بنا الإشارة باقتضاب إلى أن مليكة رتنان كاتبة مجغربيةيدة لرواية التخييل التاريخي، ونباشة ماهرة لا محالة، في الذاكرة الجماعية التي دشنتها بباكورتها الروائية (لبؤة حاحا) و(محاسني والقبة)، الصادرتين عن شركة التوزيع والنشر المدارس.
وعليه تكون مليكة رتنان، قد جاءت رواية التخييل التاريخي، بعد تكوين أكاديمي في مادة التاريخ بجامعة السوربون بفرنسا، وتجربة تدريسية بجامعة محمد الخامس بالرباط. مما يعني أنها لم تدخل الكتابة الروائية من النافذة، بل من بابها الواسع، لتجمع بين الحكي والتاريخ ، ولتترصد أحداث المجتمع المغربي ووقائعه وأزمنته وفضاءاته.
وكذلك كان في روايتها: (مايا: صدى الجبال)، الصادرة عن نفس الناشر، (تكتب التاريخ، تطوع المراجع التاريخية المتعلقة بأزمنة بعيدة، وتنقلها إلى الفضاء التاريخي، مضيفة عليها طابعا إنشائيا تخيـيـليا)1.
قراءة في العنوان:
يعتبر العنوان عتبة مهمة، فهو يسم النص ويسميه، كما يضيء عتماته، فمتى فك المتلقي شفراته، تمكن من القبض على مدلوله الداخلي والكشف عن جوهره.
وعطفا على ما سبق، جاء عنوان رواية (مايا: صدى الجبال)، جملة إسمية مركبة من ثلاث كلمات، مايا، صدى، والجبال، وبينهما نقطتان رأسيتان. وباستنطاقنا للدلالة اللغوية، تكون مايا اسم مؤنث، والصدى هو الصوت، وما يرد عليك أو مثل صوتك، أما الجبل فما علا من سطح الأرض واستطال وجاوز التل ارتفاعا. وإذا ما نحن حاولنا ربط العنوان بأحداث الرواية، أمكن لنا استنتاج أن مايا هي امتداد لأمها ميرة التي أرضعتها البطولة والتحدي والتمرد على بطش قائدي السيبة رحو وابنه شعو، لتكون امتدادا للجبال باعتبارها أكثر من مجرد تضاريس جغرافية. إنها رمز للصمود والتاريخ والهوية وماض حافل بالمقاومة وقصص البطولات التي سطرها أمازيغ المغرب في الدفاع عن أرضهم وحريتهم، وهو ما تؤكده النقطتان الراسيتان الدالتان على استمرار الحديث في موضوع ذاته وفي الوقت نفسه، الشيء الذي سيجعل أحداث الرواية تميل إلى المقاومة والصمود، وتقف على مساهمة المرأة التي ظلت مهمشة ومنسية من طرف البحث التاريخي والأكاديمي، ولم تنل حظها من الحضور الكافي في النص الروائي المغربي.
فما الذي تحكيه رواية (مايا: صدى الجبال)؟
مظاهر التخييل التاريخي :
ما يمكن قوله بعد إنصاتنا لمادة الحكي في رواية (مايا: صدى الجبال)، انفتاحها على ذاكرتنا التاريخية باعتبارها واقعا ماديا وباعتبارها واقعا متخيلا، يشكلان مصدرين من مصادر كتابتها، ومنبعا من منابع سردها للماضي، حفاظا على الهوية الوطنية وضد المحو والنسيان، ولنقرأ الآن بعضا من هذه الذاكرة وطرق تمثيلها وتشغيلها.
1- الذاكرة السياسية:
ترحل بنا الرواية إلى القرن 19م، وبالضبط ما بين سنوات 1843- 1890، وتحط بنا الرحال في بلاد المخزن المتحالفة مع السلطان، والخاضعة لسلطة الدولة بأبعادها الدينية والسياسية والمالية (قبيلة فطواكة)، وبلاد السيبة المتمردة (قبيلة امغران)، وقائديها (رحو أوفوس وابنه شعو) اللذين عاثا عنفا رهيبا، وبطشا وتقتيلا مجانيا لم يستثن نساء ولا أطفالا ولا شيوخا، وحتى قتل الناس في كثير من الأحيان، نقرأ في الصفحة 97: (استسلم الأهالي بعد معاينة أزواج ينحرون، ورضع يضرب بجمجمتهم عرض الجدران لإسكات صراخهم، وشباب قاوم بفؤوس ومعاول وعي، يفارقون الحياة بعد أن نكل أجسادهم بأداة مقاومتهم)، بل وصل الوقاحة ب" شعو" حد ارتكاب زنا المحارم، مثلما يتجلى في افتضاض القايد شعو لبكارة ابنته (مايا) تحت وابل من التنكيل والتعذيب: (لم تعد تحس باللكمات، غابت في غيبوبة، توقف عن الضرب، أزال قيد السير عن رجليها، باعد بين فخديها وقضى وطره منها) ص 232.
في خضم هذه الأحداث والتمزقات، تأخذنا الرواية إلى حدث هزيمة معركة إيسلي، التي انهزم فيها المغاربة بفضل المنهجية العسكرية الجيدة للجيش الفرنسي، والتي أربكت الجيش المغربي الذي تفرقت وحداته التي لم تكن مجهزة بالشكل الكافي ولا مدربة بطريقة جيدة: (انتهت الواقعة في ظرف ثلاث ساعات، مدة وجيزة هي، غير أن مدافع الفرنسيس حصدت جيشا عرمرما تنقصه الخبرة والانضباط والسلاح) ص17
وعليه، إنها النكسة التي تجسد أحابيل الغرب، أطماعه ومحاولاته الماكرة لاحتلال المغرب في حرب استباقية، كونه يمثل التنوير، وما عداه يمثل الفوضى.
لكن لا يغيب عنا، أن التخييل التاريخي في الرواية ليس مجرد قواد وتنكيل وبطش...بل تخييلا يحمل في طياته غضبا ومجابهة، وشكلا من أشكال الاحتجاج ضد هذه الطبيعة الاستبدادية للقواد، وفي هذا السياق نستحضر القايد بادو، باعروب، يدر، يعقوب، " ميرة "وابنتها "مايا" اللتين حظيتا بالمكانة العلية، وحيزا كبيرا من عوالم الرواية، ومنعرجات أحداثها، ومشاركتهم في الحراك، وحماسهم الفياض في استتباب الاستقرار وتكنيس منطقة (انولتان الجبل) من جرائم القايد السائب "شعو" وأعوانه: (في أقل من أربع ساعات، تمكن محاربو القبائل المتحدة من هزم قوات السيبة وتفكيكها، ونجحت خطة يدر في التحكم في العديد من جندها المنسحب هروبا من جحيم المدافع وطلقات بندقيات القناصة) ص 468.
2- ذاكرة الموروث الثقافي:
تتسلل إلى البنية السردية للرواية، باستضافة مواويل وأهازيج شعرية من الذاكرة الشعبية، كانت تنشدها النساء الأمازيغيات في المآتم أو أثناء العمل في الحقول، حيث يلتحم السرد بالغناء والشعر، فإذا نحن أمام نص روائي فسيفسائي يمتزج بمرجعيات قديمة، شعرية وغنائية: (انبعثت ولولات النسوة ونحيبهن مع عبارات تؤكد على فقدان أنبل الرجال غدرا:
من الظلام إلى النور
من النور إلى الظلام
سيدهم مات
شمسهم غابت
أخبروا العشب اليابس
أخبروا زعرور الوادي) ص
نفسه، الرواية شواهد شعرية من الذاكرة الشعبية، من ثقافة تلك المرحلة: (ما إن لاح للجموع القائد بادو محفوفا بمايا ويدر، متبوعا برجاله المقربين، حتى انبرت عجوز من بين الجموع وانطلقت في شدو أعايوع، رددته النسوة خلفها بنبرات حزينة وشجية؛
قايد السيبة قاتل سيدي
قايد السيبة قاتل لالة
قايد السيبة قاتل نانا
قايد السيبة قاتل بابا
قايد السيبة قاتل خوتي) ص 431.
تلك نماذج من ذاكرتنا الشفوية تنخرط في التعبير عن عواطفها وتصوراتها، شاهدة على تلك الحياة التي مضت، وما يمكن أن نتحسسه من أصوات الحزن والموت، (فالسرد الشفوي وخطابات الذاكرة الجماعية ليست فعلا تلقائيا، وإنما فعل واع مبني بشكل قصدي) 3
3- الذاكرة الدينية والاجتماعية:
تستدرجنا بشتى أشكالها وتمظهراتها ضمن تشعبات السرد، باسثمار سلطتها وأبعادها الرمزية ويجسدها كل من المسجد والزاوية، مثل تحفيظ القرآن في المسجد، وما يرافقه من تربية وتخليق وتعليم الأطفال أساسيات القراءة والكتابة، وتجدر الإشارة إلى أنه كان تعليما دينيا نخبويا في مقابل تعليم عمومي ، نتعرف على التعليم النخبوي من خلال تعليم (شعو) ابن القائد (رحو أوفوس) داخل القصبة، ثم تعليم عمومي نتعرف من خلال أطفال القرية بالمسجد، وكلاهما يشرف عليهم الفقيه (حمان)، ثم من بعده ابنه (محماد) والد (ميرة): (تعالت ضحكات وصرخات الأطفال بساحة المسجد، بعد أن حرر الفقيه محماد "المحضرة" ص:
وبدهي أن يكون التنظيم للتعليم الديني النخبوي ، تجسيدا للقائد في ممارسة كل السلط، ويمكن تمييزه عن ساكنة القبيلة، وفقا لمعيار القوة والنفوذ، وذلك بسبب ما يمتلكه من مميزات القوة والخبرة والمكر والدسيسة، في ممارسة السلطة والتنظيم داخل المجتمع، في مقابل ساكنة مغلوب على أمرها وأمر أطفاله
ونسجل أيضا حضور الزاوية في الرواية كمؤسسة دينية اجتماعية، ساهمت في أداء مهامها بنبل، ومن تلك المهام ما قامت به من تكافل اجتماعي من إيواء وإطعام وتطبيب ، وأحيانا فضاء للحماية واللجوء الاجتماعي وأحيانا(...التجأت عند صديقي جبور بن عاشير قيم زاوية آيت مجطن، والتي كانت هي مكان وجهتنا، لكن القائد قام بإهدار دمي وإرسال رجاله لتقفي أثري ومحاصرة الزاوية، دفعني إلى محاولة تسليم نفسي حقنا لدماء قاطنتها من طلبة وفقهاء ومستخدمين) ص 351.
وتتوغل الرواية في الذاكرة الجماعية لتستحضر اللباس التقليدي: (يقف كهل يلبس جلبابا رماديا فوق " فرجية" بيضاء وبيده مسبحة) ص 12 ، وتقاليد وطقوس حفلات الزفاف: (جلجلت الزغاريد صداحة في جنبات القبة، تقدمت الدادة ماماس موكب العروس، وهي تعدد حسنها ومناقبها ونبل العريس وسمو أخلاقه، وما إن انتهت من تعديدها، حتى صدحت حناجر فرقة أحواش تاقبيلت بأهازيج مرفوقة بقرع الطبول وبالدفوف) ص 46.
وتمتد هذه الذاكرة الجماعية، لتلتقط تعايش واندماج اليهود المغاربة مع ساكنة الأطلس من الأمازيغ، الذين عاشوا وتعايشوا جنبا إلى جنب وانخرطوا جميعا في تأثيث الحياة الاجتماعية، من خلال مساهمتهم في التداوي والعلاج).
بقلم: عبدالله المتقي