إكراهات نتائج الانتخابات التشريعية الفرنسية: ماكرون أمام معادلة شبه مستحيلة وشبح حل البرلمان وارد

فشل الرئيس المنتخب إيمانويل ماكرون ووزيرته الأولى إليزابيت بورن في تحقيق أغلبية مريحة في الانتخابات التشريعية الفرنسية

مما لا يمكنه من مواصلة برنامج الإصلاحات الذي وعد به الناخبين. وأفرزت الانتخابات مشهدا برلمانيا جديدا لا يعطي الفرصة لتشكيل أي أغلبية للأحزاب المتناحرة الممثلة في الجمعية العامة.
تهيمن أربع تشكيلات على أغلبية المقاعد: تجمع «معا» الداعم لماكرون (246 نائبا) والتجمع الوطني لمارين لوبان (89 نائبا) والوحدة الشعبية الجديدة الإيكولوجية والاجتماعية بقيادة جون لوك مياونشون (142 نائبا) وحزب الجمهوريين بقيادة كريستيان جاكوب (64 نائبا). هذه الأرقام المسجلة لا تعطي أي اغلبية للأحزاب المتواجدة حتى وإن حسبنا باقي النواب وعددهم 37 الذين لا ينتمون للأحزاب. وهو ما يضع الرئيس ماكرون الحائز على «أغلبية» برلمانية تعد 246 نائبا أمام إكراهات لم يدخلها في حساباته من قبل بسبب اللعبة الانتخابية التي عملت أساسا على افشال مخططاته عبر تحالفات انتخابية غير مسبوقة.
مشهد سياسي منقسم
عمل اليمين المتطرف بقيادة مارين لوبان واليسار الراديكالي وحلفاؤه الاشتراكيون والإيكولوجيون على نسف حظ ماكرون للحصول على أغلبية برلمانية. ونجحا في ذلك بصورة غير مسبوقة أعطت مشهدا لا يتحكم فيه أي حزب على الإطلاق. ولم يمكث تحالف اليسار طويلا إذ رفضت أحزابه مقترح جون لوك ميلونشون بتشكيل كتلة واحدة معارضة تحت راية تجمع الوحدة الشعبية بسبب بحث الحزب الاشتراكي وحزب الخضر والحزب الشيوعي الفرنسي على تمويلات عمومية في صورة ما اذا كونوا كتلا برلمانية مستقلة. وهكذا يفشل ميلونشون في تزعم المعارضة وحصول حزبه على منصب رئيس الهيئة المالية في البرلمان التي تتمتع بصلاحيات واسعة لمراقبة الميزانية ومصاريف الحكومة ومؤسسات الدولة وجدولة مشاريع القوانين المتصلة بالمالية العمومية. ويصبح التجمع الوطني، حسب منطق الأرقام، القوة المعارضة الأولى التي سوف تحصد مواقع ريادية وفي مقدمتها اللجنة المالية في البرلمان لتعطيل مشاريع الحكومة.
من ناحية أخرى، تجمع «معا» المكون للأغلبية الرئاسية يتكون من ثلاثة أحزاب، الجمهورية إلى الأمام و «المودام» الوسطي و»هوريزون» اليميني. وهي تنظيمات لا تتمتع بالأغلبية المطلقة ويتحتم عليها الخروج من مساحة اطمئنانها للدخول في مفاوضات مع حزب الجمهوريين الديغولي الذي حصل على 64 مقعدا كافية لتشكيل أغلبية مريحة مع ماكرين. لكن زعماء اليمين الذين يعتبرون أن الرئيس الفرنسي قد حطم حزبهم بانتداب عديد الشخصيات لحكوماته المتعاقبة كما عبروا عن رفضهم التحالف مع حزب ماكرون. لكن زعيم الجمهوريين قبل لقاء ماكرون من أجل «التفاوض» في إمكانية مشاركة الحزب في أغلبية برلمانية محتملة.
«تقاليد جديدة» لوضع سياسي متقلب
هذا الوضع المعقد الذي يهدد بشلل الدولة يحتم على الرئيس الفرنسي توخي توجه مغاير، غير عمودي كما اعتاد على ذلك في ولايته الأولى، يعتمد على منطق التحالف بين الأحزاب كما هو الشأن في ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا. لكن التقاليد والثقافة السياسية الفرنسية لا تنتمي لهذا النمط من التعامل. بل هي تعتمد على «التطاحن» والفردانية وشخصنة السياسات. وهو ما لا يخدم التوصل بسهولة إلى حل توافقي. لكن قصر الإليزيه أشار إلى أن الرئيس عازم على لقاء الأحزاب التي يمكن أن تشاركه الحكم من أجل الخروج من الأزمة الحالية. وسوف يدخل حزب الجمهوريين المفاوضات مع ماكرون في موقع قوة بالرغم من عدد النواب المتواضع إذ يتمتع اليمين بأغلبية في مجلس الشيوخ تعطيه قوة إضافية في هذه المرحلة وترجعه لمربع الحكم بدون عناء.
من ناحية أخرى، سجلت الانتخابات تصويتا واضحا «ضد ماكرون» حتى أن نسبة من اليمينيين واليساريين صوتوا لفائدة مرشحين من اليمين المتطرف في أكثر من 62 دائرة مما جعل التجمع الوطني يحصد89 مقعدا، في خطوة تاريخية لا تعبر بالفعل عن وزنه الحقيقي على أرض الواقع، في حين كانت له عام 2017 ستة مقاعد فقط. ولوحظ نفس توجه اليسار الراديكالي لدعم حزب مارين لوبان في الانتخابات الرئاسية في شهر أفريل. بالرغم من هذا التوجه «الانتهازي، لم يفلح إلى حد الآن جون لوك ميلونشون في تزعم المعارضة وفي تكوين كتلة ضخمة تعطيه قوة غير مسبوقة في البرلمان.
إكراهات المرحلة
ويدخل ماكرون في مفاوضات مع الأحزاب المعارضة والشخصيات المستقلة في البرلمان من أجل ضمان أغلبية، تبقى أمامه إكراهات أخرى تتعلق بالوضع الحكومي. فبعد أن رفض استقالة الوزيرة الأولى لسد باب التفاوض في منصبها، لا بدّ له أن يملأ فراغ ثلاث حقائب وزارية بسبب خروج الوزراء الفاشلين في الانتخابات وهم أميلي دي مونشالان (الحول الإيكولوجي) وجوستين بونان (وزيرة شؤون البحر) وبريجيت بورغينيون (الصحة) وهي حقائب أساسية في مشاريع الإصلاحات. ولا بد له أن يحترم التوازنات الحزبية للأغلبية المنشودة بإقحام وجوه جديدة في صورة الاتفاق مع حزب الجمهوريين مع تغيير في الإستراتيجية الحكومية والأخذ بعين الاعتبار مطالب الأحزاب المشاركة في المشاركة في صياغة البرنامج الحكومي.
البحث عن حلفاء جدد لمنع حالة شلل الدولة التي تحصل لأول مرة في تاريخ الجمهورية الخامسة يتزامن مع إعلان جون لوك ميلونشون تقديم لائحة لوم ضدّ الحكومة يوم افتتاح أشغال البرلمان في 28 جوان. وقد سبق أن أعلن الحزب الاشتراكي عدم مشاركته في الخطوة في حين ينتظر نواب التجمع الوطني المتطرف الفرصة للإطاحة بالحكومة بمشاركة حزب جون لوك ميلونشون. لكن بدون الاشتراكيين وحزب الجمهوريين لا يمكن لهم أن يفلحوا في هذه الخطوة. تبقى الطريق وعرة أمام إيمانويل ماكرون للوصول إلى «اتفاق» مع الجمهوريين. وهذا يتطلب حتما تنازلات سياسية من طرف الإليزيه لا يعرف مداها وحجمها أحد في هذه الساعة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا