للحديث بقية جنوب الليطاني وحرب الخرائط الجديدة للمنطقة

تدخل الحرب الإسرائيلية على لبنان في مرحلة

أكثر خطورة وتصعيدا ، فالمدافع الصهيونية التي تدكّ أطراف القرى اللبنانية الحدودية مثل "بنت جبيل" و"الخيام" منذ فجر أمس الخميس، ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل هي محاولة صهيونية لرسم ملامح "منطقة عازلة" لطالما لوح بها قادة الاحتلال. إن المشهد في جنوب لبنان اليوم، والذي بات جزءاً لا يتجزأ من مواجهة إقليمية كبرى بدأت شرارتها في 28 فيفري الماضي، يضع المنطقة أمام سيناريوهات لم تشهدها منذ عقود.
لا يمكن فهم الإصرار الإسرائيلي الحالي لابتلاع جنوب الليطاني دون إدراك أن تلك المنطقة تُمثل "المطمع التاريخي" والأداة الأهم لإعادة صياغة الأمن القومي لدولة الاحتلال العبرية . يركّز الكيان الصهيوني على هذه الرقعة لثلاثة أسباب جوهرية أولها الأمن المائي اذ إن السيطرة على جنوب النهر تعني التحكم في أهم شريان مائي للبنان، وهو طموح صهيوني قديم يتعلق بأطماع الاحتلال بالسيطرة على الأمن المائي للمنطقة .وكذلك تسعى تل أبيب لتحويل المنطقة إلى "أرض محروقة" خالية من السكان وسلاح المقاومين، لضمان استحالة وصول صواريخ المقاومة قصيرة المدى إلى مستوطنات شمال الاحتلال.
علاوة على ذلك ، تضم المنطقة تلالاً استراتيجية حاكمة تكشف العمق اللبناني وصولاً إلى بيروت، مما يمنح الاحتلال تفوقاً استخباراتياً ونارياً دائماً.
لقد تجاوز التصعيد الأخير فكرة "الرد والرد المضاد" ليدخل في مرحلة تغيير البنية الجغرافية. فقصف الجسور فوق نهر الليطاني ليس مجرد إجراء تكتيكي لقطع خطوط الإمداد، بل هو ترجمة عملية لتهديدات "يسرائيل كاتس" بفرض سيطرة دائمة. يبدو جليا أن دولة الاحتلال تسعى لخلق واقع جغرافي جديد يفصل جنوب الليطاني عن العمق اللبناني، وهو ما وصفته وزارة الدفاع التركية بـ"سياسة الاحتلال" الممنهجة التي تضرب عرض الحائط بالقانون الدولي الإنساني.
في المقابل فإن حزب الله تمكن من الاستمرار في الصمود ولعل إطلاق 600 صاروخ ومسيرة خلال 24 ساعة يعكس إصراراً من "حزب الله" على إثبات أن هيكليته العسكرية ما تزال قوية . ويهدف هذا الكم الهائل من النيران إلى عرقلة التوغل البري للاحتلال الذي بدأ في 3 مارس وجعله مكلفاً للغاية.
ما يحدث في الجنوب السوري من توغلات صهيونية، وما يشهده الجنوب اللبناني، يؤكد أن "إسرائيل" استغلت سقوط النظام السوري في ديسمبر 2024 لتعيد تعريف "حدودها الأمنية". فإلغاء اتفاقية فك الاشتباك لعام 1974 منح تل أبيب ذريعة للتحرك بحرية في القنيطرة ودرعا، بالتزامن مع عملياتها في قضاء بنت جبيل، مما يضع الهلال الخصيب في قلب "كماشة" عسكرية أمريكية-صهيونية.
يحدث ذلك أمام موقف دولي عاجز ومتواطئ وذلك رغم القلق الإقليمي من الانفجار الشامل. فالمجتمع الدولي يقف عاجزاً أمام "ديناميكية الحرب" التي تقودها واشنطن وتل أبيب لتغيير توازنات القوى بشكل جذري، وسط غياب تام لأي أفق دبلوماسي حقيقي.
إننا أمام منعطف تاريخي، فلبنان اليوم ليس مجرد "جبهة مساندة"، بل هو المختبر الحقيقي لمشروع "الشرق الأوسط الجديد" الذي يتم صياغته تحت دخان الغارات. ان حزب الله اليوم يقاوم ودماء شهداء لبنان الأبرار تتساقط لكي لا تنجح "إسرائيل" في قضم جنوب الليطاني وتحويله إلى ملحق أمني في مشروع " إسرائيل الكبرى"، ولكي لا تتغير خارطة المنطقة التي عرفناها لعقود إلى الأبد. الأكيد أن مشروع الصمود والمقاومة والدفاع عن خريطة لبنان بشمالها وجنوبها وشرقها وغربها له أثمان باهظة ويواجه بتضييقات داخلية وخارجية وأصوات تريد خنق وكتم رصاص المقاومة والبحث عن طرق بديلة في طريقة التعامل مع العدو الصهيوني ولعل أخطرها هو الرضوخ والاستسلام لهذا الشرق الأوسط الصهيوني الجديد .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115