنيف للأشخاص وتبادل للشتائم، انتقل من اختلاف في الأفكار إلى صراع بين الهويات.
ثمة مثال متكرر يكشف كيف يتبدّل المعيار نفسه بحسب الموقف: بعض الرافضين لاستقدام الفنانين يستهجنون استنزاف العملة الصعبة، في حين يرد بعض المدافعين عن المهرجانات بأن رحلات الحج والعمرة تستهلك العُملة ذاتها دون أن يثير ذلك الاعتراض نفسه. القضية ليست المقارنة بين هذا الإنفاق وذاك، وإنما سؤال أبسط وأصعب في آن: هل نحكم على الإنفاق بمعيار واحد، أم نغيّر المعيار بحسب الموقف الذي ندافع عنه؟
جاء حريق اندلع قرب موقع مهرجان دقّة الدولي، يوم 21 جويلية 2026، ليضع هذا الجدل أمام اختبار مختلف. استمر حفل فني على مقربة منه. والسؤال الأهم ليس من المخطئ، بل ما الذي كان ينبغي أن تكون له الأولوية في تلك اللحظة.
فمن ينظر من زاوية الحق في الاحتفال قد يصل إلى نتيجة؛ ومن زاوية التضامن مع من يواجهون الخطر أو الألم، قد تكون النتيجة مختلفة تماماً. وقد ينطلق كلاهما من حسن نية، لكن حسن النية لا يحسم المسألة. فنحن هنا أمام سؤال إيتيقي، لا أمام محاكمة أخلاقوية للأشخاص: حين تتعارض الحقوق والمصالح في لحظة واحدة، ما الذي ينبغي أن تكون له الأولوية؟
فحق الناس في الفرح مشروع، لكن ممارسة الحق تظل مرتبطة بالسياق وبما يترتب عليها تجاه الآخرين. فإذا كان آخرون في مواجهة الخطر أو الألم، يتسع السؤال: هل لنا الحق في الاحتفال؟ وهل كان استمرار الاحتفال، في تلك اللحظة بالذات، هو التصرف الأكثر مسؤولية؟
المطلوب إذن ليس البحث عن مذنب، بل مساءلة المبدأ والقرار. فالمجتمع لا يُقاس فقط بما يسمح به القانون، وإنما أيضاً بما يختار أن يؤجله احتراماً لظرف استثنائي.
لكن الخلاف هنا لم يتوقف عند هذا الحد. بلاغات إدارة المهرجان تحدثت عن حريق أُخمد بعيداً عن الموقع قبل انطلاق الحفل. روايات أخرى، مدعومة بصور اختلف الناس في دقتها، قالت إن النيران كانت لا تزال مشتعلة والحفل مستمراً. فتحوّل الخلاف من تفسير ما جرى إلى خلاف حول ما جرى فعلاً.
هنا تصبح قولة أرندت أكثر من مجرد استشهاد. يمكن أن نختلف في الرأي، وهذا طبيعي. لكن كيف نتحاور إذا لم نتفق حتى على ما حدث؟ حرية الرأي تحتاج، قبل كل شيء، إلى وقائع مشتركة.
المنصات الرقمية لا تصنع بالضرورة اختلاف الروايات، لكنها تسرّع انتشارها وتضخّم أثرها. تصل الصورة أو المقطع في لحظات، أحياناً قبل أن يتضح سياقه أو يكتمل التحقق منه، فتتحول عندها من وسيلة لفهم ما جرى إلى وسيلة لتأكيد موقف سبق اتخاذه. وعندما يتلقى الناس روايات مختلفة عن الحدث نفسه، فإنهم لا يختلفون فقط في أحكامهم، بل في الصورة التي بنوا عليها تلك الأحكام.
وهكذا تكشف حادثة دقّة شيئاً أعمق من مجرد اختلاف في المواقف: اختلافاً في المرجعيات، ثم في تفسير الوقائع، وأحياناً في الوقائع نفسها.
تكمن إحدى مفارقات تونس ما بعد 2011 في أن اتساع لغة الحقوق والحريات لم يرافقه ترسخ مماثل لثقافة المسؤولية تجاه المشترك. فالقانون وحده لا يكفي؛ يحتاج المجتمع أيضاً إلى حسّ مشترك يجعل بعض الأفعال موضع استنكار حتى قبل أن تصبح ممنوعة بالقانون. هذا الحس أقدم من المنصات الرقمية؛ هو تراكم أخلاقي تشكّل عبر الأجيال، يمنح المجتمع تماسكه قبل أن تمنحه إياه الشرطة والمحاكم. وحرية الفرد لا تعني تحرره من كل مسؤولية تجاه الجماعة، كما أن الحق في الفرح لا يلغي واجب مراعاة لحظة الألم الجماعي.
فإذا تُرك كل فرد وحده في تحديد ما تقتضيه اللحظة، فقد المجتمع جزءاً من قدرته على بناء موقف مشترك.
لدينا مرجعيات مشتركة، لكننا نواجه صعوبة متزايدة في ترتيب الأولويات عندما تتعارض. ما الذي نعنيه بالثقافة أصلاً؟ وكيف نحدد أولوياتنا مع ضيق الموارد؟ وأين ينتهي حق الفرد في الفرح، وأين تبدأ مسؤوليته تجاه المشترك؟
من دون إجابات واضحة عن هذه الأسئلة، يتحول الاختلاف إلى خلاف يبحث عن الغلبة، ثم إلى نزاع تُستدعى فيه الهويات بدل الحجج. ويتكرر التوتر صيفاً بعد صيف بالحدة نفسها تقريباً.
لسنا إذن أمام مجتمع فقد مرجعياته المشتركة، بل أمام مجتمع يجد صعوبة متزايدة في ترتيبها حين تتعارض. ولا يحتاج المجتمع إلى تطابق المواقف كي يبقى مجتمعاً، وإنما إلى مرجعيات تكفي لاحتواء الاختلاف.
فكيف نحافظ على حقنا في الاختلاف، من دون أن نفقد قدرتنا على بناء ما يجمعنا؟
بقلم: مصطفى الشيخ الزوالي