منبر: الوجود الروسي في سوريا ... بين المنافع الاستراتيجية والتحديات السياسية دمشق ... بوابة العبور الروسية إلى المياه الدافئة

توفيق المديني
من وجهة نظر المراقبين للوضع في سورية، شكلت الزيارة الأخيرة للوفد الروسي الذي يمثل أبرز المستويات المعنية بالملف السوري

على الصعد الدبلوماسية والسياسية والعسكرية والاقتصادية إلى دمشق، محطة مفصلية في العلاقات الاستراتيجية بين روسيا و سورية، حيث ترأس هذا الوفد نائب رئيس الوزراء ومسؤول الملف الاقتصادي في الحكومة الروسية يوري بوريسوف ، وهي الزيارة الخامسة له إلى سورية منذ تعيينه رئيساً للجانب الروسي في اللجنة الاقتصادية المشتركة مع الحكومة السورية ، خلفاً لنائب رئيس الوزراء السابق ديمتري روغوزين، إضافة لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الذي تُعَدُّ زيارته الأولى منذ عام 2012 ،وهذه هي المرَّة الأولى التي تجتمع فيها هذه المستويات في زيارة تهدف إلى إجراء مناقشات شاملة حول الملفات المتعلقة بالوضع في سورية.
في تعليقه على هذه الزيارة ، قال السفير السوري في موسكو، رياض حداد: إنَّ زيارة الوفد الروسي «تكتسي أهمية خاصة، نظراً للملفات السياسية والاقتصادية التي سيتم بحثها، ومن بينها مكافحة الإرهاب ونتائج عمل لجنة مناقشة تعديل الدستور السوري، ومواجهة الحصار الاقتصادي وقانون قيصر» الأمريكي، لافتاً إلى أن «هذه المرَّة الأولى التي تجتمع فيها هذه المستويات في زيارة تهدف إلى إجراء مناقشات شاملة حول الملفات المتعلقة بالوضع في سورية».
البعد الاقتصادي للزيارة
احتلت الجوانب الاقتصادية لزيارة الوفد الروسي حيزًا مهمًا،لا سيما أنَّ إسناد رئاسة الوفد إلى رئيس اللجنة الاقتصادية المشتركة مع الدولة الوطنية السورية ، تعبر عن الأهمية التي توليها روسيا للجانب الاقتصادي، بوصفه في صدارة أولويات علاقاتها مع دمشق. وكان رئيس الوفد الروسي بوريسوف أبرم أهم العقود مع الحكومة السورية ، ومن بينها استئجار ميناء طرطوس لمدة 50 سنة، وإقامة شراكة استراتيجية في مجال الصناعة، و التنقيب عن النفط و الغاز، وإبرام عقود مع شركات سورية ،وهي عقود تندرج جميعها في إطار اتفاقيات تعاون شاملة أسس لها سلفه ديمتري روغوزين صاحب التصريح الشهير الذي قال فيه إنَّ «سورية بلد غنيّ بلا حدود، وتوجد فيها ثروات باطنية، وهي ذات موقع جغرافيّ فريد، وللشركات الروسية حقّ تطوير مشاريع اقتصادية ضخمة في سورية، ولا سيما في ظل وجود العسكريين الروس الذين سيبقون في سورية للحفاظ على السلام والاستقرار».
واعتبر الرئيس بشار الأسد، خلال استقباله للوفد الروسي، أنّ سورية وروسيا «نجحتا بإحراز تقدّم في تحقيق حلّ مقبول للطرفين في العديد من القضايا»، مشدداً على «الأهمية الكبيرة لنجاح الاستثمارات الروسية في سورية».وخلال مؤتمر صحافي مشترك، حضره بوريسوف ولافروف مع وزير الخارجية السورية وليد المعلم، قال بوريسوف إنّ الطرفين «توصّلا إلى اتفاقات للتعاون في إعادة تأهيل نحو أربعين منشأة سورية مهمة، خصوصاً ما يتعلق بالبنى التحتية لقطاع الطاقة واستخراج النفط والغاز، وكذلك إعادة إعمار عدد من محطات الطاقة الكهربائية». كما أشار إلى إبرام اتفاق حول استخراج النفط من البحر على السواحل السورية.
وأكدت زيارة الوفد الروسي في جانبها الاقتصادي ، أنَّ روسيا لن تتخلى عن سورية وستواصل وقوفها إلى جانب الدولة الوطنية ، كما وقفت معه طيلة سنوات الحرب، لا سيما في ظروف الحصار والعقوبات أحادية الجانب التي فرضتها الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي على الشعب السوري ودولته، وكأن الزيارة تهدف فعلياً إلى كسر الحصار عن الشعب السوري، وهذا ما عبر عنه صراحة الوفد الروسي، سواء على لسان نائب رئيس مجلس الوزراء الروسي يوري بوريسوف رئيس الوفد، أو على لسان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف.
البعد السياسي
تعتبر روسيا أنَّ سورية مفتاح المنطقة، لا العراق ،هكذا حصل منذ أيام الإسكندر المقدوني قبل 2342عام.والتغيير الجيوسياسي لم يتحقق في الشرق الأوسط عبر بغداد كما توقع وزير الخارجية الأمريكي الأسبق كولن باوول، فهذا التغيير يحصل فقط عبر البوابة الدمشقية..وكانت سورية على الدوام مركزًا لصراع الدول الكبرى ، وقد تمدَّدت إليها الحرب الباردة فور إنقسام أوروبا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وحصل الصراع على سورية بين الشرق والغرب بعد قيام حلف بغداد في العام 1954.
انطلاقًا من هذه الرؤية شكلت الأزمة السورية فرصة تاريخية لروسيا لاستعادة دورها الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط، الذي كان يعتبر الحديقة الخلفية للهيمنة الأمريكية. فعلى مدى ما يقرب من ربع قرن، منذ تفكك الاتحاد السوفيتي، كانت الاعتبارات الاقتصادية والحاجة الملحة لتعافي الاقتصاد الروسي هي المحرك الرئيسي للسياسة الروسية تجاه الشرق الأوسط. من هنا شكلت الأزمة السورية البوابة الرئيسة لعودة روسيا إلى منطقة الشرق الأوسط، نظرًا لالتقاء المصالح والرؤى الاستراتيجية بين الدولة الوطنية السورية وروسيا من أجل محاربة الإرهاب التكفيري، الذي لم يعد يشكل تهديدًا وجوديًا لسورية فحسب، بل أصبح يشكل تهديدًا استراتيجيًا لروسيا في خاصرتها الجنوبية متمثلة بجمهوريات القوقاز.
في الشقّ السياسي، وربما هو الأهم، شدّد لافروف على أهمية استكمال عمل اللجنة الدستورية، ودفع تطبيق القرار الأممي 2254 المتعلق بمحادثات السلام، إذْ يُعّدُّ المسار الدستوري أحد أعقد مسارات التفاوض في عملية السلام السورية القائمة، نظراً إلى تباين مواقف أطراف النزاع حوله، فضلاً عن كونه الإطار الجامع الذي ينبغي أن تتجسد فيه كل التوافقات الأخرى التي ستتم وستمهد لانتقال سورية من حال العنف والنزاع إلى مرحلة التعافي والسلام. وكانت تمت الإشارة إلى القضايا الدستورية بصورة مبكرة من مسار عملية التسوية السلمية. وتكررت الإشارة، بعد ذلك، إلى مسألة الدستور في العديد من الوثائق الصادرة حول النزاع السوري وصولاً إلى ترسيخها في القرار 2254 (2015) الذي بات يُشكّل المرجعية المُتّفق عليها وإطار العمل الناظم لعملية التفاوض الحالية.وجاء في هذا القرار أن مجلس الأمن «يُعرب عن دعمه عملية سياسية بقيادة سورية تُيسّرها الأمم المتحدة... وتُحدد جدولاً زمنياً وعملية لصياغة دستور جديد».
خلال المؤتمر الصحفي المشترك، حرص لافروف والمعلم ، على نفي وجود ترابط بين الملفين الاقتصادي والسياسي. وقال المعلم إنّ موسكو لم تضع سقفاً زمنياً لعمل اللجنة الدستورية، مقابل تقديمها مساعدات اقتصادية، وهو أمر أكده لافروف الذي أشار إلى أنّ «اللجنة الدستورية ليست مرتبطة بسقف زمني، ويجب منحها الفرصة كاملة لإنجاز عملها من دون تدخل خارجي». كما قال المعلم إنّ أي نتائج تتوصّل إليها اللجنة ستعرض على استفتاء شعبي، مستبعداً احتمال تأجيل موعد الانتخابات الرئاسية العام المقبل في حال لم تنه اللجنة عملها في جنيف. كما دعم لافروف هذه النقطة بقوله إنه «طالما لم يتم وضع دستور جديد، فإنّ البلاد تسير وفقاً للدستور القائم».
ويرى الخبراء في قضايا إقليم الشرق الأوسط، أن هناك بعض التباينات في موقفي سورية وروسيا بشأن كيفية التعامل مع الأكراد في سورية. وحين سئل وزير الخارجية السوري وليد المعلم عن موقفه من اتفاق الإدارة الذاتية الكردية مع «منصة موسكو» بقيادة قدري جميل ،قال إنّ «أي اتفاق يتعارض مع الدستور السوري لا ندعمه»، فيما دافع وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف عن الاتفاق، لكنه اعتبر أنّ «روسيا ليست طرفاً فيه، وإن جرى توقيعه في موسكو».
وتعمل موسكو على حلّ بعض القضايا المتعلقة بالأكراد في سورية لتحقيق هدفين:الأول، إبعادهم عن الولايات المتحدة، لا سيما أنَّ موسكو ليست متحمسة لوضع خاص ودور جديد للأكراد في سورية، بالنظر إلى معارضة الدولة الوطنية السورية ، والاعتراضات الإقليمية، خصوصاً من جانب تركيا، على ذلك. فأقصى ما يمكن أن تدعمه موسكو بالنسبة لقضية الأكراد هو «رفع نسبة مشاركتهم السياسية، وإدارة بعض شؤونهم المحلية، لكن من دون تشكيل أي كيان مستقل».
والثاني :الانفتاح الاقتصادي على مناطق سيطرة قوات سورية الديمقراطية «قسد» بهدف التوصل إلى إبرام الدولة الوطنية السورية اتفاق مع «قسد» ، إذ تحاول روسيا سحب البساط من تحت أقدام الوجود الأمريكي في الشرق السوري، في ضوء مراهنة موسكو على الانقسام داخل «قسد»، بين تيار يوالي الولايات المتحدة، وآخر يواليها والدولة السورية. وهذا ما توضح من خلال خروج أصوات تنتقد الاتفاق النفطي الذي وقعته «قسد «مع شركات أمريكية، وهي أصوات صدرت عن شخصيات قيادية في التنظيم، لزيادة نفوذه على حساب النفوذ الأمريكي. فبعد الاتفاق الأخير الذي وقعته «قسد» مع «منصة موسكو» برئاسة قدري جميل، بدأت روسيا بشكل جاد باختراق مناطق «قسد»، والزيارة ركزت على الخطة الروسية للتعامل مع هذا الواقع.
لقد تطورت الشَرَاكَةِ الاستراتيجية بين روسيا وسورية خلال الحرب الكونية الإرهابية التي فُرِضَتْ على سورية ،عَزَّزَهَا التحالف الاستراتيجي في محاربة الإرهاب والوقوف الثنائي في مواجهة المشروع الأمريكي في سورية والمنطقة، في ضوء الاستراتيجية الأمريكية المعلنة للسيطرة على منطقة شرق الفرات ونهب ثرواتها ونشر الخراب والفوضى فيها تحت مسميات وعناوين براقة وخادعة.‌‏
إنّ الوجود الروسي في سورية تمّ بوجود اتفاقيات ثنائية بين دمشق وموسكو وهو حق يرعاه القانون الدولي. وهكذا، باتت موسكو ترى أن بوابة العبور إلى المياه الدافئة وعالم البحار المفتوحة وصولا إلى أوروبا وآسيا واحتلال موقع مهم في خريطة الشرق الأوسط، تمر عبر سورية وصولا إلى المنطقة العربية والخليج العربي وتركيا وإيران. ويعني ذلك أن تتحدى روسيا النظام الأمريكي أحادي القطبية، عبر خلق موانع جيو ـ سياسية في مناطق جغرافية مختلفة لموازنة الضغوط الأمريكية عليها في جوارها الجغرافي المباشر. ومن شأن التحصن والتمكن من اللاذقية وطرطوس على الساحل السوري أن يؤمن لروسيا إطلالة ممتازة على شرق البحر الأبيض المتوسط، وموقعاً لا يبارى في التأثير على موازين القوى بالمشرق العربي والمنطقة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا