هل انتهى دور الجامعة العربية ؟

لم يكن مفاجئا اعلان وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي التخلي عن حق فلسطين في رئاسة مجلس الجامعة العربية للدورة الحالية

ردا على التطبيع العربي مع «إسرائيل». هذا القرار كان متوقعا بعد الفشل الذريع -خلال الاجتماع العادي الأخير الذي عُقد على مستوى وزراء الخارجية في 9 سبتمبر الجاري- في اصدار قرار يدين تطبيع العلاقات مع «إسرائيل» بعد ان قامت بعض الدول المطبّعة بإسقاط القرار . كما أن خيبات الجامعة العربية وفشلها تجاه القضية الفلسطينية لا تعد ولا تحصى، فبعد هذه التراكمات التاريخية من التعثرات والفشل، جاءت موجة التطبيع المجاني مع الكيان الصهيوني ووقوف الجامعة العربية عاجزة حتى عن استصدار قرار يدين هذه الخيانات، ليمثل القطرة التي أفاضت الكأس .

وفي خضم التحولات المتسارعة الجديدة في المنطقة ومع الضغوط الكبيرة التي تمارسها إدارة ترامب تجاه بعض الدول العربية والخليجية للانضمام الى نادي المطبّعين لأسباب عديدة انتخابية وغيرها ، ومسارعة الدول المطبعة الى اعلان الولاء والطاعة والانصياع لهذه التوجهات الأمريكية ...تبدو القضية الفلسطينية أمام مفترق صعب .
ويحيلنا هذا الخذلان العربي للقضية الفلسطينية الى ما رُوي عن الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة وموقفه من الجامعة العربية قبل عقود خلت ، فحينما توجه للجامعة العربية طالبا دعمها ومساندتها ، جاء الرد بأن ينتظر حتى تُحل القضية الفلسطينية وبعدها ستقوم الجامعة بتقديم الدعم لتونس في معركتها لتحرير بنزرت من الاستعمار الفرنسي. فكان جواب الحبيب بورقيبة واضحا آنذاك وطلب من الأمين العام للجامعة العربية بأن ينسى القضية التونسية . ولعل هذا الموقف يلخص نظرة استباقية لدى الزعيم الراحل تجاه هذا الهيكل العربي ودوره الفاشل في حل القضايا العربية، فالى حدّ الآن لم تنجح الجامعة منذ تأسيسها في حل القضية الفلسطينية ولا في إعادة بعض الحقوق للفلسطينيين، وحتى عند اندلاع موجات ما يسمى بـ «الربيع العربي» كان دورها سلبيا في الملف السوري حيث سارعت الى طرد سوريا من الجامعة العربية دون أدنى محاولات للتدخل لإنهاء هذه الحرب العبثية قبل تفجرها أكثر ، أما في الملف الليبي فحدّث ولا حرج ...فللجامعة سوابق من الخيبات والتعثرات ، وكذلك في الملف اليمني وغيره
العالم العربي ينزف من مشرقه الى مغربه وكأن هذا الهيكل العربي أصبح مجرد شاهد على هذه الحقبة التاريخية المريرة التي تُكتب بدماء شعوب المنطقة .

يمكن القول ان هذه الجامعة التي كانت حتى الأمس القريب متمسكة بالحد الأدنى من شعارات الدعم للقضية الفلسطينية والتي لا تسمن ولا تغني من جوع ، قد تخلت اليوم حتى عن هذه الشعارات ، في تطور خطير لا يمكن الا ان يريح الاحتلال «الإسرائيلي» أمام ما يراه من خذلان عربي كبير للفلسطينيين .
صحيح ان الجامعة العربية كهيكل منظم هي اليوم في حالة موت سريري .. ولكن الأكيد والحقيقة المطلقة التي لا يمكن لا «لإسرائيل» ولا لحليفها ترامب ولا لأنظمة التطبيع أن تغيرها، هي وجود الفلسطينيين كشعب مقاوم وصامد على أرضه مستعد لتقديم كل التضحيات لأجل ذرة تراب واحدة من أرض فلسطين المقدسة، وأن هناك شعوبا عربية لا زالت الى حد الآن تعتبر فلسطين قضيتها الأم وستظل كذلك في وجدانها رغم العثرات والخيبات ورغم مخالب التطبيع التي تنهش الجسد الفلسطيني .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا