الصين في مواجهة النفوذ الأمريكي في العالـم

شهدت العلاقات الصينية الأمريكية منذ سنوات، خاصة مع ولاية دونالد ترامب، تقلبات أفضت إلى الدخول في حرب اقتصادية

وفرض رسوم جمركية على بيكين فاقت 200 مليار دولار. ومع حلول الإدارة الأمريكية الجديدة تغير أسلوب التعامل مع الملف الصيني وشرعت الولايات المتحدة يوم الخميس 18 مارس في جولة من الاتصالات مع الصين تحت رعاية وزير الخارجية الجديد أنطوني بلينكن على خلفية أزمة هونغ كونغ ومسألة الويغور. وهو تحرك يخفي الملفات الحقيقية الشائكة التي لخصها وزير الخارجية الأمريكي يوم 3 مارس في أول خطاب له عندما صرح أن «الصين تشكل التحدي الجيوسياسي الأول في القرن الحادي والعشرين». واعتبر أن الصين هي «المنافس الوحيد للولايات المتحدة الأمريكية في المجالات الدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية والتكنولوجية».
وقد فسر الملاحظون هذا التمشي بعدم قدرة واشنطن على لي ذراع بيكين بعد أن سجل النظام الصيني تقدما ملموسا في عديد المجالات وأصبح بموجبه ينافس بصورة جدية زعامة الولايات المتحدة الأمريكية على كل الأصعدة. وبعد أن اعتبر جو بايدن أن «الولايات المتحدة سوف تحتكم للقانون الدولي» وأنها لا تنوي الدخول في حرب مع الصين، باتت الدبلوماسية المجال الوحيد لحل المشاكل العالقة والسبيل للوصول إلى نوع من «التعايش» الدولي يضمن للبلدين السلم والنمو الاقتصادي في عالم متعدد الأقطاب تخترقه صراعات إقليمية و منافسة اقتصادية وتكنولوجية متفاقمة.
استراتيجية «الحلم الصيني»
استفاقت الصين، التي كانت تعتبر بلدا ناميا في ستينيات القرن الماضي، بعد أن فرض زعيمها دانغ شياوبينغ،»كبير مهندسي الإصلاح والتفتح»،عام 1979 سياسة التخلي عن مفردات «الثورة الثقافية» والدخول في منوال تنموي ليبرالي تحت سيطرة الحزب الشيوعي اعتمد على النمو الاقتصادي و التكنولوجي كركيزة لتطوير قدرات البلاد و تشريك الشرائح الشعبية في النظام الجديد الهادف في آن واحد إلى تحسين ظروف العيش وتطوير قدرات الدولة في كل المجالات. الرئيس الصيني الحالي شي جين بينغ الذي ينتمي للجيل الخامس للقيادة الصينية هو خليفة الزعيم يانغ زي مين المنتمي الى حلف دانغ.
وقد أسس الرئيس الحالي «الحلم الصيني» في محاولة توطين شعار الحلم الأمريكي. واعتمد على استراتيجية «طريق الحرير الجديدة» لضمان مساحات نفوذ اقتصادية وعسكرية تمكّن من تركيز هيمنة الصين على أوسع رقعة نفوذ ممكنة لا في منطقتها الجغرافية فحسب، بل في كل القارات. وأعلن في آخر خطاب له أن الحضارة الصينية باقية للألفية القادمة. وإذا دخلت القيادة الصينية في هذه الإستراتيجية الطموحة فذلك يرجع إلى نجاح سياسة التفتح على النظم الحديثة، بعيدا عن اللغو الإيديولوجي الذي كان سائدا في البلاد. وهو ما مكّن من تحديث الاقتصاد الذي جعل المدن الصينية تضاهي كبار المدن في العالم من حيث بنيتها التحتية ونظمها التكنولوجية وتمتعها بقدرات إنتاجية فرضت نفسها على العالم بحيث تصنع الشركات الصينية قرابة 90% من اللعب والأحذية والملابس والأدوية التي تستهلكها شعوب العالم.
تطوير القدرات الذاتية
أسست استراتيجية طريق الحرير الجديدة في إطار منافسة النفوذ الأمريكي بعد سقوط الإتحاد السوفيتي. وهي مواصلة لسياسة «التحديثات الأربعة» التي أسسها دانغ شياو بينغ في ثمانينات القرن الماضي (الصناعة والتجارة والتعليم والنظام العسكري والزراعي) والتي أدخلت البلاد في حلقة إيجابية من الإبداع وتطوير المهارات وقدرات الإنتاج وتحسين ظروف العيش المستمر. وأظهرت إدارة جائحة كورونا التي اندلعت في الصين قدرة البلاد على القضاء على الجائحة في أقل من 4 أشهر والرجوع إلى سبيل الإنتاج والتطور الاقتصادي في حين لا زالت الولايات المتحدة (540 ألف قتيل) وأوروبا (900 ألف قتيل) تتخبط في الأزمة الصحية والاقتصادية الناجمة عنها لما لأسسها السياسية والإدارية من نقائص.
وأصبحت الصين في أربعة عقود من الزمن عملاقا اقتصاديا بتوخي سياسة استقطاب الاستثمارات والصناعات ذات القيمة المضافة بموجب سياسة عرضها قدرة تنافسية عالية. وتمكنت بذلك من هضم التحولات التكنولوجية بفضل تكوين جيوش من المهندسين وتشغيلهم في تطوير القدرات التكنولوجية الحديثة والتمتع بنقل التحديث التكنولوجي مقابل أسعار منخفضة للإنتاج مع فتح أسواق في كل القارات.وهو ما جعلها اليوم تتصدر الصناعات التكنولوجية في العالم وتأخذ مكانا هاما في نظام العولمة.
وحسب تقارير البنك الدولي امتلكت الصين عام 2020 سندات أمريكية تصل إلى 2200 مليار دولار. أما على المستوى التجاري فلها فائض يقدر بجملة 140 مليار دولار وهو ما يعطيها قوة في مفاوضاتها مع البيت الأبيض بعد أو حاول دونالد ترامب تخفيض الهوة بسياسة رفع الضرائب على المنتوج الصيني. وفي أقل من عشرين سنة أصبحت السوق الصينية أول قبلة للمنتوجات الأوروبية. وقد سجلت الشركات الأوروبية في زمن الكورونا ارتفاعا في صادراتها واستثماراتها نحو الصين بنسبة 13% في حين انخفضت بنسبة 43% في باقي الدول. واتسعت رقعة المبادلات الصينية مع إفريقيا وأمريكيا الجنوبية واستراليا. وأصبحت بيكين منذ عام 2015 الشريك الاقتصادي الأول للبلدان اللاتينية وشهدت المبادلات ارتفاعا ملحوظا في عام 2000 (10 مليار دولار) في عام 2020 (315 مليار دولار). وحققت الإستثمارات الصينية في الطرقات والجسور والملاعب الرياضية والمستشفيات في الفارة الإفريقية استثمارات وديون لدى بيكين فاقت 143 مليار دولار. وتتصدر الصين اليوم، حسب البنك الدولي، ملف القروض الممنوحة في إطار سياسة التنمية إلى البلدان النامية في مجموعة العشرين ووصلت مجمل القروض 63%. أما على مستوى مقاومة جائحة كورونا فتدل تقارير منظمة الصحة العالمية أن 136 دولة تستخدم اليوم اللقاح الصيني ضد كوفيد 19 وأن بيكين قد وزعت إلى حد الآن 550 مليون جرعة في العالم النامي الذي هو متنفسها الإستراتيجي في العشريات القادمة.
اللعب مع الكبار
وتدل الحركات اليائسة التي أظهرها وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية في اجتماع ألاسكا هذا الأسبوع مع الخصم الصيني على عمق التحدي الذي يواجه البيت الأبيض. ففي نفس الوقت الذي يخوض فيه جو بايدن عمليات مقاومة الجائحة ويتخبط في إعادة بناء الاقتصاد الأمريكي تدخل بيكين في استراتيجية توسعية منظمة تركزت معالمها في أقل من سنة وفي وقت يعاني فيه العالم من جائحة كورونا. ففي فيفري 2020 وقعت الصين مع 16دولة من منطقة آسيا والمحيط العادي اتفاقا للتبادل الحر تشارك فيه أستراليا ونيوزيلندا يعطل الطريق أمام النفوذ الأمريكي بعد أن قرر الرئيس السابق دونالد ترامب الانسحاب من الاتفاق وهو ما يعقد عملية الرجوع الأمريكي إلى المنطقة.
على المستوى الأوروبي، بعد أن نشرت الصين شبكة سكك حديدية بخمسة آلاف كيلومتر تشق روسيا و تربط الصين بألمانيا، نجحت بيكين مرة أخرى في استقطاب 16 دولة من شرق أوروبا في قمة ترأسها الرئيس الصيني سي جي بينغ في فيفري 2021 واعلن فيها على مواصلة البرنامج الاستثماري في إطار برنامج طريق الحرير الجديدة و الذي خصصت له بكين 1000 مليار دولار لبسط طرقات و انشاء مواني لاستقبال المنتوج الصيني مع رفع صندوق القروض الصيني بثلاثة مليار دولار. هذه التحركات الصينية تدخل في تسهيل عمليات ربط الاقتصاد الصيني بالشبكات الاقتصادية في العالم. وهي عملية مستمرة منذ سنين هدفها فرض الأمر الواقع للعب مع الكبار.
العناصر الأرضية النادرة
حسب عديد الدراسات في مجال التكنولوجيا، تستمد الصين قوتها من امتلاكها لـ85% من «العناصر الأرضية النادرة» في العالم. وهي معادن وأكاسيد أرضية نادرة تستخدم في تطوير ميادين الدفاع والتكنولوجيا الحديثة وصناعة السيارات والطائرات والمعدات العسكرية و أجهزة التنصت والمراقبة و البطاريات الكهربائية ومعدات الآلات الإلكترونية المتطورة والكومبيوتر وصنع السبائك الصلبة. وللصين 30% من المخزون العالمي لهذه المادة. وتمكنت من شراء 90% من العناصر الأرضية النادرة المتواجدة في إفريقيا. قوة الصين اليوم هي في تصديرها هذه المادة لكل الدول بما فيها الولايات المتحدة وأوروبا. إذ تنتج سنويا 120 ألف طن مقابل 20 ألف لأستراليا و15ألف لأمريكا و 2،6 طن لروسيا. هذه المادة المستخدمة في تطوير المعدات الإلكترونية جعلت من الصين عملاقا في هذا المجال مما جعل الولايات المتحدة وحلفاءها يواجهون هيمنة الصين على نشر الجيل الخامس من الاتصالات اللاسلكية على هذا المجال خاصة وأنها في صدد تجربة الجيل السادس وأن مخابرها للبحوث تشتغل على... الجيل الثامن. وتبقى بيكين غير بعيدة على القوة الأمريكية فهي تعمل، بصفة منظمة ومخططة مسبقا، من أجل الالتحاق بالعملاق الأمريكي في مجالات التقدم التكنولوجي والعسكري وفي معركة الفضاء القادمة حيث وقعت الصين وروسيا اتفاقا ثنائيا يقضي بنشر محطة فضائية خاصة بهما و العمل على برنامج للنزول فوق القمر بعد أن نجحت في إرسال قمر للمريخ.هذا الميدان التكنولوجي هو العصب الأساسي في المعارك القادمة حول زعامة العالم الرقمي.وتدل كل الإحصائيات والتقارير أن الصين تتقدم بثبات نحو ذلك الهدف.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا