وعبد الرحمان منيف تلخص لوحدها - أو تكاد - القرن العشرين عربيا، الأولى لأنها أبرزت تحولات المجتمع المصري خلال النصف الأول من القرن الماضي والثانية، لا سيما خماسية مدن الملح، كشفت ما أحدثه البترول في المجتمعات الخليجية، وستكون لنا عودة لهذه الأعمال العظيمة في قادم الحلقات..
لعلّ بعض هؤلاء النقاد يحصرون العالم العربي في مشرقه ولكن لو وسعنا النظر نحو مغربه فسنكتشف روائية استثنائية - أحلام مستغانمي- نرى معها وبها جراحات الوطن والمواطن لا فقط في الجزائر ولا فقط في المغرب العربي بل في عمق الانسان عندما تتقاطع عنده بتر الجسد وغدر الوطن وهدر المستقبل.
في الحقيقة «ذاكرة الجسد» هو عنوان الرواية الأولى في هذه الثلاثية وليس عنوان الثلاثية كلها ولكن لو جاز لنا أن نختار عنوانا جامعا لكان قطعا «ذاكرة الجسد».
صدرت الطبعة الأولى من «ذاكرة الجسد» سنة 1993 وتلتها «فوضى الحواس» سنة 1997 وختمت رواية «عابر سرير» هذه الثلاثية سنة 2003.
يقول نزار قباني في «ذاكرة الجسد»:«روايتها دوّختني وأنا نادرا ما أدوخ أمام رواية من الروايات وسبب الدوخة أن النص الذي قرأته يشبهني إلى حدّ التطابق، فهو مجنون ومتوتر واقتحامي ومتوحش وانساني وشهواني.. وخارج عن القانون مثلي ولو أن أحد طلب مني أن أوقع اسمي تحت هذه الرواية الاستثنائية المغتسلة بأمطار الشعر، لما ترددت لحظة واحدة».
جلّ الروايات تُقرأ للتسلية وللخروج من رتابة اليومي وللتحليق معا في عالم المؤلف (ة) ولكن بعض الكتب عندما تبدأ في قراءتها تشعر باضطراب داخلي وبـ«دوخة» نزار القباني، بعضها يتخلل العقل فيربكه ويسلبه قناعاته السابقة ويرمي بع في بحر لجيّ لن يخرج منه مطلقا كما ولجه أوّل مرة، وبعضها يتخلل الروح والوجدان والقلب فيكشف ما كنّا نخاله خفيا حتى عن الأنا الأعلى.. فتنكشف هشاشتنا الداخلية مع كل فقرة وأحيانا مع كل جملة..
«ذاكرة الجسد» من هذا الصنف.. فهي ليست رواية تقرؤها بل هي غواية تقرؤك وتخرج ما في بواطنك وتضعك أمام هواجسك فلن تعد تدري أأنت القارئ أم الكاتب أم المكتوب؟ ترتاب في أمرك .. كيف توصلت أحلام مستغانمي إلى عمق أعماقك دون اذن أو حتى مجرّد استئذان؟!
لا أريد أن أفسد متعة قراءة هذه الثلاثية الباهرة ولذلك لن أقص عليكم أحداثها وتطوراتها ولكن سنكتفي بالاحالة على عالم أحلام مشتغانمي وعلى بعض الرموز التي تشكله.
اللافت بداية أن الراوي الرئيسي يتغير من رواية إلى أخرى ففي «ذاكرة الجسد» هو خالد بن طوبال من مناضلي الحركة التحررية بترت يده بعد أن أصابها الرصاص..
في تونس بدأت رحلة خالد مع جسده المعطوب ومع يأس المحارب الذي لم يعد صالحا للخدمة.. لم يعد صالحا لأي شيء.. محارب ضاع حلمه وأمله في عطب جسده.. هجر بلده الجريح ليستقر في تونس المستقلة حديثا يسعى لاستعادة الحدّ الأدنى من المعنى ويرمم تدريجيا ذراعه الغائبة ببعض الأعمال الادارية لفائدة الثورة ثم - وخاصة - بالرسم.. فالرسم لا يحتاج لذراعه اليسرى وبالرسم يستعيد ذكرى قسنطينة الحبيبة /البعيدة /القريبة فكانت لوحته الأولى أحد جسور قسنطينة..
بعد استقلال الجزائر يعود خالد كأحد قدماء المجاهدين ويشتغل موظفا لدى الحكومة مسؤولا عن نشر الكتب ومطابقاتها مع مقتضيات توجهات السلطة الجديدة.. لقد أصبح الشاب الناشر كهلا رقيبا حتى استفاق من غفوته بفضل شاعر فلسطيني شاب مقيم بالجزائر رفض «نصيحة» خالد بحذف بعض أشعاره حتى يتم قبول ديوانه.. حينها أدرك خالد أن الثورة لم تسرق منه فقط ذراعه اليسرى بل قيمه وأحلامه وآماله.. فغادر بلاده نحو عاصمة المستعمر السابق باريس ليبدأ رحلة جديدة قوامها الرسم كعلاج لجسد معطوب ولحلم جريح..
تبدأ هناك قصة حب غريبة.. فريدة موجعة.. جميلة .. مستحيلة.. مذنبة.. جسورة.. خائفة..قصة حب ما كان يخطر على باله أن يعيشها مع «حياة» ابنة «سي الطاهر» زعيم من زعماء الثورة المسلحة التي التحق بها خالد بها في صغره. كيف لا وهو الذي كلف بتسجيلها و هي رضيعة فيجد أمامه امرأة عاش معها قصة حب أيقظت فيه أوجاعه القديمة.. أوجاع الجسد المبتور وآالم الثورة المغدورة المسروقة...
لقد أعادت «حياة» الحياة لهذه الروح المنهكة ولهذا الجسد المعطوب.. حياة كلها تناقضات كلها حبّ كلها قلق.. أفيحق له أن يحبّ وليدة «سي الطاهر»؟ التي عرفها في تونس رضيعة أيحق له أن يكون سعيدا بعد عقود من الألم؟
لكن «حياة» مخاتلة.. زائغة.. لا تقرب منه إلا لكي تبتعد أكثر.. وإن ابتعدت تقترب منه من جديد..
مع «حياة» فقد خالد كبرياءه ولم تبق سوى سخريته من القدر.. من نفسه.. من جسده.. سخرية لا يغيب عنها الأمل... هو الذي أضحى في بارس رساما مشهورا يتهافت «كبار المسؤولين» على اقتناء لوحاته، تهافت يواجهه خالد بالازدراء والسخرية من سراق الوطن..
ما يزيد من روعة «ذاكرة الجسد« هو ذلك الأسلوب الخاص الذي يحوّل اللغة العربية.. الى لغة أخرى.. لغة القلب والروح.. لغة متعففة.. مفاجئة.. غاوية.. مريبة لغة لا يبدو أن الرجّل قادر على امتلاكها.. إنها الأنوثة المفارقة للمخيال الذكوري، المستعصية عن إدراكه، المنفلة من الحواجز التي وضعتها الذكورة مذ احتكرت - لحين - فن الكتابة وخلق عوالم الرواية.
ما أجمل أن تتحدث امرأة عن كينونة رجل وأن تنتحل - روائيا - صفته لتعري عن مواطن هشاشته..
في «ذاكرة الجسد» كمال هو الراوي.. أما في فوضى الحواس تصبح حياة هي الراوية وتنتقل من باريس إلى قسنطينة.. هنا يخبو ذكر خالد.. بل يخبو وجوده كله ليصبح بطلا في رواية وتبحث حياة عن حب جامح.. جائح.. شبقي.. مع شخص خلقته روائيا وأرادت أن تخلقه واقعيا..
حياة وحبيبها الروائي/الواقعي متشح بالسواد.. لا إسم له.. ولا تعرف عنه شيئا أو يكاد.. سوى تلك اللقاءات المسروقة التي ينطلق فيها الحواس وتتمرد على عقالها...
تنتهي الثلاثية برواية «عابر سرير» ويصبح العشيق المجهول هو الراوي وتتحول مجددا إلى باريس ليتسلم الصحفي المصور خالد بن طوبال جائزة أفضل صورة..
سيبحث المصور الصحفي في باريس عن أثر خالد بن طوبال الرسام بطل «ذاكرة جسد» وستضم مدينة الأنوار في هذا الجزء الثالث والأخير كل شخوص هذه الثلاثية في عالم بين عالمين.. عالم لا ينفك عنه الخيال والخيال فيه خلاق كما برهن على ذلك «هنري كوربان» في كتابه عن الخيال الخلاق عند الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي..
لما يلتقي «خالد» بـ «خالد» ندخل في عالم برزخي تتحول فيه شخوص الرواية الى كائنات حية وما هي بحية.. كائنات تهب الرواية مصدر وجودها.. كائنات يتلاعب بها القدر في عالم فقد المعنى ولم يبق له سوى جسد معطوب وذاكرة الذراع المبتورة.
عندما تفرغ من قراءة هذه الثلاثية تجد صعوبة جمة في مغادرة هذا العالم البرزخي.. عالم الجمال والحب والشوق والاشتياق أنت تنظر إلى العالم السفلي.. عالم الجسد المبتور والوطن المغدور والمستقبل المهدور... ثم يُرفع عنك حجاب الغفلة.. أنت لست في عالم خارجي.. أنت لست في قصة وطن.. أنت في قصة ألم الذات التي لا تريد أن تنفصل عن الأمل.. لقد كنت في رحلة داخل دواخلك ولم تشعر..
تلك عبقرية الأدب.. فكل رحلة في عوالمه هي رحلة في ذواتنا.. رحلة لا نخرج منها كما بدأناها.. رحلة نخلق فيها خلقا آخر.. نخلق فيها من جديد.
مؤطر
هذا الركن غير منتظم في دوريته وفي مواضبته.. وهو ركن لا ينخرط البتة في أي شكل من أشكال النقد الأدبي أو الفكري. فالنقد اختصاص وأدوات تحليل ومفاهيم ومناهج ونظريات.. وهذه كلها عناصر غائبة في هذا الركن..
هنا نثمن فقط بعض ما ينتجه التونسيات والتونسيون - مع الانفتاح الضروري مغاربيا وعربيا ودوليا - في مختلف الأجناس والأغراض ولكن دون ادعاء الشمول والاحاطة، فالركن يخضع فقط لمزاج صاحبه ولما يعتقد أنه دال على معنى من معاني الحياة، فالكتاب إن لم يكن حياة فهو كمّ من الأوراق فقط
في رفوف مكتبتي (2) ثلاثية «ذاكرة الجسد» لأحلام مستغانمي، إحدى روائع الأدب العالمي الجسد المبتور والوطن المغدور والمستقبل المهدور
- بقلم زياد كريشان
- 15:19 28/04/2026
- 35 عدد المشاهدات
يعتبر العديد من النقاد أن روايات نجيب محفوظ