يوما مجرد نقطة جغرافيّة على الخارطة الحدودية، بل كانت دائما اختبارا لإرادة القوة والصمود امام احتلال لم يدخر أي فرصة للانقاض على لبنان واحتلال أرضه. واليوم، مع تواصل المعارك بين مقاومة لبنان والاحتلال الصهيوني تعود المدينة لتتصدر المشهد كعقدة مستعصية أمام الآلة العسكرية الإسرائيلية، معيدة إلى الأذهان مشاهد من حرب تموز جويلية 2006 والتي ما تزال هاجسا يطارد تل أبيب.
رغم الدفع بخمسة ألوية إسرائيلية دفعة واحدة وهي كتلة بشرية وتقنية هائلة إلا أن جيش العدو الإسرائيلي يجد نفسه غارقا في حرب "كر وفر" لا ترحم. التقارير الميدانية الواردة من تخوم المدينة تتحدث عن خسائر بشرية ومادية متلاحقة، حيث تحولت الأزقة إلى مصائد للصواريخ الموجهة والعبوات الناسفة. هذا الفشل الميداني الصهيوني ليس مجرد تأخير في الجدول الزمني، بل هو "فشل تكتيكي" يثبت أن التفوق الجوي والمدفعي لا يضمن السيطرة الفعلية على الأرض أمام مقاتلين يتقنون فن الدفاع من المسافة صفر.
بالتوازي مع تطلخ أرض الجنوب بدماء جيش الاحتلال الصهيوني ، تنفجر أزمة أخرى في داخل المجتمع الإسرائيلي. فالانتقادات الموجهة لمجرم الحرب نتنياهو لم تعد محصورة في أروقة المعارضة بـ "الكنيست"، بل انتقلت إلى الشارع في مستوطنات الشمال.
هناك شعور متعاظم بـ "الخيانة السياسية"، حيث يتهم المستوطنون حكومتهم باتباع سياسة "تجزئة الأمن"، عبر حماية العمق في تل أبيب وترك الشمال ساحة مفتوحة لصواريخ حزب الله التي لم تتوقف رغم العملية البرية. هذا الشلل الاقتصادي والاجتماعي في الشمال يضع نتنياهو أمام معضلة اقناع الداخل الإسرائيلي بجدوى الحرب البرية المكلفة والباهظة والتي تعري زيف الاحتلال أمام مقاومة تكبد العدو خسائر فادحة في الأرواح .
إن استمرار المعارك في بنت جبيل دون تحقيق "صورة الحسم التي أرادها نتيناهو ، مع ارتفاع كلفة الفاتورة البشرية، يعزز القناعة لدى الداخل الاسرائيلي بأن الخيار العسكري وصل إلى السقف . رغم ان حكومة لبنان قدمت ورقة مجانية لنتنياهو الباحث عن وهم الربح بين رماد الدمار في بيروت وبين أشلاء الشهداء في أرض الجنوب والبقاع .
لقد أدخل حزب الله اليوم معادلة جديدة الى قلب الميدان تقوم على استنزاف قوة الاحتلال وجره الى المعركة البرية التي لطالما انتظرها مقاتلو الحزب المؤمنون بأهمية الدفاع عن الأرض والكرامة . واليوم يرى العالم كيف يغرق جيش العدو استراتيجيا في تضاريس الجنوب الوعرة. المفارقة ان مشهدية جلوس سفيرة لبنان بواشنطن مع سفير دولة الاحتلال والتي خلقت صدمة لدى أطياف واسعة من اللبنانيين الذين يرفضون التطبيع ، تقابله مشهدية أخرى تعبق بالزخم وهي تكسّر طموحات الاحتلال في أرض بنت جبيل المقاومة . واليوم هناك قناعة لدى طيف واسع من اللبنانيين بان ما حدث في واشنطن سينتهي بانتهاء عهد حكومة نواف سلام وأن من يفاوض ويمتلك القرار هو صواريخ المقاومة التي تفتك بجيش الاحتلال مهما تعاظمت التحديات الداخلية والخارجية
للحديث بقية معركة بنت جبيل ...حين تبتلع جغرافيا الجنوب أوهام التطبيع الصهيوني
- بقلم روعة قاسم
- 15:17 16/04/2026
- 42 عدد المشاهدات
لم تكن منطقة "بنت جبيل" الجنوبية في لبنان