إلى مدن مثل شنغهاي وشنتشن وبكين، باعتبارها واجهة النهضة الاقتصادية التي نقلت الصين في غضون عقود قليلة من دولة نامية إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم. غير أن من يزور الصين عن قرب يكتشف أن قصة النجاح الصينية لم تُكتب في المدن الساحلية الكبرى وحدها، وإنما شاركت في صناعتها عشرات المقاطعات التي لكل منها خصوصيتها وإسهامها في مشروع وطني ضخم يقوم على التخطيط طويل المدى والاستثمار في الإنسان والعلم والإنتاج. ومن بين هذه المقاطعات تبرز آنخوي بوصفها تجربة تستحق التوقف عندها، ليس لأنها الأكثر ثراء أو شهرة، وإنما لأنها تمثل نموذجا حيا لقدرة السياسات العامة على تحويل منطقة داخلية إلى مركز متقدم للصناعة والابتكار والتنمية المتوازنة.
التنمية واقع ملموس
تقع آنخوي في شرق الصين، وتشكل حلقة وصل بين المقاطعات الساحلية الأكثر تقدماً والمقاطعات الداخلية ذات الطابع الريفي. ورغم أنها لا تمتلك منفذا بحريا مباشرًا، فإنها استفادت من موقعها الجغرافي ومن مرور نهر اليانغتسي عبر أراضيها لتصبح جزءا فاعلا من شبكة الاقتصاد الصيني. وتبلغ مساحة المقاطعة نحو 139 ألف كيلومتر مربع ويقطنها ما يقارب سبعين مليون نسمة، وهو عدد يفوق سكان كثير من الدول، الأمر الذي يعكس حجم التحديات التي واجهتها في مجالات التشغيل والخدمات والتنمية، كما يعكس حجم الإنجاز الذي تحقق خلال العقود الأخيرة.
ولسنوات طويلة، لم تكن آنخوي ضمن المقاطعات التي تتصدر المؤشرات الاقتصادية في الصين، بل كانت تُصنف ضمن المناطق التي تحتاج إلى مزيد من الدعم لتقليص الفوارق التنموية مع الأقاليم الساحلية. غير أن هذا الواقع لم يُنظر إليه باعتباره قدرا دائما، بل تحول إلى دافع للعمل. فقد أولت القيادة الصينية اهتمامًا خاصا بالمقاطعة، وزارها الرئيس شي جين بينغ أكثر من مرة، لا سيما بعض قراها الريفية، في إطار متابعة برامج القضاء على الفقر وتحقيق التنمية المتوازنة بين المدن والأرياف. ولم تكن تلك الزيارات ذات طابع بروتوكولي، بل جاءت ضمن رؤية تقوم على أن نجاح الدولة لا يقاس بما تحققه العواصم والمدن الكبرى فحسب، وإنما بقدرتها على تحسين حياة سكان المناطق الأقل حظا.
وتكشف الزيارات الميدانية في آنخوي أن التنمية هناك ليست مجرد أرقام في تقارير رسمية، وإنما هي واقع ملموس ينعكس على البنية التحتية والبيئة والخدمات ومستوى المعيشة. فالطرق الحديثة، وشبكات النقل، والمناطق الصناعية، والجامعات، ومراكز البحث العلمي، والقرى التي تغير وجهها بالكامل، كلها تقدم صورة عن مشروع متكامل يقوم على الاستثمار في المستقبل، لا على معالجة الأزمات بصورة ظرفية.
وتبرز مدينة خيفي، عاصمة المقاطعة، باعتبارها المثال الأوضح على هذا التحول. فقد أصبحت خلال سنوات قليلة مركزا متقدما للصناعات الميكانيكية والإلكترونية والبحث العلمي، ونجحت في استقطاب شركات التكنولوجيا والصناعات المتطورة، حتى غدت من أكثر المدن الصينية ديناميكية في مجالات الابتكار. وما يلفت انتباه الزائر ليس حجم المشاريع فقط، بل جودة التخطيط الحضري، واتساع المساحات الخضراء، ونظافة المدينة، وكفاءة وسائل النقل، وهي عناصر تعكس فلسفة تنموية ترى أن تحسين جودة الحياة جزء لا يتجزأ من التنمية الاقتصادية.
ولعل ما يميز آنخوي أكثر من غيرها هو أنها لم تجعل الصناعة بديلا عن الزراعة، ولم تعتبر التكنولوجيا نقيضا للاهتمام بالريف. فقد حافظت المقاطعة على مكانتها باعتبارها واحدة من أهم المناطق الزراعية في الصين، مع تطوير أساليب الإنتاج واعتماد البحث العلمي في تحسين البذور ورفع الإنتاجية ومواجهة التغيرات المناخية. وهكذا اجتمع في آنخوي الحقل والمصنع والمختبر في منظومة واحدة، بحيث أصبح كل قطاع يدعم الآخر بدل أن ينافسه.
ويظهر هذا التوجه بوضوح في مراكز البحث الزراعي التي تعمل على تطوير أصناف جديدة من البذور أكثر مقاومة للجفاف والآفات وأكثر قدرة على تحقيق إنتاج مرتفع، وهي جهود تعكس إدراكا صينيا بأن الأمن الغذائي لا يقل أهمية عن التقدم الصناعي. وفي الوقت نفسه، واصلت المقاطعة تعزيز مكانتها في الصناعات الحديثة، وخاصة صناعة السيارات الكهربائية، التي أصبحت أحد أبرز القطاعات التي تراهن عليها الصين في المنافسة الاقتصادية العالمية.
وتضم آنخوي مصانع كبرى مثل شركة JAC Motors، التي تحولت من مصنع محلي إلى اسم حاضر في الأسواق الدولية، كما تحتضن شركة iFlytek الرائدة في تقنيات الذكاء الاصطناعي ومعالجة اللغة، والتي تمثل نموذجا لنجاح الصين في الانتقال من اقتصاد يعتمد على التصنيع منخفض الكلفة إلى اقتصاد يقوم على الابتكار وإنتاج المعرفة. وعندما يزور المرء هذه المؤسسات، يدرك أن الاستثمار الحقيقي لا يقتصر على المباني والآلات، بل يبدأ من العقول، ومن بناء منظومة تعليم وبحث علمي قادرة على مواكبة التحولات التكنولوجية المتسارعة.
ولا يقتصر اهتمام السلطات في آنخوي على عرض هذه الإنجازات، بل تحرص أيضا على تعريف الوفود الأجنبية بها من خلال برامج متكاملة تجمع بين المحاضرات النظرية والزيارات الميدانية. ويأتي ذلك في إطار سياسة صينية أوسع تهدف إلى تقديم التجربة التنموية الصينية بصورة مباشرة، بعيدا عن الصور النمطية أو الأحكام المسبقة، وإتاحة الفرصة للضيوف لمعاينة النتائج على أرض الواقع، سواء في المصانع أو مراكز البحث أو القرى التي استفادت من برامج التنمية الريفية.
الإنفتاح على العالم
ويكتسب هذا الانفتاح على العالم أهمية خاصة في ظل تنامي الحضور الصيني في القارة الإفريقية. فآنخوي، شأنها شأن بقية المقاطعات الصينية، لا تكتفي بتنفيذ السياسات التي ترسمها الحكومة المركزية، بل تسعى إلى أن تكون فاعلا مباشرا في بناء جسور التعاون مع الدول الإفريقية، مستندة إلى مبادرة الحزام والطريق، وإلى منتدى التعاون الصيني الإفريقي (FOCAC)، وإلى المبادرات الدولية التي طرحتها بكين خلال السنوات الأخيرة في مجالات التنمية والأمن والحضارات.
ومن هذا المنطلق، تنظم المقاطعة ملتقيات وبرامج تكوين تستضيف مسؤولين وأكاديميين وإعلاميين وباحثين من مختلف دول العالم، ولا سيما من إفريقيا، بهدف تعريفهم بتجربتها التنموية وإتاحة الفرصة لهم لمعاينة نتائجها ميدانيا. ولا تقتصر هذه البرامج على تقديم محاضرات نظرية أو أرقام وإحصاءات، بل تقوم على مبدأ "الرؤية المباشرة"، حيث ينتقل المشاركون إلى المصانع، ومراكز البحث، والمشاريع الزراعية، والقرى النموذجية، ليقفوا بأنفسهم على الكيفية التي تحولت بها الخطط إلى إنجازات ملموسة.
وتعكس هذه المقاربة قناعة صينية بأن التجربة التنموية لا تُصدر في شكل وصفات جاهزة، وإنما تُعرض باعتبارها تجربة يمكن الاستفادة من بعض عناصرها مع مراعاة خصوصية كل بلد. فالصين لا تدعو الدول الأخرى إلى استنساخ نموذجها بحذافيره، بل تقدم مثالا على أن التخطيط بعيد المدى، والإستثمار في التعليم والبحث العلمي، وربط التنمية بالإنتاج، تمثل عناصر مشتركة يمكن أن تتكيف مع أوضاع وثقافات مختلفة.
وفي هذا السياق، تبدو إفريقيا شريكا طبيعيا للصين. فالقارة تمتلك ثروات طبيعية هائلة، وسكانها من أكثر سكان العالم شبابا، وهي في حاجة إلى استثمارات في البنية التحتية، والطاقة، والصناعة، والتكنولوجيا، والزراعة. ولذلك تسعى المقاطعات الصينية، ومنها آنخوي، إلى بناء شراكات تقوم على تبادل الخبرات والتكنولوجيا والاستثمار، بما يحقق مصالح متبادلة، في رؤية تختلف عن النماذج التقليدية للتعاون الدولي التي ارتبطت، في نظر كثير من دول الجنوب، بالإملاءات السياسية أو الاقتصادية.
ولا يعني ذلك أن التجربة الصينية تخلو من التحديات أو من الانتقادات، فكل تجربة تنموية كبرى تثير نقاشات وأسئلة مشروعة. غير أن ما لا يمكن إنكاره هو أن الصين نجحت، خلال فترة وجيزة نسبيا، في تحقيق تحول اقتصادي واجتماعي غير مسبوق، وانتشال مئات الملايين من الفقر، وتشييد قاعدة صناعية وعلمية جعلتها لاعبا رئيسيا في الاقتصاد العالمي. وهذا النجاح هو الذي يدفع كثيرًا من الدول إلى الاهتمام بما حققته، ومحاولة فهم الآليات التي مكنتها من بلوغ هذه المكانة.
ومن أكثر المحطات التي تترك أثرا في نفوس زوار آنخوي، زيارة قرية داوان، التي أصبحت رمزا لسياسة القضاء على الفقر وتحسين ظروف العيش في المناطق الريفية. فالقرية، التي كانت تعاني من ضعف الإمكانيات، تحولت إلى نموذج للتنمية المحلية من خلال تطوير البنية الأساسية، وتحسين السكن، وخلق مصادر دخل جديدة، وتشجيع الأنشطة الاقتصادية التي تتلاءم مع خصوصيات المنطقة.
وتبرز هذه التجربة فلسفة صينية تقوم على أن التنمية المتوازنة لا تعني نقل الثروة من منطقة إلى أخرى، وإنما خلق فرص للنمو في جميع المناطق، حتى لا يبقى التقدم حكرا على المدن الكبرى. وهي رؤية تختلف عن كثير من المقاربات التي اختزلت العدالة المجالية في إعادة توزيع الموارد دون بناء قواعد إنتاج جديدة قادرة على خلق الثروة.
كما تكشف الزيارات إلى المشاريع البيئية، ومن بينها منطقة سد شيانغهونغديان، أن التنمية في الصين لم تعد تُقاس فقط بحجم المصانع أو معدلات النمو، بل أصبحت ترتبط أيضا بالحفاظ على البيئة وتحسين جودة الحياة. فالمنطقة المحيطة بالسد، بما تضمه من جبال وغابات ومسطحات مائية، تقدم مثالا على محاولة التوفيق بين التنمية الاقتصادية وحماية الموارد الطبيعية، انسجاما مع الشعار الذي تتبناه الصين ومفاده أن "المياه الصافية والجبال الخضراء ثروة لا تقل قيمة عن الذهب والفضة".
ولم يقتصر اهتمام آنخوي على الاقتصاد وحده، بل أولت المقاطعة عناية كبيرة بالحفاظ على تراثها الثقافي والحضاري. فالمتاحف، وعلى رأسها متحف خيفي، تقدم صورة عن تطور فنون الخط والطباعة والعلوم والحياة الاجتماعية في المنطقة، بينما تمنح زيارة الحي التاريخي سانخي فرصة لاكتشاف جانب آخر من الشخصية الصينية، من خلال العمارة التقليدية، والحرف اليدوية، والمطبخ المحلي، والعادات التي ما زالت حية رغم التحديث السريع الذي تشهده البلاد.
وهنا يدرك الزائر أن الصين لا تنظر إلى الحداثة باعتبارها قطيعة مع الماضي، وإنما تعتبر التراث ركيزة من ركائز الهوية الوطنية، وعنصرا من عناصر القوة الناعمة. ولذلك تتجاور في آنخوي ناطحات السحاب والمختبرات الحديثة مع الأحياء التاريخية والأسواق التقليدية، في مشهد يعكس قدرة المجتمع الصيني على الجمع بين الأصالة والمعاصرة.
وربما يكون هذا هو الدرس الأهم الذي تقدمه آنخوي. فنجاحها لم يكن نتيجة مشروع منفصل، ولا ثمرة قرار آني، وإنما حصيلة رؤية بعيدة المدى، جعلت من التعليم والبحث العلمي والابتكار والتنمية الريفية وحماية البيئة عناصر متكاملة في مشروع وطني واحد. كما أن هذا النجاح لم يقم على انتظار الحلول من الخارج، بل على تعبئة الطاقات المحلية، والاستفادة من الإمكانيات الذاتية، والانفتاح على العالم في الوقت نفسه.
ولعل الدول النامية، وفي مقدمتها الدول الإفريقية، ليست مطالبة بنسخ التجربة الصينية حرفيا، فلكل دولة ظروفها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. لكن بإمكانها أن تستلهم منها قيما ومبادئ عامة، مثل احترام التخطيط، وربط التنمية بالإنتاج، وإعطاء الأولوية للعلم، والإيمان بأن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأكثر ربحا على المدى الطويل.
لقد أصبحت آنخوي اليوم أكثر من مجرد مقاطعة تقع في شرق الصين. إنها مختبر حي يختزل كثيرا من ملامح التحول الصيني، ويقدم صورة عن بلد لم يعد يكتفي بتحقيق التنمية داخل حدوده، بل يسعى أيضا إلى تقاسم خبراته مع شركائه حول العالم. ومن يزور هذه المقاطعة لا يعود بانطباع عن مصانع حديثة أو مدن نظيفة فحسب، وإنما يعود بقناعة أن ما حققته الصين لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة رؤية واضحة، وإرادة سياسية، وعمل دؤوب استمر لعقود.
وبالتالي فإن سر التجربة الصينية الحقيقي، ليس في المباني الشاهقة، ولا في المصانع العملاقة، ولا في الأرقام الاقتصادية وحدها. وإنما في قدرة هذه التجربة على تحويل التخطيط إلى ثقافة، والعمل إلى قيمة، والتنمية إلى مشروع وطني يشارك في بنائه الجميع، من أكبر المدن إلى أصغر القرى.