القاضي الاداري المتقاعد أحمد صواب في حوار لـ«المغرب»: «التفكير في تأجيل الانتخابات يشكّل تهديدا حاسما للانتقال الديمقراطي ولهذه الأسباب يجب رفض مشروع تنقيح القانون الانتخابي»

• «يمكن إسقاط ترشحات من استعملوا الجمعيات لاغراض حزبية مقنّعة»


شدد القاضي الاداري المتقاعد والمحامي الحالي احمد صواب على ضرورة رفض مشروع تنقيح القانون الانتخابي، وذلك لأسباب قانونية وواقعية وسياسية. واعتبر ان التفكير في تأجيل الانتخابات التشريعية والرئاسية يشكّل تهديدا حاسما للانتقال الديمقراطي، مؤكدا ان الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في وضعية لا تسمح لها بأن «تضمن سلامة المسار الانتخابي ونزاهته وشفافيته» طبق ما يقتضيه الدستور.

• اربعة أشهر تقريبا تفصلنا عن الانتخابات التشريعية، ومازلنا نتحدّث عن مشروع تنقيح القانون الانتخابي فماهو موقفكم من ذلك؟
في أصله وعند توجيهه من السلطة التنفيذية للبرلمان، كان مشروع تنقيح القانون الانتخابي يتضمن نقطتين أساسيتين: مراجعة الدوائر الانتخابية ومسألة العتبة (5 بالمائة).
في الأثناء قررت اللجنة البرلمانية المختصة الإمساك عن مناقشة مسألة الدوائر الانتخابية، مسايرة في ذلك رأي الهيئة العليا المستقلة للانتخابات.
امّا الان فقد تمت إضافة عنصر آخر للنقاش وقعت بالونات اختبار بشأنه والنية واضحة في ادراجه بالملف من قبل الحكومة، ويتعلق بمنع الترشح على من استعمل الجمعيات لتحقيق أهداف انتخابية.
مهما كان المضمون (بعنصر واحد من المشروع او بعناصره الثلاثة)، عدّة أسباب تفرض رفض المقترح شكلا، وان كانت بعض مضامينه مقبولة ونذكر منها على وجه الخصوص ثلاثة أسباب.

• وماهي هذه الاسباب؟
الأول ما جاء بالفصل 106 من المجلة الانتخابية والذي ينص على ان « يتم تقسيم الدوائر الانتخابية ويضبط عدد مقاعدها بالاستناد الى قانون يصدر سنة على الأقل قبل الموعد الدوري للانتخابات التشريعية»، مما يجوز معه القياس بالنظر من جهة لوحدة الموضوع (اي الآليات الاجرائية في المادة الانتخابية)، ومن جهة أخرى لوحدة الأسس (اي قواعد اللعبة في الزمن في السباق الانتخابي)، فضلا عن منطق « من باب اولى واحرى» ذلك أن مسألة العتبة ومسألة شروط الترشح أهم بكثير من مسألة الدوائر الانتخابية في تونس، فالجانب المضموني هو الغالب في المسألتين الاولى والثانية، بخلاف المسألة الثالثة التي يغلب عليها الطابع الإجرائي والتقني.
أما السبب الثاني فيتعلق بالمعايير الدولية المعروفة بعبارة «الممارسات الفضلى في المادة الانتخابية»، فلجنة البندقية وهي لجنة تابعة للاتحاد الأوروبي ومحل احترام لحيادها وتمكنها من مكونات دولة القانون، وسبق للدولة التونسية الاستنجاد برأيها (هيئة الحقيقة والكرامة بخصوص مشروع قانون المصالحة والبرلمان بخصوص المحكمة الدستورية)، هذه اللجنة تعتبر في الراي رقم 190 لسنة 2002 المعتمد في الدورة 52 في شهر اكتوبر 2002 بالصفحة 13 انه «لا يجوز تعديل العناصر الاساسية في القانون الانتخابي وخاصة منها نمط الاقتراع وتشكيل اللجان الانتخابية وتقسيم الدوائر قبل مرور سنة على الأقل من الانتخابات...» ، والثابت ان هذه الامثلة وردت على سبيل الذكر ولا الحصر، ولا يظن عاقل ونزيه ان شروط الترشح او العتبة يمكن تغييرها في الحالة الأولى او إحداثها في الحالة الثانية لا تندرج ضمن العناصر الأساسية في السباقات الانتخابية. وهو نفس التوجه الذي تبنته المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات IDEA في دليلها حول اشكال الادارة الانتخابية في سنة 2006 بالصفحة 263 والصفحة 375 حيث اعتبرت انه «من الضروري جدّا» إدخال التعديلات قبل اية انتخابات بـ«وقت كاف» (اي ما يعادل الأجل المفعول).

ونؤكد اننا بعيدون جدّا عن اجل السنة وكذلك عن الاجل الكافي، اذ لم يبق على الانتخابات التشريعية المحددة في 6 أكتوبر 2019 الا تاريخ 116 يوم اي اقل من 4 أشهر، مما يزيد في حجم عدم شرعية المشروع.
اما السبب الثالث فهو واقعي، اذ ان المدة الفاصلة بين اليوم والانتخابات هو 116 يوما ، وبين اليوم وانطلاق الحملة الانتخابية يوم 16 جويلية 2019 وفق حساباتنا 33 يوما، علما وان الحملة الانتخابية تدوم 82 يوما، حسب الآجال الواردة في الفصل 50 من المجلة الانتخابية هو 33 يوما لا غير. مما يستحيل مع هذه المعطيات إنهاء كامل مراحل المشروع ( الجلسة العامة والتصويت ثم انتظار أجال الطعن ومآله لدى الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين، ثم مرحلة الإحالة على رئاسة الجمهورية للختم وأخيرا النشر بالرائد الرسمي) والتي تتطلب مدّة تفوق بداهة أجل الشهر.
ولكل هذا نرى انه يتعين الاعراض عن هذا المشروع لأسباب قانونية وواقعية، وكذلك سياسية (تغيير القواعد القانونية تجبر الأحزاب على تغيير قائمة مرشحيها وتغيير المناورات السياسية منها الجبهات الانتخابية والائتلافات والاندماج...).

• وبخصوص الأشخاص الذين استغلوا قانون الجمعيات للوصول الى الانتخابات، فهل يضمن لهم القانون الحق في الترشح؟
ان الدولة الديمقراطية مبنية على توزيع السلط لكنها تكون في وضعية تكامل وتنافذ، وارى ان ماهو ممنوع على السلطة التشريعية يمكن ان يكون مباحا لدى مكونات اخرى من الدولة.
من الثابت أن من استغلّ الجمعيات وامتيازاتها ومنافعها دون تحمّلات الاحزاب بغرض الحلول محلّها في السباق الانتخابي، وحصد المنافع دون تحمّل الاعباء (حرية النشاط والقيام بحملة انتخابية طول الوقت وخاصة التمويل الاجنبي ...) يشكل خرقا مباشرا لمرسوم الجمعيات (عدد 88 في 24 سبتمبر 2011) حيث نصّ فصله الرابع في فقرته الثالثة على انه «يحجر على الجمعية ان تجمع الأموال لدعم احزاب سياسية او مرشحين مستقلين الى انتخابات وطنية او جهوية او محلية أو ان تقدّم الدعم المادي لهم»، وغني عن البيان ان فقه القضاء في تونس في المادة الانتخابية يعتبر ان الإشهار السياسي لجهة او شخص في وسائل الإعلام يعتبر تمويلا عينيّا (يراجع تقرير دائرة المحاسبات في صائفة 2012 بخصوص انتخابات المجلس الوطني التأسيسي وذلك في الملف الرابط بين العريضة الشعبية والقناة التلفزية المستقلة).
وهذا الخرق الفادح والمباشر لمرسوم الجمعيات يشكل نيلا من مرسوم الأحزاب، وبالتالي وفي مؤداه خرقا لروح القانون الانتخابي خاصة في ما يتعلق بمبادئ الحياد والشفافية والنزاهة والتمويل ومنع الإشهار السياسي (مبادئ بقانون الانتخابات والقانون المتعلق بالهيئة العليا المستقلة للانتخابات).
ويجوز للهيئة العليا المستقلة للانتخابات كما يجوز عند الاقتضاء للقضاء الاداري وحتى المالي، إسقاط ترشحات من استعملوا الجمعيات لاغراض حزبية مقنّعة ولمقاصد انتخابية جليّة، وذلك على أساس التحيّل على روح القانون وهي مسألة تهم النظام العام بما يعني انه يجوز للقاضي اثارتها تلقائيا وبدون اثارة من الاطراف.
فقد سبق للمحكمة الادارية ان أصدرت فقه قضاء في هذا الاتجاه، حيث رفضت في مادة التقاعد في القطاع العام تمتيع عون عمومي من تصفية جراية التقاعد على أساس اخر اجر تلقاه بعد ان تبين انه احيل على التقاعد المبكر ثم وقع انتدابه بعقد برتبة أعلى، على اساس « مخالفة روح القانون وارتكاب التحيّل في حق ذلك القانون» (القرار عدد 3289 تجاوز سلطة في 29 ديسمبر 1993)، كما اصدرت قرارا مشابها لكن هذه المرة ضدّ الإدارة في خصوص خرق روح السلطة التأديبية التي اسندها القانون لها ضد موظفة ( القرار الاستئنافي عدد 27493 بتاريخ 24 ديسمبر 2010).
ونجد سندا لهذا الرأي في القانون المقارن، اذ سبق للقضاء الاداري الفرنسي (اي مجلس الدولة) ان استند لهذا المبدإ في عديد المناسبات (مؤلف النزاعات الادارية للرئيس والفقيه ODENT، الصفحتان 1921 و1922 – دروس 1976 -1981).

• هل ستؤثر الانتخابات البلدية الجزئية على الانتخابات العامة القادمة وعلى أعمال الهيئة العليا المستقلة للانتخابات؟
ان المجالس البلدية بدأت في الانحلال بنسق متصاعد، مثل أوراق الخريف. وان كانت انتخابات سوق الاحد بسيدي بوزيد وباردو بالعاصمة لا تطرح اشكالا لانها سابقة لانطلاق الحملة الانتخابية، فان الانتخابات بخصوص بقية البلديات المنحلة ستطرح اشكاليات كبرى للمتنافسين السياسيين وللهيئة المكلفة بالانتخابات وحتى للسلطة القضائية المراقبة (المحكمة الادارية ومحكمة المحاسبات).
وقد عبّرت وبالخصوص عن هذا الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في الاعلام وكذلك لما توجهت الى اعلى سلطات الدولة طالبة تنقيح القانون الانتخابي بصورة متأكدة وعاجلة جدّا، الا ان برلماننا العزيز له مشاغل أخرى وان كانت في نفس المجال اي المجال الانتخابي...

• وماهي الحلول الممكنة ان وجدت؟
ما اراه مشروعا ومفروضا باحكام الدستور هو ان تتحمل الهيئة المذكورة مسؤوليتها كاملة وتتجاوز دورها التقني والتكنوقراطي والتضييقي الذي اعلنته في بعض المناسبات، وذلك على نحو ما فعله رئيسها السابق كمال الجندوبي عندما رفض اجراء اول انتخابات عامة في التاريخ الذي اختارته الحكومة الانتقالية اي جويلية 2011 على اساس ان هذه المدة القصيرة تمنع تأمين انتخابات شفافة وحرة ونزيهة وتمّ الاتفاق على تاريخ 23 اكتوبر 2011.
ويمكن الاستناد في هذا التوجه اولا: الى التقاطع الحتمي بين الحملة الانتخابية في البلديات ومثلها في الانتخابات التشريعية وحتى الرئاسية، كما ستضحى الحملات الانتخابية البلدية بمفعول ثقافة الانحرافات في تونس وسيلة للدعاية للانتخابات العامة، علاوة على ما ذكر ستصبح النتائج البلدية بمثابة سبر أراء حقيقي مما سيؤثر على توجهات الناخب.
ثانيا: فان معدل تكلفة انتخابات في بلدية هو قرابة 40 الف دينار (تصريح نبيل بافون في اذاعة موزاييك) مما يعني انه لو وقعت 10 انتخابات في هذا المستوى، فستكون التكلفة 400 الف دينار مما سيؤثر على امكانيات الهيئة ماديا وبشريا ولوجستيكيا، سيّما وان الميزانية المرصودة لها من البرلمان لسنة 2019 اقل بكثير مما طلبته. وهذا المعطى سيؤثر بالضرورة على نجاعة اعمال الهيئة، ومبدأ النجاعة فرضه الدستور على المرافق العمومية في فصله 15.
ثالثا: يجوز القياس على الفصل 49 (سادس عشر) من المجلة الانتخابية والذي منع تنظيم انتخابات بلدية جزئية اذا كانت المدة المتبقية عن الموعد الدوري للانتخابات المحلية تقلّ عن 6 أشهر.
رابعا: ان تواتر سقوط المجالس البلدية يعتبر بمثابة القوة القاهرة، فهو غير منتظر على الاقل بهذا العدد، كما انه خارج عن ارادة هيئة الانتخابات، واخيرا هو غير قابل للتجاوز. وبذلك تكون كل شروط القوة القاهرة متوفرة، مما يعفي الهيئة من وجوب اجراء الانتخابات البلدية الجزئية العديدة والمتعددة في مواعيدها التي تعدّ استنهاضية، وقد أعطانا برلماننا درسا في هذا الخصوص في ما يتعلق بآجال إرساء المحكمة الدستورية التي انتهت في شهر ديسمبر 2015 (الفقرة الخامسة من الفصل 148 من الدستور) .

• هل بإمكان الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، في ظل كل ذلك، ان تضمن سلامة المسار الانتخابي؟
بصفة عامة يمكن القول ان الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في وضعية لا تسمح لها بان «تضمن سلامة المسار الانتخابي ونزاهته وشفافيته» طبق ما يقتضيه الدستور في فصله 126. كما سيكون هذا الاشكال موعظة للناخبين في ما يتعلق بمن اختاروهم في بلدياتهم، سيّما انه لا خوف على استمرارية المرفق البلدي وخدماته، فالفصلان 207 و209 من مجلة الجماعات المحلية يعطيان حلولا (لجنة مؤقتة للتسيير بأمر حكومي، والى حين تعيينها يواصل المجلس البلدي المنحل تسيير أعمال البلدية، وان رفض هذا الأخير يتعهد الكاتب العام للبلدية بتسيير مصالحها)، دون حاجة للتذكير بتعوّد المواطن التونسي على النيابات الخصوصية التي عمّرت لما يقارب 8 سنوات.
وانهي بالقول انه سيكون ضرر في الحالتين (التزامن او تأخير الانتخابات البلدية الجزئية الى ما بعد انهاء ومباشرة الانتخابات التشريعية والرئاسية)، فالمبادئ العامة تقتضي ما يلي «الأصل ارتكاب اخف الضررين» (باب المبادئ العامة في مجلة الالتزامات والعقود في فصلها 556).

• أصبح المشهد السياسي يرتكز تقريبا على ثغرات وهفوات النصوص التشريعية، فهل من سبيل لتنقية المناخ الانتخابي والحياة السياسية؟
هناك اربعة محاور رئيسية لا تحتمل الانتظار ويتعين معالجتها في السنة الاولى للبرلمان الجديد، وهناك اجماع بخصوصها: مراجعة القوانين المتعلقة بالاحزاب اولا، وبالجمعيات ثانيا، وبالإعلام بما في ذلك الهايكا ثالثا، وبـ«مقاولات» سبر الآراء وما شابها من توجيه وتضارب مصالح.
كما يتعين، بناءا على التجارب التي عشناها، مراجعة قانون الانتخابات قبل سنة من الانتخابات العامة المقبلة، ومن النقاط المعنية ، منع الترشح على من اقترف جنحة قصدية او جناية ، وعلى من لم يدفع جبايته كاملة ( الوطنية والمحلية)، وعلى من لم يقم بالتصريح بمكاسبه ومصالحه او بعدم الخضوع لهذا التصريح على أساس في الغرض من الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، وعلى من كان مسؤولا في جمعية طيلة السنوات الثلاث السابقة للانتخابات التشريعية او الرئاسية.

• هل يمكن ان يكون تاجيل الانتخابات هو الحل الانسب في هذه الظروف؟
فصل المقال ان الديمقراطيات سواء كانت عريقة او ناشئة كما حال تونس، لا يمكن ان تكافح أمراض بلادها وأوبئتها من الإرهاب الى الفساد، الّا بدولة القانون، اي بقوة القانون، مما يعني عكسيا انه يحرّم عليها استعمال أساليب الإرهابيين أو الفاسدين او المتحيلين أي بالالتجاء الى تشريعات غير مشروعة ومخالفة للدستور والمعايير الدولية والمبادئ القانونية العامة إن نصّا أو روحا.
واؤكد في الأخير وفي خصوص ما بدأ يشاع من نوايا تأجيل الانتخابات، ان التفكير في هذه المسألة يشكّل تهديدا حاسما للانتقال الديمقراطي، وسيصيبه حتما في مقتل، فدورية الانتخابات مسألة مقدّسة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية