ريبورتاج المغرب: أولى جلسات الاستماع العلنية لضحايا الانتهاكات قصص وحكايات سيسجلها التاريخ وغياب الرئاسات الثلاث يطرح الأسئلة

نادي عليسة بسيدي الظريف ،مكان ارتبط ماضيه بعهد الاستبداد والفساد ولكنه اليوم يحتضن حدثا وصف بالوطني والتاريخي وهو جلسات الاستماع العلنية لضحايا الانتهاكات وأطلق هؤلاء العنان لألسنتهم لتصدح بالحقيقة التي بقيت حبيسة ذاكرتهم لسنوات. ألم لفراق شهيد

تعذيب،اختفاء قسري والقائمة تطول عناوين لقصص البعض منها أدمى القلوب وادمع الأعين. المكان اختياره لم يكن عبثيا ولكن أرادت هيئة الحقيقة والكرامة أن تكون له رمزية فبعد أن كانت جدرانه شاهدة على ممارسات الاستبداد هاهي اليوم تشهد الكشف عن حقائق لأول مرة يبوح بها أصحابها الذين خيروا الاحتفاظ بأدق تفاصيلها أحيانا. «المغرب» حضرت وواكبت هذا «الحدث».

الساعة تشير إلى الثامنة والنصف ليلا تقريبا اذ ملأ النشيد الوطني المكان وسط حضور يمكن اعتباره محترما لتعطي فيما بعد سهام بن سدرين رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة الكلمة الى أولى الضحايا للبوح بما يخالج صدرها وتتالت الحكايات والقصص التي لئن كانت مختلفة إلا أن القاسم المشترك بينها هو الألم والعذاب والقهر باحوا بها لأول مرة أمام العلن وتقاسموها مع الشعب التونسي بعد سنوات من الكتمان وهذه خلاصة تلك القصص كما رواها أصحابها.

مات منذ 1991 وجثته إلى اليوم مفقودة
عنوان قصة اختفاء قسري باحت بأسرارها وخفاياها لأول مرة زوجة المدعو كمال المطماطي ووالدته بعد سنوات من البحث والعذاب والكتمان، وهذه التفاصيل كما جاءت على لسانهما «زوجي من مواليد 1956 كان يعمل مهندسا في الشركة التونسية للكهرباء والغاز وفي يوم 7 اكتوبر 1991 تم جره من مقر عمله بقابس وعند مقاومته تم الاعتداء عليه بالضرب بواسطة قضيب حديدي على رأسه، اغمي عليه فوضع في سيارة ومنها الى منطقة الأمن بقابس تعرض إلى الضرب المبرح ممّا تسبب له في كسور على مستوى اليدين أدى إلى نزيف في الدماغ فنصحهم احد الاطباء الموقوف في نفس المكان بعدم لمسه لأنه بين الحياة والموت ولكن رئيس المركز قال «يمثل عليكم» وانهال عليه ضربا الى ان فارق الحياة منتصف ليلة 7 اكتوبر 1991 ،تم تهديد الطبيب بأن يلقى نفس مصير زوجي

في حالة البوح بحرف واحد» وتواصل لطيفة القصة بعينين دامعتين فتقول « منذ ذلك اليوم لم نر كمال ولم نعثر عليه لا في السجون ولا المستشفيات ولا في أي مكان تعرضت العائلة إلى المضايقات والإيقافات سنة 2009 علمنا بأن كمال توفي وبعد عناء كبير تحصلنا على شهادة الوفاة سنة 2015 «معاناة لم تقف عند هذا الحد اذ واصلت والدته رواية رحلتها مع العذاب بحثا عن خيط يوصلها لابنها فقالت «قيل لي أن ابني في تونس فتنقلت وامضيت أربع سنوات ابحث عن الحقيقة بين القصر الرئاسي والمراكز والسجون ولكن الى اليوم لم أر جثة ابني حتى تنطفئ نار الألم « تقدمت العائلة بملف قضائي اسفرت فيه الأبحاث المجراة من قبل فرقة الحرس بالعوينة على أن كمال المطماطي قد قتل بمنطقة الأمن بقابس يوم 7 اكتوبر 1991 ولكن السؤال الذي بقي مطروحا إلى اليوم أين الجثة؟ خلاصة الحكاية بنت لا تعرف والدها إلا من خلال الصور وأخت مصدومة أملهم الوحيد محاسبة القتلة ورؤية جثة فقيدهم يكرمونها بدفنها في مكان يقصدونه لقراءة الفاتحة ترحما على روحه.

أبو غريب في النسخة التونسية
مثقف ولا علاقة له بالسياسة وجد نفسه في دوامة ،هكذا قدمته سهام بن سدرين ،هو سامي براهم الذي حضر بدوره وروى قصة رحلة ثماني سنوات من السجن كانت بدايتها سنة 1987 فقال فيها «كانت لي ميولات فكرية إسلامية ولكن لم أكن متحزبا تم إيقافي في أول مظاهرة ضد الأمن الجامعي بتهمة ملفقة وهي الشروع في قتل عون امن ولكن تم حفظها في 1989 بمناسبة الانتخابات التشريعية ،بعد سنة تمت مداهمة المبيت الجامعي وإنزال الطلبة للتجنيد القسري تنقلنا خلالها بين رجيم معتوق وزمبرا وغيرها فما يحز في النفس كيف قبلت المؤسسة العسكرية أن تكون إطارا يحتضن تلك العقوبة» يواصل سامي قصته «أخذت رخصة لزيارة العائلة كنت سعيدا ومفتخرا بالزي العسكري ولكن عند وصولي إلى المنزل كانت المفاجأة يوم «الفرق» لوفاة والدتي ولم أكن اعلم بذلك ولم أتمكن

من حضور الجنازة.1991 انطلقت رحلة الإيقاف والتعذيب بشتى أنواعه لاقتلاع اعترافات واهية فكان السؤال المحوري الذي يتكرر في كل مرة تحت الضرب والسب والشتم»السلاح وين؟» ما بقي في الذاكرة هو التعذيب النفسي والأخلاقي والجنسي كأن يتركك عاريا ويتبول عليك أوتركك في زنزانة مع شخص مختل عقليا. من الإيقاف إلى المحاكمة تتواصل الرحلة فكان الإصرار على إحضار المحجوز فكانت المهزلة ومن المضحكات المبكيات أن دخلنا إلى الجلسة فكانت هناك طاولات مغطاة بغطاء ابيض وعند رفع الستار اكتشفنا أن المحجوز أسلحة من عهد الاستعمار وبندقية صيد تالفة مشهد اضحك القاضي نفسه حوكمت بثماني سنوات فانطلق طور آخر من المعاناة شعاره «ربطيتك ما تعديهاش مرتاح» فالسجون التي زرتها كانت أشبه بأبو غريب فكل شيء فيها متوقع».
ولكن رفض الضحية الإفصاح عن جلاديه وذكر فقط كنية «بوكاسة» وقال «مستعد نغفر بشرط يعترفوا».

أمهات الشهداء: «كل ما نريده هو الحقيقة»
وريدة الكدوسي والدة الشهيد رؤوف تقدمت بخطوات ثابتة وروت قصة فقدانها لفلذة كبدها حسب روايات الشهود وما تضمنه ملف القضاء فبكلمات معبرة قالت وريدة «يوم 8 جانفي 2011 خرج رؤوف لصلاة الجمعة وبعدها شارك في مسيرة سلمية بالرقاب لكنها جوبهت بوابل من الغاز المسيل للدموع ثم بالكرتوش الحي والمؤلم أنه بعد إصابة ابني منعوهم من إسعافه فبقي ينزف إلى أن فارق الحياة لن نستسلم ولن ننسى إلا إذا تحققت أهداف الثورة وهي الحرية والكرامة تتالت الحكومات ولا من مجيب والقضاء العسكري ظلمنا وحق أولادنا ضاع وللصبر حدود» ربح والدة الشهيد صلاح الدشراوي ابن القصرين الذي استشهد في نفس التاريخ ولكن بحي النور روت الحكاية والألم يملأ قلبها فقالت «قاتل ابني هو وسام الورتاني وكل ما نريده هو الحقيقة. فاطمة والدة الشهيد انيس الفرحاني ثالث الشهادات على العصر سردت قصة ابنها الذي استشهد في 13 جانفي بنهج ليون بالعاصمة بعد إصابته برصاصة تسببت له في نزيف دماغي وقالت «من قتل ابني عبد الباسط بن مبروك وكل ذلك موثق بالصور والفيديوهات» الأمهات اجمعن على أن الملفات لا بد ان تغادر المحكمة العسكرية الى الدوائر المتخصصة وعبرن عن ثقتهن في هيئة الحقيقة والكرامة.

«حدث» غاب عنه الرئاسات الثلاث
موعد وصف بــ«الحدث الوطني» ولكن لم يحضره الثلاثي الذي يمثل سكان هذا الوطن،ففي الوقت الذي انتظر الجميع أن يسجل الرؤساء الثلاثة حضورهم في هذه المناسبة التي وصفت بالتاريخية خاصة وان الأمر يتعلق بمسار عدالة انتقالية فإن هؤلاء يبدو أنهم خيروا عدم الحضور لأسباب هم بالتأكيد يعرفونها رغم توجيه الدعوة لهم وفق ما أكدته الهيئة. غياب أثار دود أفعال مختلفة إذ وصفه البعض بالمؤسف وبأنها صورة سيئة.

«مسرحية»
لئن عبر عدد من السياسيين وغيرهم من الحاضرين عن سعادتهم بمثل هذه الخطوة إلا أن بعض المتابعين من خلال البث المباشر اعتبروا أن ما حدث «مسرحية» أحد أبطالها سهام بن سدرين التي أجادت الدور على حد تعبيرهم.

حمة الهمامي: «الحقيقة لا بد منها»
«لا يمكن ان نتقدم اذا لم نقرأ صفحة الماضي ونعرف ما حدث وكيف حدث ومن المسؤول» بهذه العبارات انطلق حمة الهمامي في التعليق عن جلسات الاستماع العلنية وقال أيضا «نعلم بأن هناك محاولات عديدة من اجل إفشال هذا اليوم التاريخي وذلك من خلال التشكيك والهجومات على أشخاص في الهيئة الهدف منه عدم الوصول إلى هذه النقطة فالحقيقة لا بد منها ولكن انا كشخص من عذبوني سامحتهم فمنهم من توفي ومنهم من هو على قيد الحياة لن اذكر اسمه لأسباب إنسانية ،قدمت ملفا لهيئة الحقيقة والكرامة ليس بهدف التعويض ولكن فقط من اجل رد الاعتبار للشعب التونسي ولجهات همشت وحفظ الذاكرة والاهم من ذلك ضمان عدم تكرار مثل تلك الممارسات».

محمد عبو:«صورة جميلة لتونس إن لم يفسدها من يحكمها»
سويعات قبل الموعد بدأت تحل مواكب الشخصيات السياسية بالمكان حاملة في جرابها أملا بمعرفة الحقيقة إذ اجمعوا على أن هذا اليوم يوم تاريخ وحدث وطني في تونس ما بعد الثورة ،تجولنا في ساحة نادي عليسة أين رصدنا مواقف عدد من الوجوه السياسية التي سجلت حضورها.

بكلمات فيها الكثير من الرسائل مضمونة الوصول والمشفرة قال محمد عبو رئيس حزب التيار الديمقراطي «نحن في الخطوات الاولى نحو التخلص من صورة الماضي بشكل متحضر فقانون العدالة الانتقالية جيد جدا رغم وجود من يعارضه فهذا الحدث اليوم رسالة مهمة للداخل وكذلك للخارج ولكن لسنا متفائلين بدرجة كبيرة لأن هناك مخاطر متأتية من الحكومة ومن رئاسة الجمهورية فوزارة الداخلية ان لم تتعاون مع الهيئة لن نجد الحقيقة ورئيس الجمهورية عندما يصر على تمرير قانونه الذي يريد من خلاله ضرب العدالة الانتقالية ربما لن نجد الحقيقة فما نقدمه اليوم هو صورة جميلة لتونس ان لم يفسدها من يحكمها»

راشد الغنوشي: «بلد يريد أن يتخلص من الماضي»
بكلمات اعتدنا سماعها منه علق راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة بالقول «نريد من تونس أن تحتضن كل أبنائها وبناتها في تسامح وتضامن وطني فهذا بلد يريد أن يتخلص من جراح الماضي حتى ينطلق نحو المستقبل وهذه الجلسات هي مسعى تصالحي يجمع شتات الوطن ويجعل من تونس سفينة تحمل كل ابنائها بعيدا عن كل نزعات الاقصاء والانتقام»

اتحاد الشغل في الموعد
هو أيضا من بين الذين تقدموا بملفات انتهاكات عديدة تعود إلى أزمنة بعيدة وقريبة الاتحاد العام التونسي للشغل سجل حضوره في هذا الموعد إذ عبر أمينه العام حسين العباسي عن أمله في ان يكون خطوة نحو نجاح مسار العدالة الانتقالية وتأسيس مجتمع فيه تسامح من خلال اعتراف مرتكبي الانتهاكات «هذا وأكد أن الملفات التي قدمت من قبل الاتحاد إلى هيئة الحقيقة والكرامة عديدة من بينها ما يتعلق بأزمة 1978 وأزمة 1986 وكذلك ملفات انتهاكات ما بعد الثورة».

الصحافيين معزولين
البرهرج الخارجي وحفاوة الاستقبال للصحفيين توحي بأن الأمور على أحسن ما يرام وان الإعلام له مكانة في مسار العدالة الانتقالية على حد قول بن سدرين التي أكدت خلال الندوة الصحفية التي سبقت الجلسات أن الإعلام من ضمن الذين سيكونون في قاعة الحدث ولكن الحقيقة عكس ذلك تماما إذ تفاجأ الصحفيون بأنهم سيواكبون الجلسات في قاعة منفردة فيها شاشة صغيرة وهم ممنوعون من دخول القاعة وإجابة عن احتجاجاتهم أجاب خالد الكريشي «اتفقنا على هذه الأمور مع مؤسساتكم» علما وان عددا كبيرا منهم هدد بمقاطعة الجلسات.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا