ليبيا: تغيّر المعادلات الإقليمية والدولية ...والتسوية الضائعة !

ستة أشهر من التدخل التركي المباشر كانت كافية لقلب كل المعادلات في ليبيا لصالح حكومة الوفاق بعد تراجع قوات «الجيش الوطني الليبي»

التي يقودها خليفة حفتر من أطراف العاصمة الليبية طرابلس إلى مدينة سرت ، وذلك في خضم الخسائر والهزائم الكبيرة التي مني بها في الغرب الليبي لعل أهمها خسارة قاعدة الوطية الإستراتيجية.
ويبدو ان نَهَمَ اردوغان وحلفائه لكسب المزيد من الانتصارات لم يتوقف ، ففيما أعلنت القاهرة عن مبادرة جديدة للهدنة ، تُواصل قوات حكومة الوفاق التقدم شرقا بعد استعادة السيطرة على مدينة ترهونة المُحاصرة حاليًّا، وعين اردوغان وحلفاؤه على آبار النّفط في الجنوب والشّرق. ولعل السؤال الذي يطرح نفسه هل ستنجح المبادرة المصرية الجديدة للهدنة خاصة أنها تزامنت مع مساع أوروبية وجهود بذلتها المانيا من أجل تبني حل سياسي للأزمة الليبية ؟
مبادرات جديدة للهدنة
وقد دعا مسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل جميع أطراف الصراع في ليبيا الى وقف العمليات العسكرية على الفور والانخراط بفاعلية في مفاوضات سلام. ودعا بوريل في بيان مشترك مع وزراء خارجية ألمانيا وفرنسا وإيطاليا أطراف الصراع الليبي إلى الموافقة سريعا على وقف إطلاق النار وسحب القوات الأجنبية والمرتزقة والعتاد العسكري. وكانت المستشارة الألمانية ميركل عبرت في اتصال هاتفي مع الرئيس الروسي فلاديمبر بوتين في وقت سابق عن قلقها من تصاعد القتال في ليبيا في الآونة الأخيرة.
وجاء التحرك الأوروبي ساعات بعد ان اقترح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يوم السبت الماضي وقفا جديدا لإطلاق النار وقد دخلت الجزائر من جهتها على خط الأزمة من جديد وأعربت عن استعدادها لاحتضان حوار بين الأطراف الليبية المتصارعة، وأشارت إلى أن هناك مبادرة جزائرية قائمة بهذا الشأن. كما أعلن المتحدث باسم الرئاسة الجزائرية عن إن بلاده ترحب بكل مبادرة غايتها وقف إطلاق النار. كما اعلنت الأمم المتحدة أنها تجري اتصالات مكثفة مع الحكومة الليبية لتحديد موعد اجتماع معها بهدف استئناف مباحثات وقف إطلاق النار التي توقفت في فيفري الماضي بجنيف ...
ويرى عديد المراقبين ان مبادرة الهدنة المصرية جاءت بعد الهزائم التي مني بها حفتر ، وهي توفر ظرفا مؤاتيا له من أجل التقاط الأنفاس والعودة بصورة أشرس الى ساحة القتال. لذلك من المستبعد – حسب البعض - ان يقبل اردوغان وحلفاؤه في حكومة الوفاق بهدنة من هذا القبيل قبل اسقاط كل الأوراق العسكرية والسياسية من يد حفتر وحلفائه. خاصة ان هناك تقارير تتحدث عن مساع تركية لتحييد موسكو من خلال وعود بعدم المساس بأي مصالح لروسيا في ليبيا . ومن المعروف ان موسكو ُتشكّل سندا قويا لحفتر وهي تدعمه ايضا لوجستيا ، الى جانب الدعم الذي تلقاه من محور القاهرة والإمارات .
الدور التركي الروسي
من الواضح ان المعادلة الليبية باتت بيد تركيا من جهة ومن ورائها الولايات المتحدة ، وروسيا من جهة أخرى . لذلك يحاول الأوربيون بعد تراجع دورهم اعادة العملية السياسية الى الواجهة . والأمر ذاته ينطبق على الدور العربي خاصة من دول الجوار الليبي أي تونس ومصر والجزائر، فهناك محاولة للعودة من خلال المبادرة المصرية وكذلك الدعوة الجزائرية لاحتضان محادثات بين فرقاء الصراع .
ويرى عديد المتابعين بأن مثل هذه المبادرات يمكن ان تنجح لو كانت قد فُرضت قبل أشهر خاصة ان رئيس البرلمان الليبي عقيلة صالح، كان قد طرح في أفريل الماضي مبادرة للخروج من الأزمة التي تعيشها البلاد ترتكز على الحل السياسي وتقصي الحل العسكري، وتنتهي بإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية.
وتقوم مبادرة عقيلة صالح على تشكيل مجلس رئاسي بالتوافق أو بالتصويت بين ممثلي أقاليم ليبيا الثلاثة، تحت إشراف الأمم المتحدة، يقوم بعد اعتماده بتسمية رئيس للوزراء و نواب له يمثلون الأقاليم الثلاثة، لتشكيل حكومة يتم عرضها على البرلمان لنيل الثقة ويكون رئيس الوزراء ونائباه شركاء في اعتماد قرارات مجلس الوزراء.وهي مبادرة شبيهة بنظام الحكم الذي كان قائما في ليبيا في ثلاثينات القرن الماضي وكانت فيه البلاد مقسمة الى ثلاثة اقاليم ، طرابلس في الغرب وبرقة في الشرق وفزان في الجنوب، قبل ان يتمّ في سنة 1963 إلغاء ولايات ليبيا الثلاث وتكوين عشر محافظات بدلاً عنها.
فرَفْض حفتر لهذه المبادرة وعدم تحمسّه لها ، كان وراء تصاعد الخلاف بينه وبين عقيلة صالح رغم أنها لقيت ترحيبا من فايز السراج آنذاك.
فاليوم وفيما يحتفل أردوغان وحلفاؤه في حكومة الوفاق الوطني بالنصر في ليبيا والذي عوض به خسارته في سوريا ، فإن عينه على سرت الليبية وعلى آبار النفط في الشرق والجنوب ... فهل ستسمح القوى الأوروبية بتواجد تركي على حدودها المتوسطية وان تقتسم معها تركيا كل هذه المصالح ؟ .
ويبدو اليوم أن التسوية في ليبيا باتت رهينة التحالفات الجديدة الإقليمية والدولية وهو ما يجعل امكانية التوصل الى تسوية أمرا أصعب من أي وقت مضى. وذلك في وقت يلوح فيه خطر ترسيخ مبدإ التقسيم في أية صفقة قادمة بشكل يخالف كل المصالح الليبية وينسف مبدأ سيادة ليبيا على أرضها ومقدراتها وثرواتها . فصوت الرصاص المدوي في ليبيا كان دائما أقوى من كل المبادرات والاتفاقيات ويبدو ان كلمة الفيصل ستكون له في المعادلة الليبية .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا