على عمليته الأخيرة في لبنان مجرد تسمية عسكرية عابرة، بل هو إعلان صريح عن استراتيجية "كي الوعي" وشلّ الحياة في لبنان. يرى البعض إن المجازر التي استهدفت بيروت، البقاع، والجنوب، والتي خلّفت مئات الشهداء في دقائق معدودة، هي انتقام صهيوني على اخفاق عسكري يتمثل في صمود المقاومة . وهي في الوقت نفسه تدخل في سياق ركيزة أساسية في العقيدة الأمنية الصهيونية التي تُقدس القوة الغاشمة وتستثمر في الدماء لتحقيق مكاسب سياسية يبحث عليها مجرم الحرب نتنياهو ليخرج من اخفاقاته وهزائمه امام الداخل الصهيوني.
يأتي توقيت هذه المجزرة البشعة في لحظة سياسية فارقة، وهي تهدف الى فصل المسارات . اذ تسعى "إسرائيل" من خلال هذا التصعيد الجنوني إلى توجيه رسالة حاسمة بأن أي اتفاق إيراني - أمريكي لا يعني بالضرورة انسحابه على الساحة اللبنانية. إسرائيل تريد انتزاع "استقلال عدواني" يتيح لها ضرب لبنان دون قيود إقليمية. وكذلك تسعى دولة الاحتلال الى استباق أي تسوية عبر رفع الكلفة البشرية إلى أرقام صادمة، يحاول نتنياهو فرض شروط استسلامية على الدولة اللبنانية وحزب الله قبل أن تنضج أي مبادرة دولية لوقف إطلاق النار.
ويمكن اعتبار ما جرى هو محاولة صهيونية لترميم الردع المتآكل، خاصة بعد فشل الاحتلال في تحقيق أهداف حاسمة في جنوب لبنان وتلقيه ضربات موجعة في العمق، لذلك يلجأ إلى "المجازر المباغتة" لإعادة الهيبة لجيشه أمام جمهوره الداخلي.
إن لجوء الاحتلال للمجازر ضد المدنيين هو تطبيق منهجي لنظريات عسكرية صهيونية ابرزها "عقيدة الضاحية" وهي استراتيجية تعتمد على استخدام قوة مفرطة وغير متناسبة ضد البنية التحتية والمدنيين، بهدف خلق ضغط شعبي على المقاومة وتحويل البيئة الحاضنة لها إلى بيئة معادية بسبب حجم المعاناة.
وتعويض العجز الميداني، فعندما يعجز الجيش عن حسم المعركة مع المقاتلين المقاومين على الجبهات، يذهب نحو "الأهداف الرخوة" مثل النساء والأطفال في بيوتهم لتحقيق "انتصار وهمي" يُسوقه لإعلامه.
كما تهدف المجازر الى تنفيذ سياسة الصدمة والترويع عبر شلّ أجهزة الدولة، وإرباك المنظومة الصحية، ونشر حالة من الرعب الجماعي لكسر الإرادة الوطنية.
وفي الحقيقة ان المجزرة الحالية هي حلقة في سلسلة طويلة من الغدر الصهيوني الذي لم يتوقف منذ نشأة الكيان ، من مجزرة حولا عام 1948 الى مجزرة صيدا عام 1982 خلال الاجتياح، حيث دمر الطيران الصهيوني أحياء كاملة ومخيمات، مخلفا آلاف الضحايا. ومجزرة صبرا وشاتيلا عام 1982 والتي تعد من أبشع الفظائع الإنسانية، حيث قتل آلاف المدنيين بدم بارد تحت حماية وإشراف جيش الاحتلال. ومجزرة قانا الأولى عام 1996 ومجزرة قانا الثانية عام 2006 حينما استهداف مبنى سكني لجأ إليه الأطفال والنساء، مما أدى لاستشهاد 55 شخصاً غالبيتهم من الأطفال.
وأخيرا مجازر "البيجر" واللاسلكي عام 2024 وهي اعتداء إرهابي تقني استهدف الآلاف في لحظة واحدة، فاتحا بابا جديدا من الجرائم الصهيونية التي تظل دون أي حساب في سجلات الأمم المتحدة والقوانين الدولية .
إن إسرائيل اليوم، ومن خلال عملية "الظلام الأبدي"، تحاول إغراق لبنان في بحر من الدماء لتغطية إخفاقاتها الاستراتيجية. لكن التاريخ اللبناني أثبت أن "سياسة المجازر" لم تؤد يوما إلى استسلام، بل كانت دائما الوقود الذي يُشعل فتيل المقاومة والصمود. إن الصراخ الذي سُمع في أزقة بيروت ليس علامة انكسار، بل هو صرخة وجع ستتحول حتما إلى قوة دفع ترفض المقايضة على الكرامة الوطنية .
للحديث بقية "الظلام الأبدي" الصهيوني وسياسة فصل المسارات
- بقلم روعة قاسم
- 15:21 10/04/2026
- 124 عدد المشاهدات
لم يكن إطلاق جيش الاحتلال اسم "الظلام الأبدي"