العلمية خيالا؟ وهل للفنتازيا منطق ان هي اقترنت بالعلم؟ ام إن تداخل المحسوس والملموس من شأنه أن يخلق في مفهومنا مجالا موحّدا نسمّيه فنتازيا واقعية؟
ان القاء نظرة استكشافية على أبطال الرواية التي بين أيدينا وأحداثها قد لا يكفي لتصنيفها عندما نكتشف اننا نمشي على حبل معلق في الفضاء او على ارض زلوق، نحس بأنالأبطال، وهي خلايا الجسم، تحيا وتتحرّك على أرض الواقع ولكننا لا نراها بالعين المجرّدة فنكتفي بتخيّلها،وكذلك الأعضاء لا يقدر على رؤيتها وهي تنبض بالحياة الا الجرّاح الذي يباشر عليها عملياته. وحتى ليلى، الامرأة التي يذكرها النص في أكثر من موضع، أليست المرأة الأسطورية في المخيال العربي؟
في هذه الورقة محاولة الإجابة عن هذهالأسئلة.
قلت سابقا في رواية الظّل للمولدي فرّوج "إن من لم يقرأها مات بلا خيال". وكنت أعتقد أن المولدي فرّوج وصل في تلك الرّواية العلميّة الى حدود عالية جدّا من الخيالالمتفرّع عن الواقع. وها أنا أقف مشدوها أمامرواية " محاكمة نطاف"التي صدرت أخيرا للكاتب الدكتور، فقد قلبت الموازين في نظري وجعلتني أتساءل إمّا أن يكون خيال هذا الرّجل لا حدود لهكلّما كتب الرّواية، أوإن للشّعر تأثيرا كبيرا عليه باعتباره عصارة خيال.تبدو الرواية في الظّاهر واقعية، أو يجب أن تكون كذلك ما دامت أحداثها تدور بين قفص الاتهام ومصطبة القضاء بل ويبدو مضمونهاصورة منقولة عن أحداثها تدور بشكل عادي بين خلايا الجسم الواحد أحسن الكاتب استغلالها ليقدّمها لنا في شكل نصّ شيّق وممتع.لكأننا نسمع تصاريح الناس الذين يقطنون هذا الوطن المسيج بالجلد فنتفاعل إيجابا مع الكاتب ونشاركه في تخيّل النّصّ.
تأخذك الرّواة من العنوان وترجّك رجّا جميلا ويدهشك السؤال: كيف يمكن أن تحاكم الخلية المنوية (النّطاف)؟وما هي التهمة التي تقاد من أجلها الى المحاكمة كلّما نضجت وصارت قادرة على القيام بواجبها الذي خلقت من أجله؟ سأكتفي بكتابة انطباعي الأولي أو قراءتي الأولية لهذه الرّواية علّني أنصفها وأنصف كاتبها، فأنا قارئ إيجابي أسعى دائما الى التفاعلبعشق مع النّصّ الجيّد. ولعلّي صرت أهذي اعجابا وأصرّح انها رواية شيّقة، رواية طريفة، رواية عجيبة او رواية ذكيّة.وأسأل هل هي رواية من الخيال العلميأم هي من الفنتازيا الواقعية؟ لا أجد كلمة واحدة يمكنها اختزال هذه الصّفات والالمام بكل هذه النعوت لأنهاأكبر منهذا سواء من ناحيةطرافة الموضوع او حلاوة الحكي وغرابة الشخصيات او مكان الاحداث وزمانها. فوقائعها تدور بصفة مسترسلةفي مكان يشبه كل الأمكنة، إنه جسم الانسان الذي يمثل الوطن الشاسع بحدوده الجلدية المرسومة بكل عناية والتي ما تنفكّ تتمدّد وتتمطّط من أجل أن تسع سكّانها الذين يعدّون بالمليارات. المواطنون هم مجموعة الخلايا يدير شؤونهم رئيس من نفس القطيع، انه النيرون أو الخليّة الدماغية، أكبر الخلايا وأطولها عمرا، يعلمنا الرّاوي بذلك. لم ينتخبه أحد ولم تتساءل الخلايا عمّن ولّاه خوفا من ملامسة الكفر كما يقول الكاتب. وتلك حدود الشكّ لا يقربها البسطاء والخوّافون. النّيرون لم يجد ما يمنع به الخلايا من السؤال سوى ادّعاءه أن يدا خفيّة وضعته على كرسيّ العرشوأوكلت اليه مهمّة رعاية القطيع. لذلك سارع منذ تولّيه شؤون الوطن بتكوين ما سمّاه مجلس النبلاء وهو عبارة عن مجلس وزاريكوّنه من بعض الأعضاء الهامّة في الجسم. أما بقية الخلايا فهي تمثّل عموم الشّعب وتؤدّي مهمّتها ثم تمشي الى حتفها فتُسحل في بعض الأماكن من الجسم وينكّل بجثثها لتسحب منها العناصر التي قد تصلح لتكوين الخليّة المعوّضة. عليّ أن أصدّق كلّ هذه الأمور العلمية لأفهم الرّواية وأستمتع بها.
هذه الشخصيّات بمهماتها التي خلقت من أجلها تبدو للقارئ واقعية بل حقيقية يراها الانسان بالعين المجرّدة وهي تؤدّي أدوارها في الحياة كأنّه بصدد مشاهدة فِلْم أو مسرحية.الاحداث الاساسيةللرّواية من وضع خيال الكاتب،ولا نستعرب من ذلك فالروائي طبيب يعرف جيّدا كيف تعمل مختلف الأعضاء داخل الجسم والطريقة التيتؤدّي بها الخلايا دورها في الحياة ويعرف كيف يبني احداث روايته من هذه الأدوار التي مثلت الحركة الدائمة لكلّ عنصر وجعل بين الخلايا علاقات اجتماعية مشابهة للعلاقات التي تربط بين افراد أي مجتمع. بنى روايته على المنطق الذي يوفّره له العلم وتحديدا علم الطّبّ. لذلك حوّم بنا وطوّف في الخيال بأجنحة المنطق لتكون روايته فنتازيا المنطق إن صحّ القول.
لقد تعوّدنا على قراءة قصص وروايات سمّيناها روايات الخيال العلمي وجعلنا لها، نحن القراء والنقاد، ضوابط وشروطا تحدّد مجالها وتمنحها خصوصيّتها،واتفقنا على أن هذا النّوع من الكتابات ينطلق من خيال الكاتب ويحلّق به في فضاء الاحتمالوالمحسوس ليحطّ به وبنا على أرضالواقع وفي عالم الملموسفيصبح الأمر حقيقة.وقد تتطوّر هذه الحقيقة الى تطبيق للتصوّر الذي جاء به النّصّ فيعطينا ثماره شكلا مبتدَعا جديدا قد يكون صناعة أو قاعدة علمية."كلّ الاختراعات الكبرى بدأت بحلم أو بسؤال بسيط وساذج أحيانا". أما في هذه الرّواية: محاكمة نطاف فإن المولدي فرّوج قلب المعادلة وأصاب،واتخذ من معارفه الطبية ومن مكاسبه العلمية مجالا ملائما لإنجاز روايته بشخوصها وأحداثها فكانت النّهر والرّوافد وكانت الموقد والجمرات وكانت العناصروالهيكل وكانت السّببوالنّتيجة وكانت الصّلصال الذي صاغ منه الخرافة والخيوط التي نسج منها لوحات متكاملة نصبها في خيال القارئ والنّاقد بلغة سلسة وبألفاظ مختارة.
فهل نجح المولدي فرّوج الطبيب فيما لم يسبقه اليه المولدي فروج المبدع؟ بكل صراحة أقول نعم. قلب الموازين وأعاد اتزان الرواية وبنى لها خيمة في الخيال فأبدع وأمتعواسمع واقنع.
بنى الكاتب روايته عن شكوى يتقدم بها أعضاء مجلس النبلاء الى النيرون باعتباره اعلى سلطة في الجسم، يتهمون فيها النّطاف (الخلية المنوية) بالخيانة العظمى متمثّلة في جمعه للمادة الوراثية التي ينتجها الجسم الذي ربّاه ورعاه وساعده على النموّ. يبادر هذا النّطاف بحمل المخزون الجيني والهرب بهلزرعه في جسم غريب هو رحم ليلى (اختارها الكاتب لأنها تمثّل المرأة المرجعيةفي المخيال العربي) متواطئا مع البويضة التي تستقبله في مناخ من البهجة.ولكنّ النّطاف يدّعي أنه المسؤول الأوحد على التواصل البشري لتعمير الأرض. تعود اليه مسؤولية التكاثر البشري على سطح المعمورة.
لم يجد النّيرون إمكانية التّهرب من مسؤوليته فأعضاء المجلس صادقوا على قانون الخيانة العظمى و أوعزوا الى شعب الخلايا بالتحرّك لمناصرتهم فانطلقت الاحتجاجات و كثرت المظاهرات وهرول شاهدو الزور و المتطفّلون، كل يصيح بالحرص على عدم الإفلات من العقاب و على ضرورة محاربة الفساد و دعوا الرئيس الى الوقوف بحزم والضرب على ايدي المهرّبين فاضطر الرئيس ( النّيرون) الى تكوين محكمة و تعيين قضاة وتكليف محامين لم يرغب النطاف في تعيينهم لأنّه مصر على ان الحقيقة واضحة لا تحتاج الى مهمّة الدفاع بل و يذهب ابعد من ذلك فيطالب بتسليط أقسى درجات العقاب على نفسه.
بقلم: الياس قعلول
رواية محاكمة نطاف، للمولدي فرّوج فنتازيا الواقع أم فنتازيا المنطق؟
- بقلم المغرب
- 15:17 10/04/2026
- 37 عدد المشاهدات
هل يستطيع الكاتب أن يخلق من المعارف