ما وسم بـ "التبادل الكولومبي"،ومدلوله انتقالواسع للنباتات، والحيوانات والغذاء والبشر بين المجالين الشرقي والغربي للمعمور.الأمرالذي شكلقطيعة محورية مع واقع القرون الوسطى بيئيا وزراعيا وثقافيا. كما أن التوفّق في رسم تمثيل خرائطي لكامل الأرض قد نجمتعنه من ناحيته رؤية جديدة للعالم ولحضاراته البعيدة، تلك التي أضحى الاتصال بها في المتناول، حتى وإن استتبعأمر ذلك بانتشار غير مسبوق للأوبئةوالأمراض التي ذهب ضحيتها جانب كبيرمن سكان المعمور غربا وشرقا. فضلاعن استعباد للسكان الأصلين واستغلالهمنتيجة للتوسع في الغزو والهيمنة الاقتصادية التي مارستها الممالك والامبراطوريات الناهضةعلى الكثير من الاصقاع، من دون الذهولطبعا عن الانتشار غير المسبوق للديانة المسيحية ولثقافة البيض التبشيرية الأهداف التنويرية الادعاء.
يحتاج الحديثعن "عصر الاكتشافات"الذيتبسطت في الحديث عن نقلاته معظم كتب التاريخ إلى تدقيق فاحص بشأنه، بعد أنانتشر استخدامه البديهي حاضرا على حسابمدلولالاستطلاع، والحالأنما سمي بالاكتشافاتوإنسمح بالتعرّفعلى مناطق مجهولة سابقًا،وكذا باتساع المعرفة الجغرافية وانتعاش العلوم التجريبيةمع نفوق لسوق التقنياتأو لـ "علم الحِيل" وفق تسمية العرب،لم يمحالفرق بين «الاكتشاف» و«الكشف»،فكلمة ديسكوفري أو Discovery الإنجليزية، ومقابلهافي الفرنسيةdécouvrir ، مشتقة من ديسكو-أوبيريوdisco-operio، ومدلولها"تجلّيالشيء،" مما ينهض حجة على أن ما حصلاكتشافه كان موجودًا سابقا.
لذلك بداتوظيفمصطلح كشف للوقوفعند الالتقاءالتاريخي للمستكشفين الأوروبيين بالسكان الأصليين للمناطق التي استهدفوها بالرحلة والاستطلاع جدّ نادرا،بعد أن ترسخمدلول الاستكشاف الذي اخضع للتدقيق والتدبّرحال ربطهبالغزو الاستعماري وما استتبع ذلك من اضطهاد واستغلال،تم تلطيفهمابالتعويل على مدلول الاتصال بين المجتمعات المعزولة عن بعضها البعض،وإشراب ذلك معنىالتبادل بردّحقيقة الانتهاك والتسلّطإلى معاني الاتصال والتنوير والمثاقفة.
جغرافية العالم بعيون غربية:
ومهما يكن من أمر فقد تمتع هذا الجهد الأدبي التمثيلي الذي لايصف الواقع في ذاته، بل ينقل التصوّرات التي تتشكلحوله،دائمابقدرةعلى رسم الصور الثقافية حول المختلف تحوّلت بالتدرج إلى نسق من القيم والمفاهيم الموجِّهة للسلوك.بحيث تركبت التمثلات من مزيج يجمع بينالذاتي الذييتضمنشحنة عاطفية وتخيلية،وبين الموضوعي المستند على شهاداتعينية حية ودقيقة على غرار ما حوته الرحلات وتقارير المستكشفين والجغرافيين، والبحوث الميدانية في المعارف الاجتماعية. وهو ما يمنح الصورة الذهنية قدرة عالية على الثبات والاستمرارية بين الأجيال،متحوّلة الى إطار نمطي من العسير زعزعة مكوناتها.
والظن بعد هذا أن التمثيل وتشكيل الصور الذهنية قد مثلا ظاهرتان راسختان في تاريخ البشرية رافقتا بدايات ظهور الثقافات الإنسانية الأولى. فنشطت المخيّلات فيترسم تصورتها الذاتية عن مخالفها.لتضع كل ثقافة صورتها المميزة عن آخرها. وهي صورة تمكنت من وجدان الناس قبل عقولهم، وشكّلت مرجعيتهم الرئيسية لتحديد علاقتهم بالغيريات. ومن الأمثلة الدالة عنالتباس المفاهيمتحديد ماهية "الغرب" مثلا، وذلك بسبب انزياح المصطلح أو انزلاقه اللفظي من الدّلالة اللغوية البسيطة التي تحيل على"غروب الشَّمس"، إلى معاني مشحونة تحمل تصورات عقائديّة وأسطوريّة وأيديولوجيّة.لذلك يصعب الفصل بينمدلول "الغرب"باعتباره موضع جغرافييحيل تاريخيا على أوروبا ليشمل لاحقاشمال القارة الأمريكية، أو رد ذلكإلى مجموع الدول التي لها هوية غربيَّة؟ ثم ألا يستقيم ربط الغرب بمرحلة معينة من تاريخ الانسانية؟ أو بنظام اقتصاديّ رأسمالي مهيمن؟ وهل هو منظومة أخلاقية ودينية، أم طريقة عيشٍ وتمثل فكريّ وذهني؟
يشدد جانب من المؤرخين على محورية سنة 1492،باعتبارها مفصلة زمنية تأسيسيّة لنشأة الغرب السياسي والثقافيوموعدا لدخول أوروبا في الزمن الحديث وفق التحقيب الإجرائي للتاريخ العالمي.مع اعتبار تلك المفصلة الزمنية شهادة ميلاد هوية تقوم على الغصب والاستيلاء. فالخطاب التاريخي المتمركز حول الذات الغربية يعرض علينا قراءة نموذجيّة لماحوّله الغرب إلى حقيقة كونية بديهية،لذلك غالبا ما يتم انتقاء أحداث من هذا التاريخ تعكس غير تلك الرؤية.
فبعد تحديد مجاله الجغرافي الحيوي الواقعة نواته الصلبة غربي أوروبا، تحاول نفس تلكالعروض إضفاء مشروعية تاريخية لروقي الغرب الفكري، مستندة في ذلك على ثلاثة روافدتحيل على التراث الفكري الإغريقي وعلى القوانين الرومانيةوعلى التراث العقدي اليهودي – المسيحي، ممثلا بالكنيسة الكاثوليكيّة وتعاليمها الأخلاقيّة.
أوهم الغرب نفسه كما أوهم غيره بتشكيل صورة براقة حول ذاته، ثائرا لها من تاريخهاالعدواني الهمجي القديمة، رافضا في الآن ذاتهأن يكون للشرق تلك الهالةالقديمة التي جعلت منه وعلى مدى قرون طويلة مجالا آهلا وغنيا بموروثه الحضاري والفلسفي والروحي. ولعلامتداد صيت الأنموذج الأوروبي أو الغربي كونيا، هو ما أغرى بقية شعوب شرقي المتوسط وجنوبهبمتابعة منجزه الحافل على غرار وتونس ومصر وتركيا وإيران، وكذا الأمر سواء بسواء بالنسبةلشعوب الشرق الأقصى كاليابان والصين. فلم يعد خافيا عن أحد ذلك البوّن الشاسع بين عالم مهيمن وقوي تقنيا وعسكريا واقتصاديا وآخر متخّلفافتقد مقوّمات القوة،تسيره أنظمة سياسية بالية لم تعد تليق بكرامة الذات البشرية.
إزاء هذه المفارقة سارعت شعوب الشرق المتحفزة للنهوض إلى ارسال الوفود والسفراء والرحّالة للمتابعة مجريات الأوضاع على الضفة الشمالية للمتوسط، وتمثلت محصلة ذلك عربيا في كتابة ما لا يقل عن ثلاثين مؤلفا في غرض الرحلة انغمس واضعوها في تفكيك واقع أوروبا الناهضة المادي وتطورها السياسي والتقني والفكري، الشيء الذي عكس نظرة العرب للغرب أو لما وسمه خير الدين التونسي في أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك بـ "التمدنالأوروباوي"، بحيث تراءتأوروبا باعتبارهامركزاللازدهار المادي، حتىوإن اتسمت الصورة المرسومة حولتلك الغيرية الغربيةبالانطباعية،ولم تدرس الطبيعة المتطوّرةللعناصر الثقافية عبر الأزمنة، وكذا كيفية تشكّلها وتفاعلها. بحيث تم الاكتفاءبالوصف،ولم يحصل انشغال بفهم الظواهر في عمقها.
لهذا السبب تحديدا لا يمكننا الإقرار بتحول نصوص الرحلة العربية نحو أوروبا إلى ما أسماه حسن حنفي بالمباحث المتصديّة للاستشراق تحت مسمى "الاستغراب"، بما يعنيهذلك من وضع مسافة بين الأنا الشرقية والغيرية الغربيةقصد دراستها من منظور شرقي. وهو ما يشيبحدود الذائقة الفكرية للموفدين والرحالة العرب وتواضع تكونهم المعرفي. وهو ما تحاول المراكمة المعرفية ببلدان الجنوب تلافيه حاضرا من خلال البحث عن بدائل،تسمح بصوغ خطاب ناقدا للتصوّرات الكونية الغربية تحلّالتفكير فيما بعد الاستعمار وتصفيتهموضعا متوازنا ومعافى وحقيقة ماثلة، على شاكلةما انجزته "دراسات التابع" التي انطلقت من أقسام اللغات والعلوم الإنسانية بشبه الجزيرة الهندية، لتركّب خطابا يتسم بطابعه المنصف ودعم وجهة نظر الشعوب التي تعرضت للاستعمار واكتوتبسلبياته.
من الوجيه التعرّف إلى مفهوم الصورة الذهنية وآليات تشكّلها؟ ووظيفة السرد في نص الرحلة؟ ودواعي لجوء بعض الرحّالة إلى تطعيم نصوصهم بمشاهد من العجيب والغريب؟لذلك يستقيم اعتبار الرحلةسجلا دراسيا ميدانيا يصف موروث الشعوب ويقدم صورا حيّة عن أنشطتها ومعتقداتها وعاداتها وحياتها اليومية. فكتب الرحلات، كما هو حال الروايات الاستعمارية، تخترقها الصور الذهنية أو الصور التمثيلية التي ترسمها ذات الرحّالة أو الروائي عن آخرها المختلف.وهي صور غالبا ما تكونمشبعة بعدد لا متناهي من الثنائيات المتعارضةعلى غرار التوّحش/ والتمدّن، والإيمان/ والكفر، والبدائية/ والتحضر، والإنسان/ والحيوان، والتقدم/ والتخلف...)
وعلى العموم شكلت نصوص الرحلة حصيلة تجربة ذاتية، لذلك لا يمكن الاعتقاد في براءة خطابها، الذي يحيل على ضروب متنوعة من التمثيلات التاريخية، والجغرافية، والدينية، والاجتماعية تضافرتلترسم صورة عن الأمم الأخرىامتزجتضمنها الوقائع بالتخيُّلات،مع الانخراط في لعبة المجازات والتمثيلات الثقافية المنحازة إلى ثقافة السارد وتكوينه.
لذلك تم الاتجاه للبحثفي معاني الصور والتمثيلات التي وضعها الأوروبيون عن غيرهم وطبيعة الخطاب الذي وقع انتاجه بالتزامن مع دخول أوروبا مرحلة تاريخية جديدة وسمت بالحديثة، متخذة من رحلة كريستوف كولومبوس الأولى إلى العالم الأمريكي نقطة انطلاق لبناء مرحلة تاريخية مميزة امتدت إلى حدود مشارف اندلاع الحرب الكبرى مع بدايات القرن العشرين، وهي فترة طويلة عاينت أمجاد أوروبا المهيمنة والمستكشفة لشعوب لم تكن تعرفها من قبل، الشي الذي منحها سبق تصويب معارفها القديمة حول جغرافية العالم، ودخول المعرفة الإنسانية طورا جديدا،ألصق بالغيرية جميع العيوب التي عفا عنهاالواقع الأوروبي المنخرط في الحداثة،إثباتاللذات باعتبارها نقيضا لهمجية الآخر. في حيناقتنع العرب مع حلول القرن التاسع عشر بضرورة الفكاك من عزلتهم، والتوّجه نحو أوروبا الناهضة وتحرير عشرات المؤلفات الباحثة في تحديد ماهية آخرهم الثقافي،ذلك الذي أنكروا تفوّقه على مدى قرون.
الاستكشاف في مرآة ضفتي المتوسط
حول هذا المشهد التاريخي الثقافي المتشعب،ركّب عادل النفاتي بكثير من التوفيق فصول كتابه التسعة ليبُت في تعارض التمثلاتالعاكسة لصورة الآخر بين ضفتي المتوسط.فقد حملت أولى الصور تمثلاللمجال الإفريقي من منظور أوروبي وذلك بالتعويلعلى عين أندلسية تكفل الحسن الوزان الفاسي (ت 1550) الخبير بأحوال افريقيا بوضع تصوّر عنهاانسجم مع المنعطف الذي شكلته النهضة الإيطاليةفي بحثها عن تنويع معارفها،بعد أن بينت الاكتشافاتمحدودية المراكمةالمعرفية غربا خلال الفترة الكلاسيكية التي أبدتالصور القديمة،مبتسرةقارةبأكملها في تصوّر استعلائي حمّل المغاربة وبقية المسلمين ما لحق بالأوروبيين من صدماتعلى مدى قرون.في حين عرضت علينا صور الرحلة العربية للتعرف على شعوب أمريكا الشاغل الرئيس الذي ربط بين مختلف هده اللحظات الفارقة، والذيأحال بالأساس على تواصل هيمنة التمثلات القديمة وترسّخها في الأذهان،معيقة قدرتهم على استيعاب المختلف أوالتعامل معه.
أماتفاصيل الصور الثقافية للرواية الاستعمارية الفرنسية التي احتضنها القسم الثاني من الكتاب، فقد ركبّت لنا تمثّلا متوهَّمًا هو أقرب إلى الفنتازيا حول شبقيةالافريقيات ومجونهن، وذلك في تعارض مع صورة الأوروبيات اللاّتياتسمت تصرفاتهن بالبرود، وتميزين بعقلانية محضة حصّنتهن من الانزلاق في سراديب النزوات. على أن يهتم نفس القسم بصورة أوروبا القوّية وفقتمثلالممالك العربية، وحلول سفراءهم ومبعوثيهم الذين أفاضوا في الحديث عن عظمة الحضارة الغربية، حتى وإن تباينت تفسيراتهم حول أسباب تقدم بلدانهاالمتباينمع تأزمالأوضاع مشرقا، بحيث تحوّلت أوروبا إلى محور لاهتمام العرب، مع تأكدحضور نزعة قوية للإحاطة بأخبار تلك الممالك وترجمة مؤلفاتها بما في ذلك المقالات الصحفية.
عمل الباب الثالث والاخير من هذا الكتابعلى مزيد تعميق النظر في الصورة التي احتفظ بها العرب عن الأوروبيين من خلال زخم المؤلفات التي اتخذت من أوروبا الناهضة والقوية موضوعا لها. بحيث تم الوقوف عند مكانة المرأة في مجتمعها مقارنة بنظيرتها العربية،والبتّ في موقعالشأن الديني عند الأوروبيين ومدى تأثّره بالثورات السياسية والعلمية، وبالانشغالات الجديدة للكنيسة بعد أن خسرت الافضلية السياسية. ولأن معرفة الآخر تستوجب معرفة لغاته، فقد قدّم من حذق لسان الآخر من الرحالة العرب في ثنايامؤلفاتهم تصورات مخصوصةحول الثورة الفرنسية،معمزيد توضيح لسياقات ما بعد الثورة،وبسط مواقفهم من جميع ذلك. وهو ما شكّل قراءة فريدة لحدث سياسي واجتماعي تمت قراءتهبعيون مصلحين مشرقيين.
على أن تمثلات الرحالة العربللغيريات الزمنية والمكانية الأوروبية قد شكّلت من جانبها مناسبة للتعرّف على أشكال فهمهم أواستيعابهم لاختلاف أنماط العيش بحاضرتي باريس ولندن، بوصفهما أكبر مدن العالم وأعرقها حتى اندلاع الحرب الكونية الأولى في بداية القرن العشرين.
من افريقيا إلى أمريكا الإسبانية الاستطلاع والتمثيل ورسم الصورة
شكلت الصورة التي رسمتها الذات عن الأخر،وفقا لما حاول عادل النفاتي تفكيكه، ثمرة سابق معرفة وتصوّر ممزوجين بألوان من المواضعات والرغبات والتخيّلات. ومثل المتوسطحقلا خصبا لإنتاج الصور والتمثلات، إذ تشكلت على ضفافه الشمالية ثقافة معتدة بانتماءاتها اللاتينية،وزعمها أحقيةالائتمان على الميراث الإغريقي والروماني، في حين انتشرتعلى ضفة الجنوبية المقابلة تصورات ثقافية غالبا ماردّها الأوروبيون إلى عالم الشرق، وربط تواصلها باستعمال اللغة العربية. فقد ضم عالم الشرق من منظور أوروبي وسط آسيا وغربها إلى حدود إيران وتركيا، وسكان شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام ومصر وكامل مجال المغارب.
اكتسى الصراع بين الشرق والغرب لقرون طابعا دينيا وذلك إلى حين انبلاج فجر الحداثة الأوروبية، الذي فسحت المسيحية خلاله مكانا لأوروبا العلمانية، وأخذت تفقد تدريجيا الاحتكار الأيديولوجي، حيث أصبح من الممكن الحديث عن"أوروبا متعددةوحديثة". حينها أصبحت الرؤية أشمل وأعمق بالنسبة للجغرافيين الأوروبيين الذين انتبهوا إلى عوالم ثقافية أخرى خارج المتوسط، وسعوا إلى تجميع المعلومات عنها وبناء صورة عن سكانها وتفكيك رصيدها الحضاري والثقافي. فقد فتحت الاكتشافات الجغرافية أفاقا جديدة وازداد التيقّن في اشتمال خريطة العالم على خمس قارات مأهولة لا ثلاثة. فإلى جانب العالم القديم الذي شهد ميلاد الحضارات البشرية الأولى، برز عالم آخر، يمكن الاستفادة من خيراته وموارده بعد أن توصل المستكشفون إلى رسم طرق تجارية مؤدية إليه، دونما عبور بالعالم الإسلامي.
وأمام هذه الحاجة إلىمزيد معرفة تلك العوالم، بحث الغربيون في جميع المصادر على اختلافها وتزايد الاهتمام بكتاب وصف افريقيا للحسن الوزان الفاسي، وبرحلةمارمولكاربخال إلى نفس الاصقاع. بيد أن الانشغال بالعالم الجديد لم يبق حكرا على الأوروبيين، فقد سجلنا منذ نهاية القرن السابع عشر رحلة للعراقي الياس يوحنا الموصلي حمل التقرير الموضوع بشأنها عنوان:"صياحت الخوري إلياس الموصلي". فكيف ارتسمت ملامح الصورة الذهنية حول افريقيا جنوب الصحراء وبلاد المغرب وأمريكا الاسبانية بمختلف هذه العروض التقريرية أو المؤلفات؟
ظهر منذ نهاية القرن الخامس عشر توجه آخر في المدن الأوروبية، وبخاصة المدن الإيطالية مهد النهضة الأوروبية، يطمح إلى تطوير المعارف والعلوم ضمن سياقات فكرية ثورية على المتوارث. في هذا الإطار نشر كتاب "وصف افريقيا" للحسن الوزان الفاسي، الذي قدم قراءة مخالفة لما ورد ضمن نصوص الجغرافيين ومؤرخي الفترتين القديمة والوسيطة. فقد تخلص المؤلف من نوازعه الذاتية وقدم صورة متوازنة ودقيقةساهمت في السعي إلى ترجمة رحلتهفي لغات أوروبية مختلفة.
أما الضابط الإسباني مارمولكاربخالقد بداواعيابحرص البلاط الإسباني على معرفة المجال الإفريقي، في سياقات اتسمت باشتداد الصراع الاسلامي المسيحي بحوضي المتوسط. لذلك عمل على توظيف تلك الظرفية، مستغلا روايات أسره من قبل السلاطين السعديين بالمغرب الأقصى لمدة زمنية طويلة. ولئن أعلن الكاتب تطوّعه للكتابة في موضوع افريقيا خدمة للمسيحية الكاثوليكية.
ومهما يكن من أمر فالثابت أن صورة المغاربة قد اتسمت بالدونية لم تكن تختلفكثيرا عن صورة الأفارقة السود ضمنالمصادر الجغرافية الأوروبية، وذلك على الرغم من ظهور مقومات فكر جديد، يدفع بقوة نحو إتمام مراجعات ضرورية على تلك الصورة بتغيير زوايا النظر. ولم تكن التصوراتالسلبية الأوروبية حول أخرياتها مقتصرة عليهم فحسب، فقد عاينا تناظرا مربكا بينها وبين معروض الياس يوحنا الموصلي حال توصيفه لمعيش شعوب أمريكا اللاتينية. بحيث ظهر جلياأنه باستثناء ما كتبه الحسن الوزان الفاسي الذي تحررت عروضهمن العديد منالاكراهات، فإن بقية الكتابات لم تبرح دائرة إعادة انتاجالنوازع المركزية الأوروبية المتأصلة وسيطرت على خطابها المعرفي حول بقية شعوب العالمرغبة جامحة للسيطرة العسكرية والاقتصادية والثقافية. فما تلك الصورة التي شكلتها أوروبا الناهضة بالتحديد حول غيريتها؟
بناء الصورة الثقافية بين الذات الأوربية وآخرها
ليس من الصعب على الباحث في المدونات الكلاسيكية على اختلاف أجناسها ولغاتها وطبقا لما أثاره مؤلف هذا الكتاب، تبيّن حضور صور ذهنية مركبة حول الشرق. فقد كانللمشتغلين بالمعارف أوروبياومنذ القدم ما يشبه الهوسببناء صور ثقافية عن الذات وعن آخرها. ومن المؤكد أيضا أن معاني تلك الصور لم تكن بريئة، بل مشحونة بأحكام وتمثلات مُغرقة في إظهار دونية الطرف المقابل. فقد تبنى مثقفو أوروبا ومفكروها وفلاسفتها وأدباءها منذ القرن الثامن عشر هذاالخطابالذي يعليتفوق العقل الغربي،واجتهد جميعهم على تركيب صورة سلبيةحول الأفارقة السود الهمجيين بزعمهموقاصرين -وفق زعمهم طبعا- علىكسب أي منجز حضاري يستحق الذكر، لأنهم يعيشونفي بيئة مناخية قاسية وصحراء ممتدة بلا حدود، وهم في صراع يومي للبقاءنظرالما يترصدهم من وآفات مناخيةوحيوانات بريةضارية مفترسة.لذلكاحتلوا آخر مراتب بني البشر،الأمر الذي يشرّع معاملتهمبوصفهم عبيد يحتاجونإلى الترويض قصد تخليصهم من شرور أنفسهم.
ومعحلول القرن التاسع عشر بدت رغبة العرب في النهضةأكثر مثولا. ومن تجليات ذلكتحقيقنقلة أدبية ترجم عنهاالتحبير في أدب الرحلات، وعودة الروح إلى أجناس أدبية موازيةكالقصة والرواية. فقد فرضت تلك السياقات الجديدة على العرب مراجعة الصورة الذهنية الموروثة عن "الفرنجة" أو "الروم"لـمّا وضعتهم على الهامش،وثبتابتعادهمعن الرقي الحضاري. فقد عاين ذلك القرن توجيه السفراء والمبعوثين والكتّاب نحو بلدان أوروبا، وحثهم على تدوين مشاهداتهم، فتسارع نسق الرحلات العربية نحو شمال المتوسط، ونشرتالعديد من التقارير التي ساهمت في تطوير المعرفة تعريف بأمم القارة الناهضة، وازدادتالدعواتالملحةحول ضرورة تعلم لغة الغالب وترجمة علومه وتعقب جميع أخباره المبثوثةفيما يخطه من مؤلفات وما يصدره من يوميات وصحف، قصد بناء جسور تواصل حقيقية بدل الاستمرار في اتباع نهج الانغلاقوالانعزالية.
بدا العربأحوج إلى تعديل تصوّرهم عن الأوروبيين، استجابة لمقتضيات انقلابالسياقات المؤذنة بسقوطهم لقمة سائغة في أفواه أعدائهم.بيد أنهملم يكنوا أول من تجاوز العوائق الثقافية المتأصلة لفهم الانقلاب الحاصل على معيش الأمم الأوروبية الناهضة، فقد سبقهم إلى ذلك كل من الفرس والأتراك.
وبحلول المستكشفين من الرحالة العرب بأرض أوروبا انطلقت هواجسفهم المغايرة والوقوف على الفوارق، بحيث شكلت سرديات الرحلة العربية عندها ارتحالا في الأزمنة وفي الأفكار والمعايير والقيم، لا ارتحالا في الجغرافية فحسب. الشيء الذي فتح الباب لتحولهمإلى أبطال بالمعنى الوجودييخوضون مغامرةفي عالم يختلف كليّا عن عالمهم. ومن اللافت بهذا الصدد أن مسألة الترجمة قد أخذت تشد رموز النخب الإصلاحية التونسية لتعريب المؤلفات الفرنسية إلى اللغة العربية، وهو ما أنجزه التونسي سليمان الحرايري الذي بدا شديد التأثر بجهود المصري رفاعة رافع الطهطاوي المشرف الأول منذ ثلاثينات القرن التاسع عشر على مدرسة الألسن المصرية. فقد تكونت لدى جميع هؤلاءقناعة بأن معرفة الآخر لا يجب أن تتوقف عند معاينة أشكال تطوّر معاشه، بل العمل على تطوير الصلات معه وبناء علاقات تعاون تسعف في الاستفادة من تجاربه.
الذات العربيةوالغيرية الغربية في مرآة أدب الرحلة
زار الرحاّلة العرب الغرب حاملين معهم العديدمن الأسئلة والرؤى المسبقة والتمثلات أو الصور الذاتية عن آخرهم. واستقبلهم هو بدوره بصور ركّبها عنهممنذ قرون. تجوّل الموفدون في حواضر أوروبا مسجلين مشاهداتهم وأحاسيسهم المضطربة، معربينعن الإعجاب والاستحسان، آسفينعمّا آلت إليه أمور بلدانهم ومجتمعاتهم،منبهرين بحيوية الأمم الأوروبية وثقافتهاعندمنعطف القرن التاسع عشر. لذلك يستقيم وفق ما توصل إليه عادل النفاتي أن نفترضأن أولئك الرحالةقد شغلوا دور المستكشفين الأوائل، تماما كماقام بذلك من قبلهم الرحّالة الأوروبيين لـمّازاروا ببلدانهم.فقد استرعت انتباههماستفهامات لم تكن تخطر على بالهماتصلتبتدبير الحدود الجغرافية والثقافية في المجالات التي زاروه قياس لأوضاع أوطانهم التي بقيت وفية لأشكال تقليدية عاينتها ممالك أوروبا خلال القرون الوسطى، ران عليها الزمان. كما استرع اهتمامهم رصد الأحداث التاريخية المتعاقبة التي جدتبالمتوسط خلال تاريخه الطويل،وكذا الاهمية عوامل المثاقفةوالاشتراك في الإرث بين الضفتين والتقاء المؤثرات بينهما. وهو أمر أكدته المعاينة الميدانية على ذات الشاكلة التي عرض لها أحمد فارس الشدياق ضمن مؤلفه "الواسطة في أحوال مالطا"،مؤكداالتفاتتلك الجزيرة المتوسطية إلى العالم الأوروبي وانصهاره في ثقافته، بحيث بدت التأثيرات البريطانية بادية للعيان أكثر مما سواها.
كما عرض أولئك الرحالة/ المستكشفون العرب إلى حضور المرأة في الفضاء العام،مشددين على أناقتها ونشاطها وسعيها الدؤوب وكدهافي العمل. واسترعى انتباههمفتورالشأن الديني في المجتمع الغربي، وروّاج أفكار أخرى لم يألفها العرب. وتعارضت قراءاتهمبخصوص كلتا الظاهرتين. كما انكبواعلى فهم التحوّلات السياسية التي عرفها ذلك المجال وانعكاساتها الاجتماعية، وسجلّوا انطباعات ووجهات نظر مختلفة، بحيثألقت تلك التحوّلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بظلالها على المدينة الغربية التي تحولت إلى مركز للغيرية الزمنية والمكانية، ومَثَار حيرة واندهاش حقيقيين لزوّارها من العرب.
وبالحملة فقد بدا واضحاانسلاخ مدوّنات الرحلة العربية في القرن التاسع عشر عن الصورة المجسدة لغلبة الذات ودونية الآخر. فتباينت عندها عروض الطهطاوي والشدياق وأحمد زكي والشيخ السنوسي والكردودي وتقاريرهم، عن مدوّنات المسعودي وابن فضلان وابن بطوطة وغيرهم من واضعي مؤلفات المسالك والممالك. لذلكيستقيمالإقرار إجمالا بحدوث تغيّر نوعي في نظرة الرحّالة العرب لآخرهم، وهي نظرة ما كان لها أن تحصل لو لم يرافقها تغيّر في نظرة العرب لذواتهم حال مقارنتها بما آلتإليه الحضارة الأوروبية. فالآخر الأوروبي الذي ظل لقرون خارج دائرة اهتمام المسلمين، باعتباره همجيتهانقلبإلى صاحب الريادة ثقافية تاركا ورائه أمم الشرق، فاجأالعربوغزا أوطانهم، بعدأن توفّر على أسس المعرفة والعلم،ملتزما باحترام الفرد. لذلك مثلت لحظة اللقاء فرصةلإعادة اكتشاف للصورة الموروثة التي رافقت الوعي العربي القديم، وتوّلد رغبة جامحة لديه لاكتساب معرفةتسمح له بالذود عن أراضيه ومقدراتهوتفادي الهزائم المخزيةالتي تكبدتها معظمالكيانات السياسية العربية.
وبعد، ما الذي ينبغي علينا الاحتفاظ به بعد الاطلاع على مختلف التفاصيل التي أتت عليها عروض عادل النفاتي التركيبية، تلك التي حولت رسم لوحة متوازنة مختصرة وفي منتهى الإفادة حول عالم التمثلات وصُوَرِه بين ضفتي المتوسط من الاكتشاف إلى الاستكشاف جمعا وطردا، والبتّ بمنتهى الطرافة في ما تم الاحتفاظ به وإعادة إنتاجه قياسا لما عاين تحولا جذريا تلازم مع انقلاب معاش ساكنة أوروبا الناهضة إلى "خلق جديد"؟ ليس كثيرافيما نعتقده التنويه بأهمية الجهود المعرفية التي بذلها المؤلِّف من أجل تشكيل هذه الباقة من الصور المتباينة والمتقاطعة في آن، ورصد الصور الطريفة والتمثلات المتباينة التي أطرت استهام ساكنة جنوب المتوسط حولاشكال حياة ممالك الشمال الناهضة، فالغازية ثم المستعمرة. بيد أن اللافت في هكذا تبدّل للصور وللتمثلات أيضا، هو أهمية الزحزحة التي عاينتها أشكال تعرّف الجانبين على غيريتهما، ودور ذلكفي الانتقال منكتابة العروض الأدبيةللرحلات، تلكالتي جنحت إلى التوصيف الواسم لأساليب الكتابة القصصيةأوالروائية، إلى وضع تقارير ميدانية دقيقة حول مواضيعشائكةانفتحت على تدبير المجال، والتنظيم الهرمي المحكم للإدارة الجبائية وطرق تنظيم الاعاشة ومظان استجلاب الثروات واستثمار الأموال، والارتقاءبالأساليب الأمنية والدفاعية وتطوير تقنياتها، فضلا عمّا تحتاجه سسن المواطنة ومعاييرها من تحرير للعقول وفتح للمبادرات.
وبالجملة فقد أبانت محصلة عادل النفاتي الوقتية التي تضمنها هذا الأثر،عن رغبة صاحبها في المكافحة بثبات من أجل اقتلاع موقع متقدم ضمن خارطة البحث المعرفي التونسي والمغاربي أيضا في مجال الجغرافيا الثقافية، وذلك من منظور العارفين بالتاريخ الثقافي للفترة الحديثة، لذلك فإن ما نرجوه صدقاهو توصّلالمؤلفإلى ابتداع مناويل تسمح بالكشف عن حقيقةالذات العربية في تنوعها مغربا ومشرقا،مع متابعة مظان تواصلها ومواضع قطيعتها مع الذات الأوروبية حال اكتمال تلك الذاتعلى الضفة الشمالية المقابلةللبحيرة المتوسطية.