الباحث بجامعة رتغرز الامريكية والمتحدث السابق باسم الامم المتحدة عبد الحميد صيام لـ " المغرب ": الحرب الطائفية المشتعلة الآن لا تتوفر فيها شروط التوقف والمنطقة ستشهد مزيدا من الصراعات المفتوحة

يعتبر أستاذ العلوم السياسية ودراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز بولاية نيوجرزي عبد الحميد صيام ان تفريغ المناهج من التعليم الإبداعي واستبداله بمناهج التفكير الديني الكهنوتي الذي يركز على قشور الأمور لا على جوهرها ادى إلى هجرة الأدمغة بشكل خطير

مقدما في حوار شامل لـ " المغرب " رؤيته لواقع المنطقة العربية في ظل ما تشهده من حروب وصراعات وتعاظم تأثير الادوار الخارجية . وقال ان ما حدث في اورلاندو هي جريمة بكل المقاييس ورفض أن يتم ربط هذا العمل بالإسلام. يشار الى ان د. صيام هو ايضا المتحدث السابق باسم الأمم المتحدة وكاتب متخصص في شؤون المنظمة الدولية وكاتب في صحيفة القدس العربي ومدير مكتبها في مقر الأمم المتحدة..

 

في البداية ما تعليقكم على حادثة أورلاندو وتداعياتها؟

هي جريمة بكل المقاييس – جريمة كراهية من شخص غير سوي كان يخضع للمراقبة من قبل الأجهزة الأمنية لكنه إستطاع أن يحصل على السلاح بسهولة. نحن ندينها بأقسى العبارات. كل المنظمات العربية والإسلامية أدانتها دون إستثناء. .
لكن في نفس الوقت الذي ندينها فإننا نرفض أن يربط هذا العمل بالإسلام. ليس للإسلام أي علاقة بهذا المنحرف عقليا. إن إدانة كل المسلمين بما يفعله فرد مرفوض ويدل على جهل وعنصرية. لا يوجد دين يأمر بقتل الأبرياء تحت أية حجة أو مبرر.
كما أننا نرفض أن تستغل مثل هذه الحادثة على بشاعتها لأغراض إنتخابية وهو ما يحاول المرشح الجمهوري دونالد ترامب أن يفعله. في مثل هذه الأوقات العصيبة يجب أن تتوحد الأمة في الوقوف معا ضد الجريمة والشعور بالتضامن مع الضحايا وأهاليهم. إن إستغلال الشعور العام بالغضب والحزن أمر معيب ويجب أن يكون مرفوضا من كافة المفكرين وصناع الرأي وأصحاب القرار.
القاتل لا يمثل عقيدة ولا دينا ولا منظومة خلقية. لم نسمع أحدا يشير إلى عقيدة أو دين تيموثي ماكفيه مفجر البناية الفيدرالية في أوكلاهوما أو آدم بيتر لانزا مرتكب مذبحة الأطفال في ولاية كناتكت أو سونغ هوي شو سفاح جامعة فرجينيا أو ديفيد كورش المسؤول عن مذبحة ويكو. فلماذا عندما يكون الفاعل أمريكي من أصول إسلامية تترك كل المؤثرات على شخصية الفاعل ويربط فورا بالإسلام.

ما هي رؤيتكم لواقع المنطقة العربية ونحن نشهد ما يشبه سايكس- بيكو جديدة ولكن بطريقة أكثر خطورة؟
المنطقة العربية تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم يعيش تجربة الحروب الداخلية مثل اليمن وسوريا والعراق وليبيا ودول تعيش مرحلة أزمات داخلية كبيرة مؤثرة أو متأثرة بحروب المجموعة الأولى ستحدد مسيرة تلك البلدان لسنين قادمة مثل مصر وتونس ولبنان والسعودية والإمارات والأردن وقسم ثالث يحاول أن ينأى بنفسه عن الحروب البينية ويعيش داخل شرنقة داخلية لا تريد أن تؤثر أو تتأثر بما يجري وهو أمر صعب مثل الجزائر والمغرب وعُمان. والأزمة التي تعيشها الأمة الآن نتيجة مباشرة لثلاثة عوامل الأول والثاني يتعلقان بالعلاقة بين النظام العربي بشكل عام والقوى الإستعمارية التي أقامت أو ساهمت في قيام أنظمة تعتبرصناعة غربية خالصة تقوم على أساس خدمة المصالح الغربية مقابل بقاء الطبقة الحاكمة أو العائلة الحاكمة في الحكم بامتيازاتها المالية الهائلة مقابل السكوت عن نهب الثروات الوطنية وتحويل البلاد إلى سوق إستهلاكي كبير دون العمل على بناء إقتصاد منتج قادر على التحرر من التبعية. وقد ساهمت القوى الإمبريالية بطريقة أو بأخرى بالتخلص من الأنظمة الوطنية التي أفرزتها مرحلة التحرر من الاستعمار وكان لديها النية ببناء دول مستقلة حقيقة ذات إقتصاد غير تابع كما حدث في الجزائر أيام بومدين ومصر عبد الناصر والعراق ايام أحمد حسن البكر. والسبب الثالث هو تغييب الشعوب العربية عن أي دور فاعل وذلك بتقوية الأجهزة الأمنية المتعددة والجيوش على حساب المجتمع المدني والنقابات المستقلة والصحافة الحرة والبرلمانات المنتخبة فعلا لا شكلا. وكي تتعمق هيمنة النظام على الشعوب تم تخريب وتهميش التعليم الحديث القائم على التفكير النقدي الإبداعي والتحديث المتواصل للمناهج ليخلق عقولا قادرة على الإبداع والانطلاق نحو إكتساب علوم العصر من مصادرها ونشرها وتكييفها لمتطلبات الأمة. بالمقابل تم تعميم الفكر الديني بطبعته الوهابية المتخلفة والتي تركز على القشور لا على جوهر رسالة الإسلام القائمة على العدل والمساواة و ومحاربة الفساد ومساءلة الحاكم الظالم والوقوف في وجه الانحراف ومحاباة الأقارب وبعزقة الثروات على مفاسد أولاد الحكام وأقاربهم.

وكيف ترون دور المؤسسات الدينية في العالم العربي؟

لقد تحولت المؤسسات الدينية إلى جهاز كبير وضخم ينشر ثقافة الرضى والبكاء عند ذكر الصحابة الأولين وتقديم الصدقات بدل أن تكون المؤسسة منحازة لصف الفقراء والغلابى وتدافع عن حق المواطن في العيش الكريم والاستمتاع بثروات بلاده. لقد أدت هذه الازدواجية الخطيرة في تفريغ المناهج من التعليم الإبداعي واستبداله بمناهج التفكير الديني الكهنوتي الذي يركز على قشور الأمور لا على جوهرها إلى هجرة الأدمغة بشكل خطير من المنطقة العربية بحيث تجد مئات الآلاف من الأطباء والمهندسين والفنيين العرب إستقر بهم المقام في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية. وأنحدرت وسائل التثقيف ودور البحث ومراكز الدراسات إلى مستوى منخفض جدا لا يكاد يترك يوجد له مثيل في العالم. فمثلا تمت ترجمت 300 كتاب فقط عام 1975 إلى العربية بينما ترجم 10,000 في إسبانيا وحدها.
لقد لعبت وسائل الإعلام دورا في تعميق هيمنة النظام العربي الواحد وفي طبعته الأكثر تخلفا على عقول الشباب وحرفتهم عن مسيرة التفكير النقدي الإبداعي نحو مسارين لا ثالث لهما: الاكتفاء بالتدين والحرص على الصلوات وإطلاق اللحى والذهاب لأداء العمرة في عمر مبكر أو التقليد الأعمى للغرب في شكله الاستهلاكي المتوحش لا في جوهره الإبداعي الصانعي المتطور. قلة هم الذين كسروا الحاجزين معا ورايناهم في شارع الحبيب بورقيبة وميدان التحرير وشارع الاستقلال وساحات حمص وحماة وسرعان ما تم قمعهم كما سنتحدث لاحقا.

هذا الوضع الشاذ في منطقة جغرافية تزيد عن 12.5 كلم مربع ويسكنها نحو 400 مليون ينتمون إلى مرجعية دينية وثقافية وحضارية ولغوية واحدة أكثر من أي منطقة جغرافية أخرى في العالم ويجلسون على ثلثي إحتياطي النفط في العالم ومع هذا تجد أن بينهم 140 مليون فقير يعيشون دون خط الفقر والذي يقدر بـ دولارين وربع في اليوم الواحد.

وماذا بشأن الدور الخارجي في كل ما يحصل وهل يعمق التقسيم ؟
التدخل الخارجي تفاقم في العقدين الأخيرين بعد نهاية الحرب الباردة وأنظمة الطغيان إزدادت فسادا وانحرافا ودموية وبدأ ينتفي الفرق بين الأنظمة السلطانية والملكية الليبرالية وما يسمى بالجمهوريات والتي بدأت تتبع نظام توريث الأبناء كأخواتها من الأنظمة الأبوية. كما أن التعبئة الدينية المتطرفة بدأت بإفراز جماعات متطرفة تكفر كل من يختلف معها ليس فقط في الدين بل في المذهب أو العرق . الذي يحدث الآن هو نتيجة لاحتدام التصادم هذا وخاصة بعد محاولة الشباب العربي عام 2011 أن يستعيد زمام المبادرة من أنظمة الفساد والقهر والخنوع لكن تحالف القوى الأكثر تخلفا الممثلة في أموال النفط والتدخلات الغربية وقاعدتها المتقدمة المتمثلة في الكيان الصهيوني وامتشاق الجيوش والأجهزة الأمنية للسيف لإسقاط ثورة الحرية والكرامة أدت بالنتيجة إلى الأزمة الوجودية التي تعيشها المنطقة الآن حيث أصبح السوري يقاتل السوري والعراقي يقاتل العراقي واليمني يقاتل اليمني والليبي يقاتل الليبي والتونسي يفجر المعالم التونسية ولبنان يفشل في إنتخاب رئيس بعد سنتين، والفلسطيني يقتله الجميع أو يرميه بالحقيبة أو يغلق أمامه الحدود كلها. من أيديولوجيا التطرف تنتج دواعش عديدة باسم المذهب السني يقابلها عصائب عديدة باسم المذهب الشيعي وإسرائيل تغذي هذا الاحتراب كي تبقى القوة المهيمنة في المنطقة وتنعكس المعادلة الآن فبدل أن تسعى إسرائيل لإقامة علاقات مع الأنظمة العربية تحاول هذه الأنظمة أن تقيم أفضل العلاقات مع إسرائيل تحت حجة الخطر الإيراني.
لقد كانت تونس الإستثناء الذي يبرر القاعدة. لكن تجربة تونس الرائدة ما زالت تمر في نفق صعب تحاول أن تخرج منه معافاة من كل أدران الماضي إلا أن المشوار ما زال طويلا والعقبات كثيرة وخاصة ما يفيض إليها من دول الجوار.

هل نحن أمام "زلزال عربي" أم مخاض حقيقي نحو الديمقراطية؟

كلاهما صحيح. التحول إلى الديمقراطية المستقرة أمر عسير ويأخذ مسارا صعبا فيه إخفاقات. والردة عن الديمقراطية أمر معروف في العلوم السياسية. إذ إن شروط الاستقرار لها علاقة بالأوضاع السياسية والاقتصادية والتعبئة الشعبية لدعم التحول. هناك قوى مهيمنة ستفقد إمتيازاتها عند التحول الديمقراطي وهي فئات قليلة لكنها قوية ومؤثرة ومهيمنة على القرار ومصادر القوة وخاصة قيادات الجيش. ولن تستسلم هذه الفئات بسهولة. الارهاصات الشعبية وانهيار الطبقة الحاكمة وانتقال مصادر القوة إلى فئات أكثر تمثيلا للشعب عبارة عن الزلزال الذي يسبق عملية الانتقال نحو الديمقراطية. نلاحظ أن العالم تقريبا تحول في معظمه إلى نوع من الديمقراطية التمثيلية القائمة على تمكين الشعوب إلا المنطقة العربية؟ قارنوا بين أوروبا الشرقية اليوم والعالم العربي أو بين أمريكا اللاتينة والعالم العربي. إنظروا كيف اصبحت دول مثل تشيلي والبرازيل والأرجنتين قوى إقتصادية عالمية. إنظروا إلى نمور آسيا مثل ماليزيا وأندونيسيا وكوريا الجنوبية وسنغافورة. قارنوا بين هذه الدول ومصر والسعودية والعراق والجزائر لتجدوا الفرق بين أنظمة تعمل على تطوير بلدانها وتمكين شعوبها وتحرير إقتصادها من التبعية وبين دول تعمل لخدمة النظام وعائلة الحاكم وإبن الرئيس ومصالح الغرب المهيمن.
وأود أن أؤكد أن الردة التي حصلت لثورات الربيع العربي ستعود وبشكل أعنف إن لم يتم حل إشكالية إستيعاب قوى الشباب في النظام السياسي والتمكين الاقتصادي بحيث تصبح قوى الشباب جزءا أساسيا من الحل وليس عبئا على النظام. ومع إستيعاب الشباب يجب أن يتم ترسيخ مفاهيم أصبحت من مسلمات العصر الحديث كحرية التعبير وحرية التجمع والتنقل وحرية الدين والمعتقد. يجب ألا يحاكم أحد على الفكر الذي يعتقد أو الحزب الذي ينتمي إليه أو الجمعية التي يؤسسها أو الشعر الذي يقرض أو المدزنة التي يعبر فيها عن آرائه. إن 65 بالمئة من سكان العالم العربي من الشباب وتصل نسبة البطالة بينهم إلى 40 بالمئة وهي أعلى النسب في العالم. فكيف لا يحدث الزلزال مرة ثانية وثالثة ورابعة إذا بقي الملايين من الشباب العربي مهمشا يبحث عن لقمة عيش فلا يجدها في وطنه فيضطر البعض إلى ركوب البحر وقبول تحدي الموت غرقا على أن يبقى مكسورا ذليلا في وطنه.
ما هو الدور الأمريكي الجديد في المنطقة ؟
الدور الأمريكي في المنطقة ليس جديدا منذ مذهب أيزنهاور الذي أطلقه في 5 جانفيعام 1957. وهناك مجموعة من الثوابت في السياسة الأمريكية منها: أولا، ضمان مصالح الولايات المتحدة وخاصة تدفق النفط بالأسعار التي يحددها السوق الأمريكي. ثانيا، ضمان أن تبقى إسرائيل متفوقة عسكرياعلى مجموع الدول العربية. ثالثا، أن تبقى الدول العربية في مجموعها سوقا إستهلاكيا لا إنتاجيا بحيث يتم إنقاذ الاقتصاد الأمريكي من أزماته عن طريق تصدير الأسلحة بمليارات الدولارات دون أي فائدة من تلك الأسلحة بالإضافة إلى الإستحواذ على العقود الكبرى في تلك البلاد.

رابعا، القضاء على الأنظمة الوطنية التي تعمل على التحررين السياسي والاقتصادي. لقد وقفت الولايات المتحدة ضد كل نظام عربي يعمل على بناء إقتصاد وطني متحرر من التبعية وفي نفس الوقت دعمت كل الحركات الرجعية المتخلفة المرتبطة بأموال النفط والتي إنتشرت في فترة الصعود الناصري لتطويق أثره الواسع على الجماهير العربية. وبقيت تلاحق ناصر وتحاول هزيمة ما يمثله من حالة نهوض قومي بالتعاون مع إسرائيل والرجعية العربية إلى أن تحقق ذلك في حرب جوانعام 1967. اضطرت الولايات المتحدة أحيانا الى أن تحمي عملاءها أو حلفاءها بقوة السلاح كما فعلت في إنزال قوات البحرية في بيروت عام 1958 لحماية نظام كميل شمعون وإنزال قوات في بيروت عام 1982 لحماية تركيبة لبنان الطائفية بقيادة حزب الكتائب المتصالح مع إسرائيل بعد غزو لبنان في نفس العام. وقد كانت المصالحة المصرية الإسرائيلية التي تمثلت في إتفاقيات كامب ديفيد عام 1979 هي أعظم إنجاز حققته السياسة الأمريكية في إختراق منظومة المقاطعة العربية للكيان الإسرائيلي. بعد كامب ديفيد تبعثرث شؤون الأمة العربية. تغولت إسرائيل فاخترقت كل الحواجز الأمنية العربية. قصفت المفاعل النووي العراقي عام 1981 وأعلنت ضم القدس وتمديد القانون الإسرائيلي إلى الجولان وغزت لبنان عام 1982 وقصفت مقر منظمة التحرير الفلسطينية في تونس عام 1985 بينما كان العراق مشغولا بحربه مع إيران لمدة ثماني سنوات ليحمي دول الخليج من خطر تصدير ثورة الخميني. وعند إنتهاء تلك الحرب أدارت له أنظمة الخليج ظهورها بتنسيق مع الولايات المتحدة فالنتيجة كانت كارثة إحتلال الكويت عام 1990 والتي وضعت آخر مسمار في نعش ما يمكن تسميته التضامن العربي أو الموقف العربي الموحد.

المعضلة التي واجهتها إسرائيل والولايات المتحدة أن قوى شعبية بدأت تقاوم إسرائيل بجدية وبطرق مبتكرة بعيداعن هيمنة الأنظمة العربية تمثل في الانتفاضات الفلسطينية وصعود نجمي المقاومتين الفلسطينية واللبنانية والتي بدأت توجع العدو بطريقة لم يعهدها بعد مثل الانتفاضة الفلسطينية وتحرير الجنوب اللبناني اللبناني عام 2000. لذلك لم يبق أمام أمريكا إلا الاحتلال المباشر وزرع الفتنة الطائفية إنطلاقا من العراق. وهو ما حدث بالفعل. فمنذ الاحتلال الأمريكي للعراق تدفق مئات الألوف من الإيرانيين إلى العراق وبسطوا سيطرتهم الأمنية على الجنوب خاصة. ولما إنطلقت المقاومة وبسرعة غير معهودة وإنضم إليها كثير من الشباب الوطني ومن كل الطوائف بدأت خيوط الفتنة تتضح وذلك عبر ثلاثة قرارات إتخذها الحاكم العسكري بول بريمر وتتمثل في حل الجيش واجتثاث البعث وتشكيل مجلس الحكم العراق القائم على المحاصصة الطائفية. من هناك كانت البداية وما زالت الأمور في أوجها والفتنة الطائفية إنتقلت من العراق إلى سوريا إلى اليمن إلى بعض دول الخليج، ناهيك عن لبنان المركب أصلا بطريقة طائفية منذ الانتداب الفرنسي.

ما أسباب تعاظم العنف الطائفي في سوريا والعراق وغيرها من الدول؟

الطائفية داء خطير عندما ينتشر فهو أقرب إلى المرض المعدي الذي يأتي على الجميع. فعند حدوث الفتنة الطائفية ينطوي كل فرد داخل المجموعة العرقية أو الدينية التي ينتمي لها بحكم الشعور بالأمان أكثر ثم عندما يقترب الخطر يجد الإنسان نفسه مضطرا أن يدافع عن بيته وأهله في معركة لم يكن له فيها خيار. وغالبا ما تستدعي الفتنة الطائفية إلى اللجوء إلى الخارج لتأمين مظلة حماية أوسع. فتبدأ عملية تعبئة واسعة خارج الحدود فالكردي العراقي يستجير بالكردي التركي والسني السوري يستجير بالسني اللبناني والسعودي والشيعي العراقي يستجير بالشيعي الإيراني والزيدي اليمني يستنجد بالنظام الإيراني واليمني السني يهرب إلى السعودية ويطلب منها أن تدخل المعركة إلى جانبه. بهذا تتهاوى الحدود وتتمزق الدول ويصبح الوطن عبارة عن فسيفساء مهلهلة يمكن تحطيم الأجزاء منها وإعادة تركيبها بطريقة مختلفة. وفي ظل هذا الوضع تستخدم السلطة الطائفية كل أسلحة القتل لبقاء الطائفة في الحكم وتلجأ الأقلية المهزومة إلى الإرهاب كتفجير السيارات والاغتيالات وقتل الأبرياء من الطائفة المخالفة فتقوم تلك الطائفة بالرد على الإساءة بأسوأ منها فتعمل على الاقتلاع

العرقي أو إرتكاب المجاز. يتعمق الجرح بين الطرفين ويصبح الثأر أمرا طبيعيا لدى الجميع وينخرط شباب الطائفة في الحرب كنوع من الحماية لأنهم مطلوبون في ذاتهم حتى لو رفعوا الراية البيضاء ويصبح خطاب الكراهية والانتقام والتعبئة الحاقدة سيد الموقف. بهذا يشتعل أوار الحرب الطائفية والتي يصعب إطفاؤها إلا في حالة سحق مجموعة عرقية أو دينية بكاملها كما فعل المستوطنون الأوروبيون في السكان الأصليين للعالم الجديد أو كما فعل السنهليز في التاميل في سري لانكا أو كما يفعل البوذديون الآن في مسلمي الروهنغا أو كما فعل تنظيم الدولة في الأزيدين والأمثلة كثيرة. والطريقة الثانية لوقف الحروب الطائفية تدخل خارجي قوي من شأنه أن يجبر الطرفين على وقف الاقتتال كما فعلت حلف الناتو في البوسنة والهرسك وكما فعلت روسيا وفرنسا وبريطانيا وبروسيا في وقف المذابح بين الدروز والمارونيين في لبنان عام 1860 وكما فعل الجيش السوري عندما دخل لبنان عام 1975 وكما فعلت الهند في بنغلاديش عام 1971 والأمثلة كثيرة أيضا.

الحرب الطائفية المشتعلة الآن لا تتوفر فيها شروط التوقف سواء من حيث الانتصار النهائي أو التدخل الخارجي. والمنطقة ستشهد مزيدا من الصراعات المفتوحة وقد تصل بوضع يسمح للعراق المدعوم من إيران بسحق السنة كقوة سياسية أما في سوريا فليس من المرجح أن تستمر سيطرة العلويين على الغالبية السنية لأسباب عديدة لا نريد الخوض فيها.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا